مساحة للحكاية، ووقت لك← من سمح له بالسعي إلى الخلود
الفصل 52: من تشتمون بنعتكم له بالرجل الصالح؟!نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 52: من تشتمون بنعتكم له بالرجل الصالح؟!

الفصل 52: من تشتمون بنعتكم له بالرجل الصالح؟!

داخل حانة صغيرة متواضعة، كان أحد الزبائن يتحدث بصوت جهوري لافت جذب أنظار الجميع: "هل سمعتم بالخبر؟ ظهر في مقاطعتنا بطل عظيم ينصر المسار القويم؛ يدعى تشين يوانهوا، حتى إن كبار مزارعي طوائف الخالدين الخمس أعجبوا ببطولاته!" لمعت عينا لو يانغ بحماس شديد، كأنه يحمل سراً خطيراً يتشوق لمشاركته مع الحاضرين.

تساءل أحدهم: "حقاً؟ لماذا لم أسمع به من قبل؟"

علق آخر: "أذكر هذا الاسم بغموض، لكنه لم يبدُ لي رجلاً صالحاً أبداً!"

قاطعهم ثالث بصوت عالٍ: "كفاكم جدالاً! دعوا هذا الأخ يخبرنا بحقيقة ما فعله تشين يوانهوا!"

توقف لو يانغ لبرهة قبل أن يتابع: "هذا البطل المدعو تشين يوانهوا يتمتع بزراعة قوية، فهو يقف بثبات في مرحلة تأسيس الأساس! وهو رجل شهب ينصر المظلوم وله شبكة واسعة من الأصدقاء؛ وكل من يعرفه يناديه باحترام 'الأخ الأكبر'!"

وحين سمع رواد الحانة أنه في مرحلة تأسيس الأساس، لمعت أعينهم بانبهار؛ فهذا خبر لم يعتادوا عليه قط!

ففي السابق، اعتادوا على قصص الجيانغهو وأساطير كبار خبراء الوولين؛ ورغم متعة تلك الحكايات، إلا أنهم يعلمون في قرارة أنفسهم أن أبطال الوولين ليسوا بتلك القوة الخارقة في الحقيقة.

فالإجماع السائد كان يرى أن قمة خبراء الوولين توازي المستوى الثامن أو التاسع من مرحلة تدريب التشي فقط، وتلك حدود طاقتهم.

أما الآن، ومع ظهور أخبار عن خبير في مرحلة تأسيس الأساس، فقد تحمسوا لسماع القصة كاملة ليجدوا ما يتفاخرون به في مجالسهم القادمة.

تابع لو يانغ بحماس: "دعوني أخبركم بما حدث حين ذهب تشين يوانهوا إلى مزاد علني مع صديق مقرب له؛ رأى الصديق كنزاً نادراً وتمنى شراءه، وتوسل إلى تشين يوانهوا أن يقرضه بضعة آلاف من الأحجار الروحية منخفضة الرتبة.

فضحك تشين يوانهوا وقال: 'بالنظر إلى الصداقة التي تجمعنا، فالحديث عن المال وقاحة! خذ هذه الأحجار الروحية الثمانية آلاف كاملة، ولا داعي لإعادتها إليّ أبداً!'

وتأثر صديقه بكرمه لدرجة كادت دموعه تنهمر!"

هتف زبون عابر يدعى مينغ جينغتشو بصوت عالٍ: "ثمانية آلاف حجر روحي؟! الأحجار الروحية هي العملة المعتمدة في عالم الزراعة؛ وثمانية آلاف حجر كافية لشراء قصر فخم في قلب المقاطعة مع خادمات حسناوات مدى الحياة!"

وبفضل هذا التوضيح، أدرك الجميع القيمة الهائلة لهذا المبلغ: هذا المدعو تشين يوانهوا كريم وسخي للغاية حقاً! كيف يتنازل عن كل تلك الثروة بهذه البساطة؟!

استطرد لو يانغ: "وبعد أن فاز صديقه بالكنز، أصبح هدفاً لمزايد آخر ينتمي للمسار الشيطاني؛ فتربص بهما ذلك المزارع الشرير ونصب لهما كميناً. ولأن الصديق رفض التخلي عن الكنز وقاوم بشراسة، قتله المزارع الشيطاني وسرق الكنز. وحين حاول تشين يوانهوا ملاحقته، كان الشرير قد لاذ بالفرار واختفى عن الأنظار."

توقف لو يانغ وأشار إلى حلقه؛ ففهم الحاضرون وسارعوا بصب الشراب له. تجرع رشفة من نبيذ الحبوب وتابع: "وقبل أن يلفظ الصديق أنفاسه الأخيرة، استودع زوجته وابنته أمانة في عنق تشين يوانهوا. والدموع في عينيه، عاهده تشين يوانهوا على رعايتهما وحمايتهما بكل إخلاص.

وكانت الأم وابنتها في غاية الجمال؛ فالأم محافظة على شبابها وقوامها الفاتن، بينما كانت الابنة لطيفة ومرحة. ومع ذلك كله، لم يضعف قلب تشين يوانهوا أمام حسنهما أبداً!

وبعد أن فقدتا معيلهما، وجدتا في تشين يوانهوا رجلاً يُعتمد عليه، وحاولتا إغواءه ولفت انتباهه. لكن تشين يوانهوا صدهما بوضوح، موضحاً أنه يتدرب على 'كونغ فو الفتى البتول'[1] ومحرم عليه التفريط في عفته!

ووفاءً بوعده، تكفل برعايتهما دون أن يتجاوز حدوده الأخلاقية؛ حتى وجد لهما في النهاية رجلاً صالحاً وكفؤاً ليتزوجهما ويكون سنداً لهما."

علق مينغ جينغتشو باندهاش: "يا للهول! رجل مستقيم بهذه النبالة في زماننا — غني لا تغريه الأموال، وثابت لا تهزه النساء!" فلامست كلماته مشاعر الحاضرين فوراً.

"تشين يوانهوا هذا رجل عظيم بحق!"

"يا للأسف أنني لا أعرفه؛ وإلا لاقترضت منه بعض الأحجار الروحية!"

"من قال إن الأبطال يعجزون عن مقاومة النساء الجميلات؟! لقد أثبت تشين يوانهوا العكس تماماً!"

وفي زاوية هادئة، جلس مان غو يراقب المشهد بذهول؛ لو يانغ يسرد ببراعة ومينغ جينغتشو يدعمه ويشعل حماس الجمهور؛ إنهما عبقريان بحق، لم يجهزا نصاً حتى، بل ألفا القصة كاملة ارتجالاً في التو واللحظة!

متى يا ترى سأمتلك مثل هذه الموهبة الفذة؟!

وكان السكارى في الحانات يعشقون التباهي بنقل أخبار يجهلها غيرهم؛ ولأن الخمر لعبت برؤوسهم أثناء استماعهم للو يانغ، نسوا بعض التفاصيل الدقيقة. واكتشفوا هذا النقص حين أرادوا سرد القصة في مجالس أخرى؛ لكنهم كانوا قد بدأوا في الكلام بالفعل، واستنكفوا أن يعترفوا بنسيان نصف الحكاية. ومن ثم، أكملت مخيلاتهم بقية القصة من العدم!

ولأن ما نسيه كل شخص كان مختلفاً عن الآخر، فقد جاءت التفاصيل الجديدة متباينة تماماً، مما أشعل موجة ضخمة من الشائعات المتناقضة حول تشين يوانهوا في كل مكان!

"هل سمعتم عن المحسن العظيم تشين يوانهوا؟"

"أتقصد ذلك الذي عثر سراً على منجم أحجار روحية، وأصبح بين ليلة وضحاها من أثرياء المقاطعة، يقرض الناس الأموال دون أن يستردها؟"

"أظن ذلك، لكن ما سمعته هو أن تشين يوانهوا يعرض عن النساء ويميل للرجال؟!"

"صحيح! سمعت أنه يتدرب على كونغ فو الفتى البتول ويفضل الفتيان الصغار!"

"أحقاً ما تقول؟! أهكذا يُمارس كونغ فو الفتى البتول أصلاً؟ ألم يقولوا إن من يتدرب عليه يجب أن يأكل 'فروج الدجاج الصغير'[2]؟"

"أنتم جميعاً على خطأ! لقد سمعت أن تشين يوانهوا عثر بالصدفة على الأداة الخالدة الأسطورية: 'سجل الجدارة والاستحقاق'! واعترفت به الأداة سيداً لها بعد أن سكب قطرة من دمه عليها؛ وكلما فعل خيراً، كسب نقاط جدارة يمكن استبدالها بكنوز روحية وأدوات خالدة وزيادة في مستوى الزراعة!"

"وسمعت أيضاً أنه الحاكم للعوالم السفلية التسعة، المسؤول عن الخير والبر! وإياكم أن تنخدعوا بضعف مستواه الحالي؛ فهو يراكم قوته في الخفاء، ومتى سنحت الفرصة، سيصعد إلى السماء كالتنين ويصبح خالداً!

وما انضمامه لإحدى العقائد الشيطانية إلا بهدف التسلل لقيادتها والقضاء عليهم جميعاً، لتتحول رؤوسهم إلى رصيد جدارة في سجله!"

"إنه يضع العقيدة الشيطانية بأكملها في جيبه بالفعل؛ يا لها من عزيمة مرعبة!"

وفي مقاطعة يانجيانغ، كانت العقيدة الشيطانية تعقد اجتماعها المعتاد.

اصطف الأتباع باحترام في صفين متقابلين، بينما جلس زعيم الفرع فوق عرش منحوت من كتلة عقيق أحمر كاملة؛ ونُحت على مسندي يديه رأسا تنين ونمر، رمزا لسطوته المطلقة.

وكان هذا العرش في الأصل هدية قدمها تشين يوانهوا للزعيم.

وكان تشين يوانهوا في مزاج سيئ للغاية؛ فقد اكفهر وجهه، وأخذت شفتاه ترتعدان بغضب كاشفة عن أنيابه الوحشية.

ولم يهتم زملاؤه لغضبه؛ فمع تقارب مستوياتهم ومكانتهم، لن يصيبهم أي مكروه مهما انفجر غضبه؛ فهكذا تسير الأمور في العقيدة الشيطانية — ما شأني بغيري طالما أن المصيبة لم تقع فوق رأسي؟

ومع ذلك، لم يكن تشين يوانهوا ملوماً على غضبه؛ فقبل بدء الاجتماع، انهال عليه الحاضرون بأسئلة ساخرة:

"أيمكنك إقراضي بعض الأحجار الروحية؟ فأنت تملك منجماً كاملاً في النهاية!"

"أتعرف فتاتين جميلتين كأختين أو أم وابنتها؟ أرجوك عرفني عليهما!"

"أنا أعتذر منك؛ لم يكن يجدر بي أخذك لدار الغناء لسماع الموسيقى، فلا بد أن التواجد في مكان فاسد كهذا كان عذاباً لروحك الطاهرة، أليس كذلك؟"

"الأخ تشين، سأتبعك من الآن فصاعداً؛ لا يهمني 'سجل الجدارة'، بل ما يهمني هو شخصك النبيل!"

"نزيه ومستقيم، سخي بالأموال، وعازف عن النساء… يا تشين يوانهوا، أنت عار حقيقي على عقيدتنا الشيطانية! لا تقل لي إنك جاسوس أرسله المسار القويم؟!"

أطبق تشين يوانهوا قبضتيه بغل، مقسماً بأغلظ الأيمان أن يجد ذلك الوغد الذي لفق هذه الشائعات القذرة عنه، ليمزقه إرباً ويرميه طعاماً للكلاب الضالة!

أنا شرير محترم ومخلص للمسار الشيطاني! فكيف حولتموني فجأة إلى رجل صالح ونقي؟!

من تشتمون بنعتكم له بالرجل الصالح بحق الجحيم؟!

الهوامش:

[1] كونغ فو الفتى البتول (Virgin Boy Kungfu / 童子功 – Tongzigong): فن قتالي معروف في روايات الووشيا، يتطلب التدرب عليه الحفاظ على العفة تماماً؛ لأن أي اتصال جنسي يفرغ طاقة اليانغ ويدمر تدريب الممارس.

[2] فروج الدجاج الصغير (Boy Chicken / 童子鸡 – Tongziji): التسمية الصينية لفروج الدجاج الصغير (Spring chicken)، واستخدمها الكاتب هنا للتلاعب اللفظي الكوميدي لاشتراكها في نفس مقطع "الفتى الصغير" (Tongzi).

خواطر المترجم (راكومون):

الجيانغهو والوولين:

مصطلح "الجيانغهو" (Jianghu) بمعناه الواسع يشمل العالم السفلي والشارع الشعبي البعيد عن يد الحكومة، بما فيه من رحالة وباعة ومقاتلين.

أما "الوولين" (Wulin) فهو خاص حصراً بمجتمع الفنون القتالية وأصحاب القبضات والسيوف.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.