الفصل 53: التجنيد العام للعقيدة الشيطانية
الفصل 53: التجنيد العام للعقيدة الشيطانية
في عتمة دامسة، لمع نحو اثني عشر زوجاً من الأعين ببريق مريب، كأفاعٍ سامة تتربص في جحورها. وكانت تلك الأعين مثبتة بهدوء على زعيم الفرع، تترقب كلامه في صمت تام.
وأخيراً، كسر زعيم الفرع الجالس باسترخاء حاجز الصمت؛ فانطلق صوته الأجش والعميق كأنه لم ينطق منذ عقود، بنبرة ثقيلة:
"لماذا لم تشعلوا القناديل بعد؟"
أجاب أحد المشرفين بأدب: "أيها الزعيم، أأنسيت ما حدث في الاجتماع السابق؟ لقد أثنيت حينها على الأجواء المهيبة لاجتماعات المقر الرئيس، وذكرت أن فرع يانجيانغ يفتقر للأجواء التي تليق بعقيدة شيطانية!
وبعد تفكير طويل، رأيت صدق كلامك؛ ولعل هذا النقص هو سبب تذيل فرعنا لقائمة الفروع. وتساءلت في نفسي: ألا تقول الروايات إننا معشر العقائد الشيطانية نحب تدبير المؤامرات في الظلمات الدامسة؟ لذا منعت الخدم عمداً من إيقاد القناديل!
في الحقيقة، ألا ترى أن إبقاءها مطفأة يعطي انطباعاً مثالياً لارتكاب الشرور؟"
وكان واضحاً أن هذا المشرف يعي تماماً ما يفعله، ويدرك أن العقائد الشيطانية لم تكن يوماً مكاناً للخير.
غرق زعيم الفرع في صمت طويل: أترى هذا المشرف يلمح برغبته في الانشقاق والفرار؟ أم يلمح إلى أن ميزانية فرع يانجيانغ لم تزد منذ أمد بعيد؟ أم تراه يلمح إلى ضرورة شراء وثائق تأمين للأعضاء؟
من المستبعد جداً أن يخطط للمغادرة؛ فهو لا يتوقف عن ارتكاب الآثام بلا تمييز بين صديق وعدو، وبطشه لا يقتصر على الخارج فقط، بل يمارس الغدر والمكائد ضد رفاقه داخل العقيدة نفسها. إنه وغد فاسد حتى النخاع.
ولا يبدو الأمر طلباً لزيادة الميزانية أيضاً؛ فميزانيتنا مرتبطة بالخزينة المحلية وهي مبلغ ضخم بالفعل، وتفوق رواتب المسؤولين بثلاثة أضعاف! وبما أن مقاطعة يانجيانغ صغيرة ونائية، فيستحيل أن تنافس ميزانية المقر الرئيس.
والأبعد احتمالاً هو طلب وثائق التأمين؛ فأغلب أتباع العقائد الشيطانية ليس لديهم ورثة أصلاً، فلمن ستذهب التعويضات؟ فضلاً عن أن 'نقابة لوودي التجارية' تمنع بيع وثائق التأمين للعقائد الشيطانية؛ فلو تجرأت النقابة وباعت تأميناً على الحياة أو الحوادث لنا، لكان الأتباع واثقين تماماً من قدرتهم على استنزاف أموالها حتى الإفلاس وتجريدهم حتى من ملابسهم!
قال الزعيم باقتضاب: "أشعلوا القناديل أولاً."
رد المشرف: "أمرك مطاع." وأطلق نفخة خفيفة خرجت منها شرارات أشعلت فتائل القناديل فوراً؛ فتبددت الظلمة وأضاءت القاعة كلها في لمح البصر.
تابع زعيم الفرع: "لعل الجميع سمع بالشائعات المتداولة حول الصغير تشين؛ كفوا عن ترديدها، ولا تجعلونا أضحوكة بين الناس. فنحن جميعاً شهود على خصال الصغير تشين؛ إنه فاسد وخبيث، ولا يتورع عن ارتكاب أي منكر. وإن قبضت السلطات عليه، لكان قطع رقبته أقل عقاب يستحقه! وهذا كافٍ لإثبات أن طينته الخبيثة تناسب عقيدتنا ونهجنا تماماً.
أما الهراء الذي يزعم أنه نصير للمسار القويم، فمحض كذب. فكل من انضم لعقيدتنا اجتاز اختبارات زعيم العقيدة العظيم؛ وكان حكم الزعيم عليه: 'طبيعة شيطانية متأصلة حتى العظام'. وحكم زعيمنا العظيم لا يخطئ أبداً."
انحنى تشين يوانهوا بامتنان: "رأيك سديد وحكمتك بالغة أيها الزعيم." وتحسن مزاجه قليلاً، وعزم في نفسه على تمزيق من روج تلك الشائعات فور عودته!
ولم يعد زعيم الفرع للحديث عن تشين يوانهوا ثانية؛ وما قال ذلك إلا تقديراً للعرش الفخم الذي أهداه إياه.
تابع الزعيم: "الهدف من جمعكم اليوم هو تكليف وصلنا من المقر الرئيس." وتوقف للحظة ثم أردف: "يطالبون كافة الفروع بفتح باب التجنيد لاستقطاب تلاميذ جدد."
تفاجأ تشين يوانهوا وبقية الحاضرين؛ فالعقيدة لم تعلن عن تجنيد عام وشامل منذ ثلاثين عاماً! وكل من التحق بهم طوال تلك العقود كان عبر التزكية الفردية فقط؛ كما حاول تشين يوانهوا مع النمر الشيطاني سابقاً، وإن فضل ذلك الوحش البقاء في جبل الصنوبر.
أوضح الزعيم: "أظنكم سمعتم جميعاً بأنباء اقتراب العصر الأعظم؛ إذ سيسطع نجم العباقرة، وقد يُقتل كبار الخبراء على يد شبان مغمورين، وستظهر أطلال الكهوف القديمة مجدداً. إنه عصر مليء بالفرص والتحديات.
والطوائف الخالدة العظمى، وبقية الطوائف القوية، تعج بالمواهب؛ فالجذور الروحية المزدوجة التي كانت نادرة في الماضي، باتت مألوفة اليوم. وإن تركنا هؤلاء العباقرة يكبرون على مهل، فلن نجد موطئ قدم لمنافستهم في هذا العصر أبداً!
إن أردنا خوض النزاع، فهذا هو الوقت المناسب!
وإن اقتنصنا الفرص، فسنرتقي كالفرسان ونصبح خالدين طلقاء! لكن هذه الفرص ليست سهلة؛ فسلالة شيا اللعينة والطوائف الخالدة ضاعفوا قمعهم لنا، وسقط الكثير من رفاقنا.
ولضمان مكانة راسخة، يجب توسيع رقعة العقيدة ومضاعفة عدد أتباعنا؛ وقد اتفقت العقائد الشيطانية الأربع الكبرى على هذا القرار بالكامل. كل ما عليكم الآن هو نشر أخبار التجنيد عبر قنواتكم الخاصة، وجمع كل مزارعي المسار الشيطاني في مقاطعة يانجيانغ وما حولها، أو من يرغب بالانضمام إلينا."
تساءل أحدهم بقلق: "إن فتحنا باب التجنيد على هذا النطاق الواسع، ألا يمنح ذلك مزارعي المسار القويم فرصة للتسلل إلى داخل العقيدة؟"
كان سؤاله في محله؛ فالعقائد الشيطانية تحرص على الحذر الشديد للبقاء. ولو تسلل بضعة جواسيس للداخل، لكانت كارثة حقيقية.
هز زعيم الفرع رأسه: "هذا التجنيد يشرف عليه زعيم العقيدة بنفسه؛ ومزارعو المسار القويم عاجزون تماماً عن اجتياز الاختبارات التي يضعها."
اطمأن الحاضرون فوراً، وحلت مكان الشكوك حماسة كبيرة؛ فزعيم العقيدة كان شخصاً مطلق القدرة في نظرهم، وكانوا يؤمنون بأنه سيقود "عقيدة الأبدية" نحو المجد!
وفور انتهاء الاجتماع، استغل تشين يوانهوا كل معارفه للبحث عمن شوه سمعته، وتتبع خيوط الإشاعة حتى وصل إلى الحانة الصغيرة.
أخذ صاحب الحانة يصف الشخص بيديه وهو يتذكر مظهر لو يانغ بوضوح: "كان طوله ثمانية أقدام، وعرضه ثمانية أقدام، ووجهه مليء بالندوب والبثور؛ رجل ضخم يبدو كأنه يأكل ثلاثة أطفال في الوجبة الواحدة!"
وبناءً على هذا الوصف الغريب، رسم تشين يوانهوا سريعاً صورة تقريبية لا تشبه لو يانغ الحقيقي بأي شكل!
ففي النهاية، كان لو يانغ ورفاقه متنكرين بالكامل قبل دخول الحانة.
برقت عينا تشين يوانهوا بقسوة: تتجرأ على فبركة الشائعات عني وأنت بهذا المظهر اللافت؟! أتحسبني صيداً سهلاً؟!
كان الوقت قد قارب منتصف الليل، لكن سلالة شيا العظمى لا تفرض حظر تجوال؛ فجلس تشين يوانهوا مع بعض أتباعه في الشارع يستمتعون بوجبة شواء فاخرة — ضمت أسياخ لحم خنزير، ولحم بقر، وأفخاذ ضأن مشوية، وأقدام دجاج، وجلد خنزير، وأوتار بقر، وكوارع، وروبيان، وكلى طرية، وكراثاً، وبطاطس، وطماطم، وتوفو مشوياً…
كانت الأسياخ متبلة بعناية وتفوح بالنكهات اللذيذة. ومع دهنها بصلصة زيتية داكنة، كانت تشوي فوق الجمر برائحة شهية تسلب العقول.
لحم الخنزير مشكوك في أسياخ خيزران طويلة فوق موقد ضخم؛ شحمه لذيذ بلا دسم مفرط، ولحمه طري وغني.
وأفخاذ الضأن نضجت في أفران الطين بحرارة متوازنة، لتمنح اللحم قرمشة خارجية وطراوة داخلية ممتازة.
أما أقدام الدجاج، فنقعت أولاً في صلصة "لو"[1] العطرية ثم وُضعت فوق الشواية؛ ومزيج الأوتار والجلد والغضاريف المقرمشة كان متعة حقيقية في المضغ.
بينما شويت قطع الدجاج طازجة مباشرة، باحترافية حافظت على عصارتها وطراوتها.
وحُمصت حبات البطاطس بعد تدخينها ودهنها بالصلصة، فصارت مقرمشة من الخارج وهشة وناعمة من الداخل.
التهم الجميع الطعام بنهم حتى غطت الزيوت شفاههم؛ وبعد أن شبعوا، أمر تشين يوانهوا أتباعه بغرور: "انطلقوا ومشطوا المدينة بحثاً عن هؤلاء الأشخاص؛ وإياكم أن تعودوا قبل العثور عليهم!"
صاح الأتباع معاً: "أمرك مطاع أيها الأخ الأكبر!" ثم تفرقوا في كل اتجاه.
وبعد انتهائه من مأدبة الشواء، شعر تشين يوانهوا بارتياح ورضا، ونسي غضبه من مروجي الشائعات مؤقتاً. ولم ينتبه أبداً لوجود لو يانغ الذي كان يراقبه متخفياً تحت الأرض مباشرة!
فقلة من الناس ينظرون إلى ما تحت أقدامهم…
وتشين يوانهوا لم يكن استثناءً من ذلك أبداً.
الهوامش:
[1] صلصة لو (Lu Sauce / 卤汁): طريقة طهي صينية شهيرة تعتمد على غلي اللحوم ببطء في مرق داكن غني بصلصة الصويا والبهارات مثل الينسون النجمي والقرفة، ليعطي نكهة تجمع بين الملوحة والحلاوة الخفيفة.
خواطر المترجم (راكومون):
صلصة لو؟ مطهوة ببطء؟ صلصة الصويا؟
إن جربتم المطبخ الصيني من قبل، فالأرجح أنكم تذوقتم أطباق الـ "لو"؛ مرق داكن مميز غني بالنكهات والروائح الشهية!
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.