الفصل 81: جاذبيةٌ لا تُقاوم (5)
“أوه….”
عجز روسيفيوس عن انتقاء كلماته، فاكتفى بإطالة آخر صوته بتردد.
هل ارتبك؟ روسيفيوس نفسه؟
تفاجأتُ قليلًا بردة فعله غير المتوقعة.
“لم يكن ذلك مقصدي. ما دمتِ لا تُفعّلين ذلك، فلن أتمكن أنا أيضًا من استشعاركِ، لذا اطمئني.”
قال ذلك بسرعة، وفي اللحظة التي خطر لي فيها أن ملامحه تبدو مضطربةً على نحوٍ غريب، غيّر روسيفيوس الموضوع وكأنه يلتف على الحديث.
“هل خرجتِ أنتِ أيضًا للاستمتاع بالمهرجان يا آنستي؟”
“كان لديّ بعض الأمور، وبما أنني خرجتُ أصلًا مررتُ من هنا قليلًا. سمعتُ أن طعام السوق مشهور.”
“أتقصدين ما تحملينه بيدكِ؟”
“أمم، حسنًا….هذا، وغزل البنات أيضًا.”
مع أنني لم أخرج خصيصًا لأجل غزل البنات.
وبما أن الأمر بدا وكأنه يرى غزل البنات لأول مرة، فقد استعرضتُ أمامه طريقة أكله.
“يشبه القطن، أليس كذلك؟ عليكَ أن تجمعه هكذا وتأكله حتى لا يلتصق بفمكَ.”
“مادةٌ مثيرة للاهتمام.”
بينما قال ذلك، بقيت عيناه معلقتين عند فمي الذي يلتقط غزل البنات….أو ربما عند أطراف أصابعي التي ما زالت لزجة.
‘قد يكون المهرجان نفسه شيئًا غريبًا عليه.’
فبعد أن أظهر عينيه الحمراوين في السوق ذات مرةٍ عن طريق الخطأ وتعرض لمعاملةٍ قاسية، لا بد أن خروجه بعدها أصبح صعبًا.
‘رغم أنه بعد إتقانه للسحر لم يعد هناك ما يدعو للخوف من ذلك….’
مشهد روسيفيوس الصغير وهو يتلقى مصروفه ويخرج ليتجول في المهرجان ويأكل الحلوى….كان من الصعب جدًا تخيله.
نسيتُ حتى أن قلبي كان يخفق خوفًا منه قبل قليل، و بدأت أرى فوق ملامحه صورة ذلك الصبي الذي كان ينتحب تحت ضوء القمر في طفولته.
هل كان ذلك الشعور الذي باغتني….شفقة؟
“أتريد أن تتذوق لقمة؟”
“عفوًا؟”
“تفضل.”
مددتُ إليه غزل البنات.
‘آه صحيح، إنه يرتدي قفازات.’
مزقتُ قطعةً من غزل البنات وجمعتها بشكلٍ عشوائي ثم قربتها من فمه.
تردد للحظة، ثم عض ببطءٍ قطعة غزل البنات التي في يدي بتعبيرٍ مذهول.
‘قد لا تعجبه لأنها مجرد كتلة سكر.’
فأنا لم أره يأكل شيئًا سوى الشراب.
‘وحتى ذلك كان يبدو كنوعٍ من الويسكي الجاف عديم الطعم.’
راقبتُ تعابير وجهه بينما ألعق أطراف أصابعي اللزجة.
و ظل ينظر إليّ وهو يمضغ ببطءٍ وملامحه لا تزال متصلبة ومحرجة.
‘آه، هل يبدو هذا التصرف غير لائقٍ قليلًا؟’
ثم حل صمتٌ محرجٌ من جديد.
ولم أعرف ما الذي ينبغي فعله، فأنزلتُ أصابعي التي كنت أضعها في فمي ببطء.
“يبدو أن الطعم ليس مناسبًا لكَ….”
“إنه حلو.”
“همم؟”
“حلو.”
وكأن تلك الكتلة السكرية تحمل معنى عظيمًا، خرج جوابه بعد تفكيرٍ طويل وكأنه إعلانٌ رسمي.
وكانت جديته شديدةً لدرجة أنني لم أستطع سوى الرد بتلعثم.
“….هذا طبيعي. فاسمها يتضمن كلمة حلوى أصلًا.”
ثم ثانيةً، وسط هذا السوق الصاخب، عاد الصمت ليسكن بيننا وحدنا.
وبينما كنتُ أعبث بغزل البنات في حرج….
“هل تسمحين لي بشرف مرافقتكِ؟”
وأضاف بعد برهة،
“مع أنكِ لستِ وحدكِ بالطبع.”
واتجهت عيناه نحو كين وديريك.
“إنه أول مهرجان شمس أحضره منذ عودتي من الدراسة بالخارج، لذا أشعر بالفضول، لكنني لستُ معتادًا عليه بعد. ويبدو أن الآنسة معتادة على هذه الأجواء، لذا أود طلب إرشادكِ.”
قال ذلك وهو يلمح إلى غزل البنات في يدي.
وعند سماعي عبارة “لستُ معتادًا”، كان قلبي قد لان بالفعل. لأنني لم أستطع محو صورة ذلك الصبي المرتجف تحت ضوء القمر من ذهني.
هل السبب في أن قلبي يلين كلما رأيته رغم خوفي منه….هو أنني أعرف صورته في طفولته؟
‘إنه يثير الشفقة. مؤلمٌ أن أفكر أنه نشأ دون أن يعرف مثل هذه المتع.’
وبينما كنتُ أخفي مشاعري المعقدة بهذا التبرير، أقنعتُ نفسي بأنني فقط أراقبه عن قرب.
ومرافقة روسيفيوس كانت….شديدة الإحراج. فنحن لسنا مقربين بما يكفي لنتبادل الأحاديث بحرية، ولا أثق به لدرجة أن أفتح له قلبي.
وفوق ذلك، فإن حركاته التي يحاول بها تجنب ملامسة الناس قدر الإمكان….
‘أشعر أنه لا ينبغي له الخروج إلى أماكن مزدحمة كهذه.’
هل كانت شخصيته تتضمن هوس النظافة أصلًا؟
‘إن كان مهووسًا بالنظافة، فلماذا معي أنا….’
عبثتُ بيدي داخل الجيب الذي يحتوي على المرآة الصغيرة بلا سبب.
و شعرتُ وكأن قلبي ينبض عند أطراف أصابعي التي أمسكها سابقًا.
‘في الرواية الأصلية لم يلمس حتى طرف إصبع إميلي، فلماذا….آه!’
وفجأة، خطرت لي فكرةٌ جعلتني أتهلل سرًا.
‘لا بد أن إميلي هنا في مكانٍ ما مع ليوبورت، فإذا رأى روسيفيوس حميميتهما، ألن يستسلم أخيرًا؟’
في الرواية الأصلية، بعدما رأى قربهما الشديد في مأدبة الشمس بعد أيام، تجاوز حدوده لأنه شعر بأنها سُرقت منه.
أما الآن، فهو ليس قريبًا من إميلي كما كان حينها، لذا إن تأكد من أنها أقرب كثيرًا إلى ليوبورت، ألن يتخلى عن مشاعره مبكرًا؟
‘صحيح. بما أن الأمور وصلت إلى هذا الحد، فلنتظاهر بأنها صدفة ونبحث عنهما معًا.’
ابتلعت ابتسامةً ماكرة وأنا أشعر بالرضا عن خطتي.
‘حسنًا، إن أردتُ العثور عليهما بسهولة….’
وبينما كنتُ أتلفت حولي، وقعت عيناي على الدرج المحيط بالساحة في وسط الشارع. بدا أن الناس يشترون الوجبات الخفيفة ثم يجلسون هناك لتناولها.
‘إن جلسنا هناك فسنستطيع رؤية المكان بوضوح.’
فاستدرتُ نحو روسيفيوس وابتسمتُ له بلطف.
“سيد، ما رأيكَ أن نريح أقدامنا هناك قليلًا؟”
قلتُ ذلك وأنا أشير إلى أعلى الدرج.
لكنه لم يجب بشيء، واكتفى بالتحديق في وجهي المبتسم بصمت.
‘هل هذه أول مرة يرى فيها شخصًا يبتسم؟’
….والآن بعد أن فكرتُ بالأمر، ألم يقل أنني دائمًا أعبس في وجهه؟
‘لا بد أنه يظن أن لديّ نيةً مريبة.’
تمنيتُ ألا يشك بي، فابتسمتُ له بإشراقٍ أكبر.
وعندها مرّ على وجه روسيفيوس شيءٌ يشبه….الارتباك.
‘تبا.’
لو لم أكن أستخدم سحر التنكر، صحيح؟ ولو كان ذلك وجه سيسيليا الحقيقي؟ لما وُجد أحدٌ لا يقع في سحره، أليس كذلك؟
حتى لو كنتُ أخافه بشدة، فليس الأمر وكأن لديّ رتبةً تسمح لي برفضه.
وأنا أنفث أجواء الانزعاج بوضوح، بدأتُ أمشي نحو الدرج و تحدّثتُ بتدللٍ متجهم،
“أنا عطشى أيضًا. هيا نشرب ذلك العصير.”
“أتقصدين ذاك الذي يُقدَّم داخل الأناناس؟”
“نعم. لكن….المال.”
“سأدفعه بكل سرور. وسيمنحني ذلك فرصةً لطلب صفقةٍ جيدة من الآنسة إسمير.”
صوته وهو يقول ذلك بدا، على غير عادته، مشوبًا بالمزاح.
اتجه روسيفيوس نحو عربة العصائر الطازجة القريبة، وبينما كان هناك جلستُ في مكانٍ مظلل تحت الأشجار وأخذتُ أراقب محيطي.
كان كين وديريك يقفان جنبًا إلى جنب وهما يحملان أكياس خبز الكاسترد بالكريمة حتى الامتلاء، وينظران نحونا.
وعلى وجهيهما ارتسمت ابتسامةٌ مريبة بطريقةٍ ما.
‘ألم تقولي أن الأمر ليس كذلك؟ فما هذا الآن؟’
‘هيهي، لو أخبرنا أولئك الأوغاد من فرقة الظلال فسيُعجبهم الأمر كثيرًا.’
‘كفاكما خيالاتٍ وراقبا المكان جيدًا، مفهوم؟’
وبينما كنتُ أتشاجر مع تابعيّ لعشر سنواتٍ من الخبرة بنظرات العيون فقط، عاد روسيفيوس نحوي وهو يحمل كوبين من العصير المصنوع داخل ثمرة أناناسٍ مجوفة.
ومحوتُ فورًا آثار معركة النظرات التي خضتها مع الفارسين، ثم مددتُ يدي لأخذ عصير الأناناس الذي قدمه لي.
….أو بالأحرى، كنتُ على وشك فعل ذلك.
“يبدو أن إمساكه بيدين عاريتين سيؤلمكِ.”
قال ذلك وهو يقرّب العصير نحوي بحيث تصل شفاطة قصب السكر إلى فمي.
“….لا بأس.”
رغم أنني قلتُ ذلك، لم أرفض، بل وضعت الشفاطة في فمي مباشرة.
وكأنه يتعلم من كمية ما أشربه، لم يرفع نظره عني بينما شرب هو أيضًا من عصيره.
فتردد صدى صوت الارتشاف من الجانبين، ثم عاد الصمت مجددًا.
ألا يعجبه الطعم؟ ليقل شيئًا على الأقل.
‘إنه ممزوجٌ بالمانجو. في حياتي السابقة كنتُ سأحبه، لكنه الآن حلوٌ أكثر من اللازم.’
وبينما كنتُ أقيم طعم العصير في رأسي هربًا من الإحراج، فتح فمه فجأة،
“أليس لديكِ اليوم ما تسألينني عنه؟”
“همم؟”
“لقد كنتُ أستمتع حين تمطرينني بالأسئلة المختلفة، لكنني في المرة الماضية حُرمت من تلك المتعة.”
بدا أنه يقصد ما حدث في دار المزاد.
وما إن تذكرتُ كيف لعبَ بأعصابي بكلامه يومها، حتى ساء مزاجي تدريجيًا.
‘آه، مجددًا.’
لابد أنني عقدتُ حاجبيّ دون أن أشعر، لأن نظره وقع على ما بينهما.
شعرتُ و كأن دفء أصابعه التي لمست ما بين حاجبيّ من قبل تعود إليّ، فسارعتُ بإرخاء ملامحي.
هل بسبب تغير تعابيري؟ ارتسم على شفتيه قوسٌ خافتٌ للحظة.
“هل كان لديكَ عملٌ قرب ذلك المكان قبل قليل؟”
وبما أن الفرصة سنحت، قررتُ ألا أضيعها.
‘سأسأله مباشرةً إن كان مكتب العمالة ذاك تابعًا لفصيل النبلاء!’
تلألأت عينا روسيفيوس بالاستغراب، فأضفتُ متظاهرةً بالتبرير،
“لأنني كنتُ أتساءل إن كان قريبًا من مكان بائع غزل البنات. لقد وقفتُ هناك لوقتٍ قصيرٍ فقط.”
“….يمكن قول ذلك.”
أجاب هكذا ثم أطرق بعينيه وكأنه غرق في التفكير للحظة.
“هناك….مكتب توظيفٍ واحد استثمرت فيه عائلتي قرب ذلك المكان.”
‘بهذه السهولة؟ وبكل صراحة؟’
للحظة شككتُ في أذنيّ.
“لدى والدي مشروع تطويرٍ مشترك مع بعض العائلات المقربة، وقد ذهبتُ لأتفقد إن كانوا يختارون العمال الذين سيُرسلون إلى هناك كما ينبغي.”
“….يبدو أن عائلة ألفينوس يعملون في مجالاتٍ كثيرة حقًا.”
قلتُ ذلك راجيةً ألا يظهر أي معنى خفي في صوتي.
“نعم، حتى أعمال التجارة.”
“لكنكَ قلتَ أن أعمال التجارة ليست من اختصاصكَ؟”
“ومع ذلك، ليس الأمر وكأنني أفتقر للقدرة على إبرام الصفقات مع الناس.”
رن صوته المنخفض بمزاحٍ خفيف.
بعد أن أصرّ على عقد صفقةٍ بإلحاحٍ شديد ثم اختفى دون أي تواصل، هل يسخر مني الآن؟
فأطلقتُ كلامي بتذمر،
“ذلك الأمر انتهى وتلاشى أصلًا.”
“عفوًا؟”
“يبدو أنكَ لا تعرف لأنكَ لم تعمل في التجارة من قبل. إذا تأخر التواصل، يُعتبر الطرف الآخر غير مهتمٍ بالصفقة.”
قلتُ ذلك بينما أرتشف العصير.
وحين وضعتُ الشفاطة في فمي، عدّل زاوية الكوب مجددًا ليسهل عليّ الشرب.
هل كان يستوعب كلامي؟ فقد ظل روسيفيوس صامتًا طويلًا قبل أن يتمتم،
“….إذًا كنتِ تنتظرين.”
“كح.…!”
“هل أنتِ بخير؟”
وحين خرج مني صوت اختناق، نظر إلى وجهي بقلق.
أما أنا، فرفعتُ صوتي عمدًا لأخفي وجهي الذي احمرّ بشدة.
“لـ لا؟ ماذا تقول؟ أنا فقط أتحدث عمومًا!”
أنا أنتظره؟ أي هراءٍ هذا؟
فسارعتُ إلى تغيير الموضوع.
“إذًا، هل أنهيتَ عملكَ جيدًا؟”
هل كان وجهي محمرًا إلى هذا الحد في نظره؟
ظل روسيفيوس يحدق في وجهي طويلًا قبل أن يجيب بلا مبالاة،
“….على الأرجح.”
ألم يقل أنه ذهب للعمل؟ فما هذا الأسلوب وكأنه يتحدث عن شخصٍ آخر؟
‘ليس وكأنه خرج فجأةً دون سبب.’
مع أنه لم يكن من عادته أن يتحدث عن نفسه بهذا الطول، إلا أن أيًا مما قاله لم يكن محددًا بوضوح.
وفي الحقيقة، لم يكن ذلك مختلفًا كثيرًا عن طريقتي أنا أيضًا في التعامل معه.
‘دائمًا ندور وندور، نلتف حول الكلام، ولا نتطرّق إلى صلب الموضوع.’
وحين بدأتُ أشعر أن ذلك خانقٌ قليلًا….توقفت نظرات روسيفيوس فجأةً عند نقطةٍ معينة.
وحين تبعتُ نظره، رأيتُ خصلات شعرٍ ذهبية بارزة فوق الحشود.
‘إنه ليو!’
إذًا، لا بد أن إميلي بجانبه.…!
‘آه، لقد تعرّف على إميلي حتى من هذه المسافة.’
يا لقوة بصره.
ومن دون أن أشعر بضيقي الداخلي، أخذتُ أراقب وجه الجالس بجانبي.
حاجبان لا يتحركان كعادته، عينان لا يمكن معرفة ما تفكران فيه، وشفتان مطبقتان بخطٍ مستقيم.
بدا أن نظر روسيفيوس مثبتٌ هناك دون نيةٍ للابتعاد.
‘هل رأيتَ إميلي مع ليوبورت؟ هذان الاثنان بينهما بالفعل شيءٌ من هذا القبيل! لا مكان لكَ بينهما.’
أخفيتُ اضطرابي خلف شعورٍ بالزهو والانتصار.
لكن لأن نظره ظل عالقًا هناك طويلًا، سرعان ما خمد ذلك الشعور.
‘هل انجذابه نحو إميلي يشبه الجاذبية الكونية؟ مهما حاولتُ قطع الروابط بينهما، لا يتغير شيءٌ أبدًا.’
كنتُ أغوص في ذلك العجز الذي بدأ يلازمني كلما فكرتُ فيه مؤخرًا….حينها أدار روسيفيوس رأسه نحوي ببطء.
وربما لأنه أدرك أنني كنتُ أحدق به طوال الوقت، ظهرت على وجهه ملامح انزعاجٍ خفيفة.
“….هل كان لديكِ موعدٌ مع الأمير أورنباخ؟”
__________________
ياعمري ما انتبه لإميلي يحسب ليو جاي عشان سيسل😭😭😭😭😭😭
من الحين زوج حنون حبيب همه زوجته ماسك حتى لها الاناناس وهو مقشر عشان يدينها☹️🤏🏻
المهم اشوا بعد سيسيل بدت تتضايق يسسسسسسسسسسس الادراك مسألة وقت
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.