الفصل 28: سمعتُ أنك مررتَ بفترة تأكل فيها التوفو كل يوم؟
الفصل 28: سمعتُ أنك مررتَ بفترة تأكل فيها التوفو كل يوم؟
أشاح لو يانغ ورفيقاه بنظراتهم في صمت مطبق، متمنين لو يغدون غير مرئيين تماماً؛ فبالنظر إلى تلك الملامح الشرسة التي علت وجوه الإخوة الكبار الخمسة، لم يكن مستبعداً على الإطلاق أن يندفعوا لقتل الشهود وإسكاتهم تحت وطأة الغيظ والتهور!
همس مينغ جينغتشو بصوت خفيض للغاية، خشية لفت انتباه الإخوة الخمسة الغارقين في التهام طبق وليمة ذبح الخنزير: "بالمناسبة، ألا تود أن تخمن ماذا طلبتُ لك خصيصاً؟ إنها أطباق مما تشتهيه نفسك بلا ريب!"
شعر لو يانغ بالحيرة والريبة: كيف عرف مينغ جينغتشو ما أحب أكله؟
سألت تاو ياويي بصوت أكثر همساً: "وكيف علمتَ ما يحبه الأخ الأكبر لو؟"
رفع مينغ جينغتشو إبهامه متباهياً بنفسه، وابتسم ابتسامة عريضة كشفت عن أسنانه الناصعة: "لقد سألتُ الأخت الكبرى الكبرى خصيصاً!"
سرى في أوصال لو يانغ نذير شؤم في التو واللحظة.
صدح صوت النادل وهو يضع الأطباق تباعاً:
"التوفو المخمر وصل!
بودنغ التوفو الطازج!
التوفو مع الكراث الأخضر!
توفو مابو الحار[1]!"
أخذ النادل ينادي بأسماء الأطباق وهو يقدمها؛ وتجلت أمام عيني لو يانغ مأدبة فاخرة تفيض بأشهى أطباق التوفو العبقة. وحتى فتاة مثل تاو ياويي، التي لم تكن تكترث كثيراً للتوفو، سال لعابها وتملكتها رغبة في مد يدها وتذوق الطعام.
ومع كل طبق يُعلن عنه النادل، كان وجه لو يانغ يزداد شحوباً وكمداً.
قال مينغ جينغتشو وهو منتشٍ وفخور بحصافة رأيه: "أخبرتني الأخت الكبرى الكبرى أنك مررتَ بفترة لم تكن تأكل فيها سوى التوفو كل يوم، وفي كل وجبة دون استثناء! حتى إنك كنت تهذي في منامك باسم 'عاهل التوفو السماوي'؛ لذا استنتجتُ على الفور أنك متيّم بعشق التوفو!"
"لا داعي لأن يغمرك التأثر هكذا! لقد علمني أفراد عائلتي أنه إن أردتُ دعوة شخص ما لتناول الطعام، فيجب عليّ تقصي تفضيلاته الشخصية لإظهار خالص إخلاصي ومودتي. ورغم أنني غالباً ما أختلف مع عائلتي في معظم الأمور، إلا أنني أتفق معهم تماماً في هذه النقطة."
"لذا قصدتُ مطعم المائة عبير خصيصاً لحجز هذه المأدبة من التوفو. إياك والاستهانة بهذه الأطباق! قد تبدو عادية للوهلة الأولى، لكنها في الحقيقة مصنوعة من أجود حبوب الصويا الروحية والأعشاب الخارقة، وحتى الماء المستخدم فيها هو ماء نقي مستخرج من إذابة جليد أقصى الشمال المتجمد…"
استحال وجه لو يانغ في الحال إلى بياض ناصع يفوق بياض قوالب التوفو المستقرة أمامه.
أهذا هو ما توصلتَ إليه بعد كل هذا التقصي والتحري بحقك؟!
وبعد أن نال رواد المطعم كفايتهم من الطعام الشهي، غادروا مطعم "المائة عبير" وهم يربتون على بطونهم بارتياح. سارع النادل بمسح الطاولات والمقاعد وترتيب الصحون؛ وما إن جلس ليلتقط أنفاسه قليلاً، حتى طاف برأسه سؤال لو يانغ مجدداً: *هل يُعد تناول حبوب الصيام أكلاً أم صياماً؟*
ورغم أن السؤال بدا عادياً وسطحياً في مظهره، إلا أنه أخفى في جوهره ما لم تدركه العين لأول وهلة؛ وكلما أطال التفكير فيه، وجده ينضح بحكمة فلسفية بالغة العمق: *يبدو أن هذه الدفعة من التلاميذ الجدد تضم شخصاً فائق البصيرة والإدراك! سيكون له شأن عظيم في المستقبل بلا ريب!*
قصد النادل المطبخ ونادى بصوت جهوري ملقياً بالسؤال على الطاهي الذي ذبح الخنزير قبل قليل: "مهلاً يا طاهي، لديّ سؤال أود طرحه عليك."
كان المطبخ لاهباً بحرارة خانقة كادت موجاتها الحارقة تُرى بالعين المجردة؛ ولو لامس مزارع في مرحلة صقل التشي هذه الموجات، لخلفت لديه آثار سم النار المزمن ليتعذب به طوال حياته إن كان محظوظاً، أما سيئ الحظ فكانت أحشاؤه لتتفحم فوراً دون أن يتبقى منه سوى هيكل عظمي محترق!
فلطهي كنوز السماء والأرض والأعشاب السماوية النادرة، لم تكن نيران العالم الفاني الدنيوية لتفي بالغرض أبداً؛ حتى إن حرق شعر خنزير بري في مرحلة الروح الوليدة كان يقتضي كحد أدنى لهباً منبثقاً من مزارع في المرحلة المتقدمة من النواة الذهبية.
متجاهلاً تلك الحرارة المرعبة داخل المطبخ، لوّح النادل بعفوية بالمنشفة المستقرة على كتفه، فتبددت الحرارة الخانقة فجأة دون أن تترك خلفها أي أثر، وحلّت مكانها نسمة منعشة وباردة.
سأل الطاهي: "ما الخطب؟ هل جئت لتتعلم مني فنون ذبح الخنازير؟"
قلب النادل عينيه بضجر: "ولماذا قد أتعلم مثل هذه الحرفة الفجة؟ لقد خطر ببالي للتو سؤال فلسفي يرتبط بفنون الطهي، فجئتُ لأمتحن فطنتك."
أثار الأمر فضول الطاهي الذي كان يفرك الموقد، فتوقف عن التنظيف، وألقى الفرشاة جانباً وسند ساقه على حافة قائلاً: "اسأل."
"أنت ذكرتَ أنك تناولتَ حبوب الصيام من قبل؛ فهل يُعد تناولها أكلاً أم صياماً؟"
أطلق الطاهي ضحكة ساخرة؛ وظن أنه لن يحتاج للتفكير لحظة ليجيب، لكن بمجرد أن فتح فمه لينطق، عقدت الحيرة لسانه وبات أخرس تماماً!
*صحيح… هل يُعد ذلك أكلاً أم صياماً بحق؟!*
رمق الطاهي النادل بنظرات مشوبة بالشك: "مهلاً، الجميع هنا يعلم مستوى ذكائك المحدود؛ فكيف أمكن لعقلك أن يتفتق عن مثل هذا السؤال الفلسفي؟!"
رد النادل بغضب عارم: "أيها القصاب! إياك وأن تقلل من شأن الآخرين!"
"إذاً، هل كنتَ أنت من ابتكر هذا السؤال؟"
"…كلا."
تباحث الاثنان وتجادلا لبرهة، لكنهما استشعرا في النهاية أن مثل هذه المعضلات الفلسفية تفوق طاقة عقولهما في الوقت الراهن؛ لذا قررا حمل السؤال وعرضه على صاحبة المطعم.
كان عبير الشاي يفوح في الأرجاء، ليتكثف بخاره مشكلاً حروفا ورموزاً قديمة غامضة وغائرة في القدم. وبينما كانت مالكة المطعم تسخن إبريق الشاي، وتضع الأوراق العطرة، وتدفئ الفناجين لتتذوق الرشفة الأولى، كانت كل حركة من حركاتها انسيابية كالماء المتدفق وتأسر الألباب بحسنها.
كانت صاحبة المطعم امرأة فاتنة ذات هيبة وأناقة متفردة، بشرتها بيضاء كاليشم الصافي، وتزين جبينها علامة نجمة باهطة وخلابة. رمقت النادل والطاهي بنظرة عاجزة ملؤها القلة حيلة: *ألهذا الحد يفتقران إلى العمل الموكل إليهما، حتى يجد كل منهما متسعاً من الوقت للغرق في مثل هذا السؤال التافه والسخيف؟!*
قالت بصوت رقيق: "لا تدعا اسم 'حبوب الصيام' يضللكما؛ فالغاية من حبوب الصيام ليست الصيام في حد ذاته، بل هي مستخلصة ومصنوعة من مواد غذائية بطريقة تجعلها تتحلل ببطء شديد في المعدة، محققة بذلك الغرض المتمثل في الاستغناء عن تناول الطعام لفترات ممتدة."
"حبوب الصيام هي في جوهرها وأصلها طعام. هل فهمتما الآن؟"
فكر الطاهي في كلامها ملياً ثم قال: "لقد فهمت! هذا يعني أن أساتذة الخيمياء الذين يصنعون حبوب الصيام يعملون في نفس صنعتي!"
انفجر النادل ضاحكاً بسخرية لاذعة: "لا تتمادى في مدح نفسك! على أقصى تقدير، أنت في نفس مرتبة الصبي المساعد الذي يوقد نار الخيمياء!"
استشاط الطاهي غضباً وسحب ساطور القصاب في وجه النادل، ولم يكن النادل بالخصم الهين أو المتردد؛ إذ لوّح بالمنشفة على كتفه لتصدر رنيناً حاداً كاصطدام المعادن، واستحالت المنشفة في طرفة عين إلى قضيب معدني أبيض ضخم! واشتبك الاثنان في عراك عنيف، هذا يلوح بساطوره وذاك يقاتل بسلاحه، متصرفين تماماً كالأوباش وقطاع الطرق وهم يتبادلون الضربات الخسيسة والحيل الرخيصة.
لم تملك مالكة المطعم إلا أن تطلق تنهيدة أسى: *لولا أن أجورهما بخسة وزهيدة للغاية، لما فكرتُ في توظيفهما عندي يوماً!*
نفخت برفق على فنجان الشاي، فأحاط ذلك العبير الكثيف بالاثنين في الحال؛ ومع انتشار تلك الرائحة الساحرة، فقدا اتزانهما للحظة، وما إن استعادا وعيهما ورشدهما حتى وجدا نفسيهما قد قُذفا إلى الطابق السفلي!
وتردد صوت مالكة المطعم البارد والمشوب بالضجر في مسامعهما: "اهبطا إلى الأسفل للقتال. وإن تسببتما في إتلاف أي شيء، فسيُقتطع ثمنه من راتبيكما!"
لم يكن لو يانغ على دراية بأيٍّ من تلك الأحداث التي عصفت بمطعم "المائة عبير" بعد رحيلهم. وبعد أن فرغ من وليمة الاحتفال، عاد إلى "قمة بوابة السماء"، ووجهه شاحب للغاية كأنما فارق الحياة ودُفن منذ ثلاثة أيام!
كانت يون تشي ترتدي تنورة نيلية طويلة ويثبت شعرها دبوس داوي بسيط، وتجلس متربعة في الهواء على ارتفاع ثلاثة أقدام عن الأرض؛ مستغرقة في وضعية التأمل والزراعة، لتبدو كجنية سماوية هبطت من عالم آخر.
فتحت عينيها ببطء؛ وبدا وكأن عينيها تحتضنان ألف عالم في جوفهما، وتتلألآن بنور كالسماء المرصعة بالنجوم في الليلة الظلماء. وما إن ومض هذا المشهد الساحر حتى فرك لو يانغ عينيه، ليرى يون تشي تحدق فيه بهدوء وسكينة تامة دون أي أثر لما شهده للتو.
هل كان مجرد وهم وخيال؟
سألته بهدوء: "لماذا وجهك شاحب هكذا؟"
اشتكى لو يانغ بمرارة: "أنتِ تتعمدين السؤال عن أمر تعلمينه جيداً! لقد علم مينغ جينغتشو منكِ أنني مررتُ بفترة أكلتُ فيها التوفو في كل وجبة، فما كان منه إلا أن أكرمني بمأدبة كاملة من التوفو لتهنئتي ببلوغ مرحلة تأسيس الأساس!" اشتبه لو يانغ بشدة في أن لأخته الكبرى يداً خفية في هذه المكيدة.
ردت يون تشي ببراءة تامة: "لقد سألني مينغ جينغتشو عما تأكله أكثر من غيره، وكل ما انطبع في ذاكرتي هو أنك التهمتَ عدة أوانٍ ضخمة من التوفو حين كنت تتدرب مستخدماً التوفو؛ لذا أخبرته بالحقيقة المجردة فحسب. أين تكمن المشكلة في ذلك؟"
"وماذا عن قصة عاهل التوفو السماوي إذاً؟!"
قاطعته بنبرة رتيبة هادئة: "لقد كنتَ تصرخ في منامك بأنك ورثتَ إرثاً أسطورياً، وناديتَ بأعلى صوتك على 'عاهل التوفو السماوي'. أنا لم أفعل سوى نقل ما تفوهتَ به بالحرف الواحد."
حدق لو يانغ في عيني يون تشي البريئتين والخاليتين من أي أهواء أو رغبات…
لقد استسلمتُ تماماً.
أنا على يقين دائم بأن الأخت الكبرى تتلاعب بي وتمازحني بخبث، لكنني ببساطة أعجز عن العثور على أي دليل يدينها!
الهوامش:
[1] توفو مابو (Mapo Tofu / 麻婆豆腐): أشهر أطباق المطبخ السيتشواني على الإطلاق؛ ويتكون من قطع التوفو الطرية المطهوة في صلصة حمراء متقدة وحارة جداً مع اللحم المفروم، ويتميز بنكهة الـ "مالا" (Mala) التخديرية الحارقة الناتجة عن مزيج الفلفل الحار وفلفل سيتشوان.
خواطر المترجم (راكومون):
مجرد فضول عابر: إن كان لديك طعام مفضل كما هو حال لو يانغ (أحم…)، فهل بمقدورك حقاً تناوله كل يوم دون ملل؟
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.