الفصل 59: قبضة الهيئة الحيوانية على طريقة لو
الفصل 59: قبضة الهيئة الحيوانية على طريقة لو
"يا للمصيبة! وحش شيطاني هناااا!" صرخ مينغ جينغتشو برعب وهو يرفع ذراعيه متأهباً لتسديد ضربة قاضية.
ولا يلومه أحد على ردة فعله؛ فالفناء الخلفي كان يفترض أن يتدرب فيه لو يانغ على الملاكمة، لكن لو يانغ اختفى وظهر هذا النمر مكانه! فكان من الطبيعي أن يظن أن النمر الشيطاني قد بُعث حياً والتهم لو يانغ.
تحدث "النمر الشيطاني" بكلام بشري فصيح، وبنفس نبرة صوت لو يانغ بالضبط: "شيطان في عينك! هذا أنا!"
"بل ويملك نفس صوت لو يانغ أيضاً!" زاد فزع مينغ جينغتشو وتضاعف هلعه.
قفز الاثنان في الهواء معاً؛ ولشدة الصدمة التي شلت تفكير مينغ جينغتشو بسبب صوت النمر، عجز عن تفادي الهجوم، فصفعه مخلب لو يانغ على وجهه ليطرحه أرضاً!
همهم لو يانغ باحتقار: لا يوجد أي أثر لعراك في الفناء، فكيف يعقل أن النمر أكلني؟! هذا الوغد يعرفني جيداً، لكنه يتظاهر بالغباء ليمزح معي فقط.
طقطق مينغ جينغتشو بلسانه وهو ينهض؛ فلو يانغ لم يضربه بقوة، كما أن جلده سميك بما يكفي بحيث لم يشعر بأي ألم.
نفض الغبار عن ثيابه، ثم نظر إلى لو يانغ بشك وحيرة: "ما خطب هذا بحق السماء؟! ألم تكن تتدرب على قبضة الهيئة الحيوانية؟ فكيف انتهى بك الأمر متقناً لـ 'تقنية التحول' بدلاً منها؟!"
رد "النمر" لو يانغ: "انتظر قليلاً، دعني أكتشف كيف أعود لطبيعتي أولاً." وحاول حك مؤخرة رأسه، لكنه وجد في حيرة أن مخلبه الأمامي قصير لا يصل؛ فاضطر للجلوس واستخدام مخلبه الخلفي ليحك رأسه… لا يهم، سأتوقف عن الحك؛ فهذا يفسد هيبتي تماماً.
كشر لو يانغ عن أنيابه؛ ولم يتوقع قط أن التدرب على الملاكمة سيوقعه في مثل هذه الورطة الغريبة.
والآن بعد أن فكرت بالأمر، يبدو أن تدريبي على السيف هو الشيء الوحيد الطبيعي بين كل ما أفعله؛ فهل يجدر بي القول إنني أستحق لقب صاحب 'الجذر الروحي للسيف' حقاً؟
ركض مينغ جينغتشو صاعداً الدرج ونادى مان غو لينزل فوراً.
سأل مان غو بحيرة: "ما الأمر؟ أنا في نوبة المراقبة الآن."
"تعال، هناك شيء غريب ومضحك يجب أن تراه!"
سحب مينغ جينغتشو مان غو المتردد نحو الفناء الخلفي، وهناك صُدم برؤية ذلك "النمر الشيطاني" المألوف!
زمجر مان غو بغضب: "أيها الوحش، أعد لأخي لو حياته!" وانقض على لو يانغ دون تردد؛ ولأن عقله البسيط لم يفهم ما يحدث، فقد هاجم بكامل قوته الغاشمة!
وحين رأى مينغ جينغتشو الموقف ينفلت، سارع باحتضان خصر مان غو بقوة، محاولاً تهدئة ذلك العملاق: "لا تضرب! إياك أن تضربه! هذا لو يانغ نفسه!"
وصلت الجلبة لمسامع شبحي عوني النمر المنهمكين في إعداد الأسياخ؛ فاسترقا النظر بفضول من شق الباب، لترتعد فرائصهما من الرعب!
لقد بُعث السيد النمر حياً حقاً هذه المرة!
قلب "النمر" لو يانغ عينيه بملل متجاهلاً هؤلاء الحمقى؛ وركز بالكامل على استعادة هيئته البشرية. أغمض عينيه، وردد في سره: "عُد إلى طبيعتك" ثلاث مرات.
وحين فتح عينيه مجدداً، كان قد استعاد مظهره البشري تماماً.
وبعد أن هدأت الفوضى، جلس الثلاثة أخيراً ليفهموا ما جرى.
تنفس الشبحان الصعداء بارتياح، وعادا لشك اللحم؛ فزبائن الليلة سيكونون أكثر من البارحة بالتأكيد، ويجب تجهيز كميات أكبر من الأسياخ.
تنحنح لو يانغ وبدأ يشرح بهدوء: "حسناً، ما حدث هو أنني كنت أتدرب على قبضة الهيئة الحيوانية…"
وحين سمع مان غو ذلك، شعر أن كلامه نسف كل مفاهيمه السابقة، فقال باندهاش: "أهذه قبضة الهيئة الحيوانية أم 'قبضة التحول الحيواني'[1] بحق السماء؟!"
صدق الحكماء حين قالوا إن قراءة الكتب لا تكفي دون السفر والترحال! فأين يجد المرء مثل هذه العجائب في الكتب؟! يجب أن ألازم الأخ لو والأخ مينغ دائماً؛ فبفضلهما اتسعت آفاقي حقاً!
أما مينغ جينغتشو، فلم يكن أقل ذهولاً؛ ونظر إلى لو يانغ بشك: ظننتك تتدرب على تعويذة سحرية، فإذا بك تدعي أنك كنت تمارس الملاكمة؟! من وصل في تاريخ الفنون القتالية إلى هذه النتيجة بمجرد تدريب جسدي عادٍ؟!
وكان مينغ جينغتشو قد استغرب سابقاً حين انتهت تعويذة استعباد الأشباح بخروج روح لو يانغ من جسده؛ ولم يتوقع أبداً أن تقع مصيبة أغرب منها اليوم!
تحدث لو يانغ بثقة كاملة وهو يشرح فهمه الخاص للتقنية: "فكرا في الأمر بروية: ألا يعتمد جوهر قبضة الهيئة الحيوانية على تقليد الحيوانات؟ فقبضة النمر والقرد والكركي… ألا تقلد كلها طباع تلك الحيوانات؟"
أومأ مينغ جينغتشو ومان غو برأسيهما.
تابع لو يانغ بحماس: "بالضبط! وبناءً عليه، كلما كان التقليد متقناً، زادت القوة وكانت النتيجة أفضل، أليس كذلك؟"
أومأ الاثنان مجدداً.
استطرد لو يانغ: "وأنا قاتلت النمر الشيطاني بنفسي للتو، لذا فأنا الأكثر فهماً لقبضة النمر؛ فطبيعي جداً أن أتعلمها بسرعة وبأعلى درجات الإتقان، أليس كذلك؟"
واصل الاثنان الإيماء ببلادة.
أكمل لو يانغ حجته: "وانطلاقاً من هذا المبدأ، تدربت على اللكمات، ومع اندماجي التام تحولت فجأة إلى نمر حقيقي! ألا يبدو هذا منطقياً ومنسجماً تماماً مع الأصول؟!"
كاد مينغ جينغتشو يومئ برأسه تأييداً، لكنه تدارك نفسه في اللحظة الأخيرة وصرخ معترضاً: "أي منطق هذا؟! الفرق بين الأمرين شاسع كالمسافة بين السماء والأرض!"
أما مان غو، فاستمر يومئ برأسه ببلاهة.
فتح لو يانغ يديه بقلة حيلة؛ فهو نفسه مستغرب مما حدث، ولم يفعل سوى التدرب وفق الكتاب مع لمسة بسيطة من فهمه الخاص: "لماذا لا تجربان أنتما أيضاً؟ من يدري، ربما تتعلمان تقنية التحول بهذه الطريقة!"
لمعت أعين مينغ جينغتشو ومان غو بالحماس؛ فسيكون إنجازاً مذهلاً لو تعلما التحول من خلال الملاكمة! ورغم أن تقنية التحول تُعد مهارة يستعملها الماكرون وأهل الريبة عادة، إلا أن تعلم حركة جديدة لا يضر، فربما يحتاجانها يوماً ما.
وتحت إشراف لو يانغ كمعلم، أتقن الاثنان حركات قبضة النمر بسرعة، وبدت ضرباتهما قوية كالنمر الهائج[2].
لكنهما عجزا تماماً عن فهم النقطة الأساسية… وهي التحول الفعلي!
وبينما كانا يتدربان، لم يبقَ لو يانغ متفرجاً؛ ومع مراقبته لحركاتهما، خطرت له فكرة جديدة: قبضة الهيئة الحيوانية تعتمد على التقليد… فلماذا نقتصر على تقليد الحيوانات فقط؟! ما المانع من تقليد البشر أيضاً؟!
وانطلقت الفكرة في رأسه كالحصان البري بلا قيود!
ولأن الشرط الأساسي لإتقان التقنية هو معرفة الهدف جيداً، لمعت عينا لو يانغ وهو ينظر لرفيقيه أمامه: أليسا هما المثال الأوضح والأسهل للتقليد؟! لقد فهمت جوهر القبضة بالفعل، وحان وقت التجديد!
التطور الحقيقي لا يحدث إلا بالتجديد وابتكار أشياء جديدة!
وطبق لو يانغ فكرته فوراً؛ فأغمض عينيه مسترجعاً حركات مان غو وسكناته، وبدأ جسده يتحرك مقلداً إياها.
لاحظ مان غو حركات لو يانغ ووجدها مألوفة جداً دون أن يفهمها في البداية: "أليس هذا… أنا؟!" وسرعان ما استوعب الأمر، لكنه لم يفهم ما يريده لو يانغ.
أما لو يانغ، فغرق مجدداً في استبصاره؛ وبدأ جسده يتغير بالتدريج حتى تحول بالكامل إلى… مان غو الحقيقي!
"ههههه! نجحت أخيراً! كنت متأكداً أن فكرتي صحيحة!" ضحك لو يانغ بصوت عالٍ وهو بملامح مان غو، مما جعل المشهد غريباً ومتناقضاً للغاية!
تفجرت علامات التعجب في رأس مان غو: ما الذي حدث للتو؟! كيف تحول لنسخة مني في ثانية؟! ولماذا تختلف هذه الطريقة تماماً عن قبضة الهيئة الحيوانية العادية؟! أيمكن استخدامها لتقليد البشر أيضاً؟!
جاء صوت مينغ جينغتشو وهو يتدرب: "أخي مان غو، لم أكن أعلم أنك تضحك بهذه الطريقة المبتذلة…" وفجأة انتبه للمنظر، فالتفت ليصرخ برعب: "يا للمصيبة! اثنان من مان غو أمام عيني?!"
سحقاً! مان غو حقيقي وآخر مزيف يقفان بجانب بعضهما؟!
"مهلاً… مان غو الجديد هذا هو لو يانغ!"
تفحص مينغ جينغتشو هيئة لو يانغ بدقة: الملامح والجسد نسخة طبق الأصل من مان غو، لكن تعابير وجهه مختلفة تماماً؛ فمن نظرة واحدة يعرف المرء أن مان غو شخص بريء وطيب، أما نسخة لو يانغ فتبدو كشخص خبيث لا يكف عن تدبير المقالب!
وفقد مينغ جينغتشو أي رغبة في تعلم قبضة الهيئة الحيوانية فوراً؛ فحتى لو رغب سابقاً في إتقان التحول، إلا أن رؤية لو يانغ هكذا أكدت له استحالة وصوله لهذه النتيجة الشاذة.
هذا الشيء لا يمت لقبضة الهيئة الحيوانية بأي صلة من قريب أو بعيد!
وبعد أن أتقن لو يانغ المهارة، حول شكله بسلاسة من مان غو إلى مينغ جينغتشو في غمضة عين!
سأله مينغ جينغتشو بذهول: "هذه تقنية التحول الحقيقية بلا شك، أليس كذلك؟"
وضع لو يانغ يديه خلف ظهره، ورفع رأسه للأعلى بزاوية كبار أسياد القتال، وقال بفخر:
"هذه هي 'قبضة الهيئة الحيوانية على طريقة لو'!"
(ولا تسألوا كيف بقيت ملابس لو يانغ على جسده بعد عودته من هيئة النمر إلى الهيئة البشرية — فهذه رواية محترمة وعفيفة!)
الهوامش:
[1] تورية قائمة على تشابه النطق في الصينية بين اسم التقنية "قبضة الهيئة الحيوانية" (Xiangxingquan) و"قبضة التحول" (Bianxingquan).
[2] تعبير مجازي مستوحى من مثل صيني كلاسيكي (Shengbanshengteng) يصف الحركات القتالية الحية والشرسة كاقتحام النمور.
خواطر المترجم (راكومون):
أمثال وحكم مقترنة بالحيوانات:
تمتلئ الثقافة الصينية بحكم وأمثال شعبية ترتبط بطباع الحيوانات وسلوكياتها — كالنمر، والتنين، والحصان؛ وقد رأينا الكثير منها في الفصول السابقة. فهل لديكم أمثال شعبية مشابهة في لغتكم ترتبط بالحيوانات؟ وأيها تفضلون؟ 😀
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.