الفصل 27: اختراق زراعي في مطعم المائة عبير
الفصل 27: اختراق زراعي في مطعم المائة عبير
ربطت العائلة الإمبراطورية وعائلة مينغ علاقات وطيدة، وكثيراً ما تصاهرا عبر الزواج. ولم تخلُ عائلة مينغ يوماً من العباقرة؛ فكلما ظن الناس أن أصول عائلة مينغ وأسسها قد نضبت وأن أحفادها عاجزون عن حمل راية العشيرة، بزغ عبقري فذ من حيث لا يعلم أحد ليتولى زمام المجد ويواصل كتابة ملحمة عائلة مينغ الأسطورية.
لذا، سرت شائعات بأن عائلة مينغ قد ربطت مصيرها بسلالة شيا العظيمة؛ فما دامت سلالة شيا العظيمة قائمة لا تزول، فإن عائلة مينغ لن تفنى أبداً.
ضحك مينغ جينغتشو بتفاخر: "أنتم تبالغون حقاً!" ثم أضاف بلهجة ملؤها التواضع المصطنع: "لم أتوقع أن تخمنا بهذه السرعة أنني بالذات ذلك العبقري الفذ الذي ظهر لعائلة مينغ من العدم!"
رد لو يانغ صادحاً بالحقيقة: "…كلا، نحن لا نعتقد أبداً أنك عبقري." لو تولى هذا الأركن غير المنضبط زمام القيادة في عائلة مينغ، لكان ذلك إيذاناً بالسطر الأخير في ملحمتهم الأسطورية بلا شك! إن تحدثنا عن العباقرة الحقيقيين، فالأحرى بي أنا، لو يانغ العبقري الفذ، أن أتحمل عبء قيادة طائفة السعي نحو الداو في المستقبل.
أخذ الاثنان يمتدحان نفسيهما ويسفّهان من شأن الطرف الآخر، متناسيَين تماماً أن تاو ياويي كانت جالسة بجوارهما؛ فبفضل "بنيتها الخالدة التحولية"، كانت أحق بلقب العبقرية من صاحب جذر روحي مفرد أو جذر روحي سيفي.
ولحسن الحظ، لم يطل بهما المقام في هذا الجدال؛ إذ انفجرت هالة هادرة وضارية في الطابق السفلي، لتجتاح مطعم "المائة عبير" بأكمله. ولولا متانة بناء المطعم وصلابة حجارته، لانهار جزء كامل منه في التو واللحظة!
شعر الثلاثة وكأن مطرقة ثقيلة هوت على رؤوسهم؛ خوت عقولهم، وأحسوا بيد غليظة تطبق على أحشائهم وتكاد تعتصر أنفاسهم اعتصاراً. وعجزت الكلمات عن وصف الألم المضني الذي تجرعوه في تلك اللحظة.
أما المزارعون المحيطون بهم فكانت زراعتهم في مرحلة النواة الذهبية كحد أدنى، لذا كانوا في حال أفضل نسبياً من ثلاثتنا، وإن لم يكن الفارق كبيراً.
صرخت أخت كبرى في مرحلة الروح الوليدة بدهشة: "هذا… هل حقق أحدهم اختراقاً إلى مرحلة الروح الوليدة؟!" لم تتأثر بهدير الهالة؛ وبعد برهة من التأمل، استشعرت تلك الضراوة البرية الطاغية في تموجات الطاقة.
فأطباق مطعم "المائة عبير" لم تكن شهية ولذيذة فحسب؛ بل كان طبق واحد كفيلاً بزيادة زراعة المرء أو إطالة أمد تدفق تقنية الزراعة في جسده. وإن رُتبت الأطباق بانسجام وذكاء، كانت آثارها تتفاعل وتضاعف من الفعالية الإجمالية بصورة مذهلة.
"لطالما سمعتُ أن تناول وجبة في مطعم المائة عبير قد يدفع المرء لاختراق حاجز مرحلة زراعية كبرى؛ وكنتُ أظنها مجرد أسطورة مبالغ فيها، لكنني أشهدها بعينيّ اليوم! أتساءل أي أخ أو أخت يحالفه كل هذا الحظ ليخترق هنا؟"
عادةً ما ينعزل المزارعون في خلوة محمية عند محاولة تحقيق الاختراق، متلمسين الهدوء والسكينة المطلقة. أما مطعم "المائة عبير" فكان النقيض التام لكل ذلك؛ يعج بالصخب والزحام، مما قد يشتت صفاء الذهن ويُعد بيئة غير مواتية تماماً للاختراق.
وإن تمكن شخص من الاختراق في بيئة صاخبة كهذه، فما ذلك إلا برهان ساطع على الفائدة الجمة التي يوفرها طعام هذا المطعم لترقية الزراعة!
فرقع النادل أصابعه في هدوء، فتبدد ذلك الضغط الخانق في طرفة عين. التقط الجميع أنفاسهم ورمقوا النادل بذهول جارف؛ ففي أعينهم، بدا النادل مزارعاً في مرحلة النواة الذهبية، لكن تلك الحركة العفوية العارضة التي أظهرها تجاوزت بمراحل قدرات مزارعي تلك المرحلة.
لقد تستر هذا النادل على حقيقة مستواه الزراعي!
همس أحدهم لرفيقه بصوت خفيض: "سمعت الشيوخ يذكرون أنه كان نادلاً هنا منذ افتتاح مطعم المائة عبير قبل ألف عام؛ ورغم انقضاء ألف سنة كاملة، لا يزال يعمل كنادل هنا، ولم تتغير ملامحه قيد أنملة!"
ورغم أنه من الطبيعي للمزارعين الحفاظ على نضارة شبابهم، إلا أن بقاء ملامح المرء دون أدنى تغيير لألف عام ظل أمراً نادر الحدوث.
لم يبدُ على النادل أنه سمع همساتهم، وعلت وجهه نظرة اعتذار: "المعذرة منكم جميعاً؛ لعل أحد الزبائن استبد به الحماس عند تحقيق الاختراق فغفل عن لجم هالته وكبحها. نرجو تفهمكم وسعة صدركم."
تأمل أخ أكبر كان قد بلغ للتو مرحلة النواة الذهبية تموجات الهالة المنبعثة من الاختراق، ولمعت عيناه فجأة: "هذه التموجات تحمل مسحة من الضراوة تشبه هالة 'قبيلة التنانين القديمة' إبان ظهورها! لا بد أنه مزارع جسد قد حقق اختراقه للتو. هلموا بنا نتأمل هذه الهالة ونستوعب كنهها سريعاً؛ لعلها تفيدنا في صقل أجسادنا وتقويتها!"
"بالتأكيد! هذه فرصة مقدرة هبطت علينا من السماء، ولا بد لنا من اغتنامها!" وافقه رفاقه الرأي وشرعوا فوراً في اتخاذ وضعية التأمل والجلوس متربعين.
طفا الخمسة في الهواء قليلاً؛ أغمضوا أعينهم ولازموا الصمت التام. ومع هبوب نسيم بارد داعبهم من كل حدب وصوب، غمرهم شعور بالراحة والانتعاش. فحتى لو لم يكن المرء مزارع جسد بالأساس، فإنه يولي قوة بنيته الجسدية أهمية قصوى؛ فإن امتلك قوة طاغية بينما عجز جسده عن مجاراتها، سَهُل على الخصوم مباغتته وقتله بضربة واحدة، وإن أصر العدو على الالتحام القريب، فالموت المحقق بانتظاره بمجرد اقترابه.
لهذا السبب، أولت طائفة السعي نحو الداو اهتماماً بالغاً بالبنية الجسدية لتلاميذها.
كانت قبيلة التنانين القديمة إحدى العشائر المهيمنة في "إقليم الشياطين"، واشتهرت بقدراتها الخارقة على استدعاء الرياح والأمطار، وأجسادها المنيعة التي لا تُقهر. فإن تمكن المرء من استيعاب ولو شذرة يسيرة من هالة التنين القديم، لكانت بالغة النفع لجسده الفاني؛ وإن خطا خطوة أبعد واستوعب نصف حركة من قوى التنانين الإعجازية، لكان ذلك فوزاً بفرصة هائلة لا تُقدّر بثمن!
كان مشهداً غير مألوف أن ترى خمسة من مزارعي النواة الذهبية يتربعون في وضعية التأمل حول أطباق ساخنة يتصاعد منها البخار، زاهدين في الطعام طمعاً في الاستنارة.
أثار هذا التحسس المرهف للفرص المقدرة إعجاب لو يانغ وتقديره.
اقترحت تاو ياويي: "لمَ لا ننتهز نحن أيضاً الفرصة ونتأمل هذه الهالة؟"
تفاجأ لو يانغ وسألها: "أيمكنكِ حقاً استشعار هالة التنين القديم التي تحدث عنها أولئك الإخوة الكبار؟"
"لا ضير من المحاولة."
وبينما كان الثلاثة يدرسون ما إذا كان يجدر بهم التأمل ومحاولة استيعاب الهالة الضارية لقبيلة التنانين القديمة، تناهى إلى مسامعهم صوت وقع أقدام مهرولة ومضطربة تصعد الدرج.
وفجأة، اندفع خنزير بري ذو وجه أخضر وأنياب بارزة، وتطايرت من عينيه نظرات الذعر والغيظ؛ فاستشعر الحاضرون خطراً داهماً يحيق بهم.
بدا لهم هذا الوحش الشيطاني ضارياً ومروعاً، وتفوقت زراعته على زراعة معظم الجالسين هنا! والأدهى من ذلك أن هالة الخنزير البري كانت مضطربة وغير مستقرة، وكأنه حقق اختراقه لتوه!
عقد النادل حاجبيه، وارتفعت دوامة طاقة صغيرة في راحة يده. وبينما كان يتردد فيما إذا كان عليه التدخل، ومض نصل قاطع بلمح البصر، حاملاً معه "تشي ساطور" حاداً يتأجج بنفحة نارية لاهبة! وبضربة واحدة، انفصل رأس الخنزير البري عن جسده، ليتدحرج الرأس بعيداً حتى استقر تماماً عند قدمي لو يانغ.
جحظت عينا الخنزير البري نحو لو يانغ مباشرة، طافحتين بحسرة وغيظ لم يخمدا.
ما كان يفترض به أن يكون مشهداً دموياً مروعاً، انتهى دون أن تُراق قطرة دم واحدة؛ فقد شوى تشي الساطور المتأجج عنق الخنزير المبتور في الحال، وفاحت رائحة اللحم المشوي الشهية لتزكم الأنوف.
وأخيراً، ظهر صاحب الساطور؛ كان طاهياً عادي المظهر يعتمر قبعة طويلة، ويرتدي مئزر عمل صُمم خصيصاً له، وفي إحدى يديه ساطور جزار ضخم. بدت ملامحه شرسة وفظة؛ وحين ابتسم، بدا أشبه بقاطع طريق عازم على ذبح رهينته!
اعتذر بصوت جهوري: "المعذرة، المعذرة حقاً من الجميع على إفزاعكم! كنت على وشك ذبح هذا الخنزير البري الذي ينحدر من سلالة التنانين، ولعل نية القتل لديّ كانت جارفة للغاية، مما جعل هذا الحيوان يستشعر الخطر الداهم على حياته. فاستغل فرصة الموت والحياة تلك ليوقظ شذرة من دماء التنين القديم في عروقه، مخترقاً نحو مرحلة الروح الوليدة!"
ثم تابع الطاهي وهو لا يزال قابضاً على ساطور القصاب وابتسامته الشرسة تعلو وجهه، وإن بدت نبرته مخلصة وصادقة: "إنه خطأ مطعمنا بلا ريب، ولن يتكرر ثانية. نلتمس عفوكم وصفحكم!"
وحتى لو لم يشأ الحاضرون مسامحته، فلم يكن أمامهم خيار آخر!
التقط الطاهي رأس الخنزير من عند قدمي لو يانغ وجره عائداً إلى المطبخ؛ وحينها فقط تبدد ذلك الضغط الخانق تماماً.
غرق الإخوة الكبار الخمسة من مزارعي النواة الذهبية في حرج بالغ؛ فلم يعد من اللائق الاستمرار في التأمل، ولا كان التوقف عنه يسيراً على كبريائهم.
ضرب أحدهم الطاولة بكفه بحنق: "تباً! أحضروا لنا طبق 'وليمة ذبح الخنزير'[1] مُعداً من لحم ذلك الخنزير البري بالذات!"
كان سعر لحم خنزير في مرحلة الروح الوليدة باهظاً وفاحشاً، ناهيك عن كونه خنزيراً برياً يحمل دماء التنين القديم! وتناول طبق من هذا اللحم كفيل بأن يجعل أحدهم يصفع نفسه ندماً حين يستفيق غداً على هول الفاتورة. ولكن حتى لو صفعوا أنفسهم، فقد عقدوا العزم على التهامه اليوم؛ فلولا أكل هذا الخنزير البري، لما استقرت قلوبهم نحو الداو، وربما قادهم هذا الغيظ المكبوت إلى إصابات داخلية!
وضع النادل المنشفة على كتفه، وهتف بابتسامة عريضة: "حاضر! طبق وليمة ذبح خنزير إضافي للضيوف الأجلاء الخمسة!"
الهوامش:
[1] وليمة ذبح الخنزير (Slaughtered pig dish / 杀猪菜): طبق تقليدي شهير ينتمي لمطبخ شمال شرق الصين (دونغبي)، وسُمي كذلك لأنه يُعد تقليدياً في القرى عند ذبح الخنازير في نهاية العام للاحتفال؛ ويحتوي على قطع اللحم والأحشاء مع مخلل الملفوف في حساء غني.
خواطر المترجم (راكومون):
يا ليت المرء يستطيع زيادة قوته وزراعته بمجرد التهام الطعام فقط… :")
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.