الفصل 64: إيقاف العقل المدبّر (8)
آه، يا صديقي البطل المشرق والساذج إلى حد الاختناق.
‘بدل أن تعيد التفكير في ذلك، أسرع وأدخل تفضيلات إميلي إلى رأسكَ!’
شددتُ نظراتي نحوه بصمتٍ وأنا أضغط عليه بعيني، رغم أنه لا يبدو أنه فهم شيئًا….
ولحسن الحظ، فإن الأطعمة التي أعددتها أصابت ذوق إميلي بدقة، فتحسنت الأجواء سريعًا.
“سمعت أنكِ تقيمين في منزل السيد كين؟”
“نعم، فذلك المنزل يساعد عائلتنا منذ أجيال.”
“إذًا فالولاء العميق صفةٌ متوارثة. السيد كين أيضًا تابعٌ مخلصٌ لي.”
“السيد كين دائمًا ما يتباهى بأن سموكِ أميرةٌ كريمة تستحق الاحترام.”
ومن الطبيعي أن تكون الأميرة التي توفر لكَ منزلًا في العاصمة أميرةً كريمة.
أظهرتُ ابتسامةً ودودة فتضاعف ذلك اللطف الرأسمالي الناتج عن أموالي الخاصة واستثمارات غريس.
أنا في صفكِ بالكامل يا إميلي.
“يبدو أن السيد كين وقع في علاقةٍ سيئة بحق. سمعتُ أنكِ واجهتِ بعض المتاعب أيضًا أثناء حفل الظهور.”
“لـ، لا أبدًا….”
خفت بريق عيني إميلي، اللتين كانتا تتلألآن وسط هذا السيل من الحلويات التي يكفي منظرها وحده لإذابة حاسة التذوق من شدة حلاوتها.
“لكن بفضل مراعاة سموكِ، استمتعتُ حقًا بحفل التبرعات الأخير.”
“آه، حفل التبرعات. كان ممتعًا، أليس كذلك؟”
“نعم، وكان المنظر جميلًا للغاية أيضًا.”
وعادت تلك الظلال الخفيفة من الحزن لتلوح في عيني إميلي وهي تتذكر ذلك اليوم.
ومن الطبيعي أن يحدث ذلك. فحتى وإن كانت برفقة ليوبورت، فقد كان ذلك حفلًا لآنسات الفصيل الأرستقراطي.
‘حتى لو أمرت سكارليت الجميع بضبط أنفسهم، فلا يمكنها التحكم في نظراتهم.’
ولهذا أعددتُ هذا اللقاء كي أُظهر للجميع منذ الحفلة القادمة أنني مقربةٌ من إميلي، حتى لا تتكرر مثل تلك الأمور.
‘كما أن ليوبورت طلب ألا أنادوه بـ”ليو”، وبما أنني انسجمتُ مع فتيات الفصيل الأرستقراطي في المرة الماضية، شعرت أن الوقت مناسبٌ للتحرك.’
كنتُ أتناول خبز القمح من مخبز بولينا بينما أقدم لإميلي طبق الوافل والكعك، حينها تحدّث ليوبورت فجأة وكأنه تذكر شيئًا.
“بالمناسبة، عدتِ سالمةً في ذلك اليوم، أليس كذلك؟”
“بالمناسبة”….؟
قال ذلك ليوبورت نفسه، الذي لم يقترب منّي أصلًا منذ أن تظاهرتُ بالمرض يومها لأمنح إميلي الرقصة الأولى معه.
“نعم. شكرًا على اهتمامكَ السريع، يا سيد.”
“بدا أنكِ تستمتعين بالحديث….ولهذا لم أتدخل….”
تمتم ليوبورت بصوتٍ خافتٍ متردد.
يا له من تصرفٍ رائع أمام من تكاد تكون حبيبتكَ، حقًا؟
رمقته بنظرةٍ جانبية وكأنني أقول “يكفي”، ثم التفتُّ إلى إميلي.
“آسفةٌ لأنني أخذتُ السيد كين منكِ، آنسة روزبيري. أخبرني السيد كين أنكِ عدتِ بأمان.”
“هذا كلامٌ لا يليق، يا سموكِ. السيد كين مجرد وصيّ عليّ. وبفضلكِ أيضًا….”
احمرّ وجه إميلي وهي تنظر بطرف عينها إلى ليوبورت الجالس أمامها.
هل أمسكا بأيدي بعضهما مثلًا؟
ومع تذكري لبطء تطور العلاقات الرومانسية في هذا العالم، نظرتُ إلى البطلين الشابين برضا دافئ.
‘الإمساك باليد ليس شيئًا مهمًا أصلًا. كان هناك شخصٌ أراد مقارنة حرارة أجسادنا فقط لأشعر بيديه الدافئة….’
أنا التي كنت على وشك التفكير هكذا….ارتبكتُ فجأة بسبب الفكرة التي اقتحمت رأسي.
“كح، كح.”
“سموكِ، هل أنتِ بخير؟”
“آه، دخل شيءٌ في حلقي. أنا بخير.”
لوحتُ بيدي لأبرد وجهي الذي اشتعل حرارة.
‘ممنوعٌ التفكير بهذا، ممنوع!’
وبعد عدة سعلاتٍ إضافية تمكنتُ أخيرًا من استعادة هدوئي، ثم غيرتُ الموضوع مجددًا وكأن شيئًا لم يحدث.
“آنسة روزبيري، كم تنوين البقاء في العاصمة الإمبراطورية؟ سمعت أنكِ لم تأتي فقط من أجل حفل الظهور.”
“آه، ذلك….”
بدت إميلي مرتبكةً للحظة أمام سؤالي المباشر. فمن الواضح أنها لم تتوقعه.
ولأنها ذكية، فقد أدركت أن كين أوصل إليّ بعض الأخبار، فخفضت رأسها بهدوء.
همم، ربما هذا يجرح كبرياء بطلةٍ قوية الشخصية مثلها.
“هناك أمورٌ تتعلق بظروف عائلتي، لذا أبحث عن بعض الأشخاص.”
“وهل يساعدكِ كين قليلًا؟”
“….السيد كين مشغولٌ أصلًا بأعمال القصر.”
احمر وجه إميلي هذه المرة بسببٍ مختلف عن السابق.
‘لا يمكنها أن تكذب أمامي، لكنها على الأرجح تشعر بالإحراج لأنها تكشف نقاط ضعفها أمام ليوبورت.’
وحين فكرتُ في الأمور التي تسعى لتحقيقها داخل العاصمة الإمبراطورية، استطعتُ تفهم ذلك.
‘حتى وإن كانت لا تنوي استرجاعه حقًا، فمن المحرج أن تأتي للمطالبة بديونٍ قديمة جدًا، كما أن المبلغ سيبدو تافهًا مقارنةً بثروة ليوبورت الخاصة، وسيبدو الأمر وكأنها تعترف بنفسها بمدى فقر أراضي روزبيري.’
لكن وجه ليوبورت اللطيف لم يكن يحمل سوى القلق الصادق.
“ميلي، كل شخصٍ يحمل صعوباته الخاصة في الحياة. وإن كان لا بد لي من حمل معاناةٍ ما، فأرجو أن تكون معاناتكِ أنتِ التي أتقاسمها.”
….وبدا لي أن عينَيه الممتلئتين بالقلق لا ترَيان وجودي أصلًا.
ثم انحنى بجسده فوق طاولة الضيافة محاولًا الاقتراب من إميلي قدر الإمكان….
وفي اللحظة التي كنتُ أنظر فيها ببرود إلى جانبه الجالس عند الطاولة وأمزق خبز القمح بعنف—
“ليو، كلماتكَ جميلة جدًا، لكن….ألا ترى أن هذا تصرفٌ غير لائق أمام سمو الأميرة؟”
قالت إميلي ذلك بخجل، ثم دفعت كتفه قليلًا وأكملت بهدوء.
“أنا لن أسيء الفهم، لكن إن تحدثتَ أمام الآخرين وكأنكَ لا تعاني من شيء…..ألا يبدو ذلك قليل المراعاة بالنسبة لوريث عائلة أورنباخ؟”
“آه، كما توقعت من ميلي خاصتي، دائمًا ما تمنحينني الحكمة بحكمتكِ الواسعة.”
‘أوووه، نعم، هذا هو المطلوب.’
حبٌ يتشكل بينما يكمل البطل الساذج والبطلة الواقعية أحدهما الآخر!
ابتسمتُ برضا وأنا أرى ليوبورت يغرق في تأثره غير آبه بوجودي، وكأنني مجرد هواء.
‘لم أكن أعرف لأنني كنتُ أقرأ القصة من منظور ليوبورت فقط، لكن حتى لو تطورت علاقتهما أسرع قليلًا، فهي تمامًا كما كانت في الرواية الأصلية.’
ومجرد مشاهدة ذلك كان يملأ قلبي بالبهجة.
رغم أنني شعرتُ أن إميلي أيضًا لم تعد تلاحظ وجودي….
وحين أوشك شجارهما اللطيف على الانتهاء، فتحتُ فمي بهدوء.
“آنسة روزبيري، هل لي بسؤال؟”
ارتبكت إميلي، التي كانت حتى اللحظة تقدم نصائح مليئة بالمودة إلى ليوبورت، والتفتت نحوي بسرعة.
هي التي وبخته لأنه تصرف بوقاحةٍ أمامي، نسيت هي أيضًا للحظة أنني موجودة.
‘لا بأس، هذا مفهوم.’
أنتما تعيشان حب القرن….
“إن احتجتِ يومًا إلى أي مساعدة….”
“نعم، يا سموكِ.”
كان في وجه إميلي وهي تستمع إليّ أثرٌ واضح لعدم قدرتها على التخلي تمامًا عن حذرها.
ففي حفل التبرعات الأخير، كنتُ مع فتيات الفصيل الأرستقراطي، كما أنها كانت تنظر إليّ باعتباري صديقة ليوبورت….
وفوق كل ذلك، لأنها ببساطة لا تعرفني جيدًا بعد.
‘بعد كل ما عانته من الفصيل الأرستقراطي، كان من المفترض أن تصبح بارعةً جدًا في تمييز من يقف إلى جانبها. يبدو أنها ما تزال غير قادرةٍ على رؤية صدقي بعد.’
فبفضل تدخلي، اختُصرتُ الكثير من المحن التي كان من المفترض أن تصقل إميلي وتقويها.
‘ومع ذلك، أصبحت تتحدث مع روسيفيوس براحةٍ تامة. دون أن تدرك حتى ما الذي يضمره لها.’
وبشعورٍ خفي بالاستياء تجاه بطلة قصتي، تذكرتُ روسيفيوس وهو يواجه إميلي بنظراته في حفل التبرعات ذلك اليوم.
هل كانت شفتاه المطبقتان بإحكامٍ تحاولان في الحقيقة أن ترتسما بابتسامة؟
كما وُصف في “بنفسج الدوقية”، بدا عديم التعابير مع إميلي تمامًا كما هو مع الجميع.
‘لكن حين يكون معي وحدنا، غالبًا ما ترتسم على شفتيه الابتسامة….’
وما إن وصلت أفكاري إلى هناك حتى انتفضتُ قليلًا وهززتُ رأسي بسرعة.
‘آه، مجددًا. وجود البطلين أمامي يجعلني أفكر تلقائيًا بالبطل الثانوي. من أكون أصلًا لأفعل ذلك؟’
ربما لأن أفراد “الظل الأسود” يواصلون مضايقتي بهذا الشأن، أو لأن علاقة روسيفيوس وسيسيليا أعقد مما توقعت….
‘هل كان هذا موجودًا أصلًا في الرواية وتم حذفه؟ أطالب كاتبة “بنفسج الدوقية” بتفسير.’
ينقذني مرارًا، ويتورط معي في كل مأدبة، ويفرض عليّ أداةً سحرية بحجة مراقبتي….
هل السبب أنني ظللتُ أتطفل على مسرح الأحداث لأشاهد ليوبورت و إميلي؟
‘يجب ألا أنسى دوري الحقيقي. مجرد متفرجة….وربما مخرجةٌ معدِّلة للأحداث.’
ومع تذكري أن أهمية سيسيليا في الرواية الأصلية كانت بمستوى قواي المقدسة نفسها، تابعتُ أخيرًا ما كنتُ أريد قوله منذ البداية.
“إن كان هناك شخصٌ يمكنكِ طلب المساعدة منه، فلا تترددي في الذهاب إليه. سمعة المجتمع الأرستقراطي لا تدوم إلا للحظة، أما العلاقات القديمة فوزنها أثقل بكثير.”
قلتُ ذلك وأنا أتذكر رجلًا وحيدًا لم ينسَ بعد امرأةً ذات شعرٍ أحمر كانت حبه الأول في شبابه.
كانت إميلي مترددة في الذهاب إلى ذلك الرجل الأعزب، الصديق القديم لوالدتها، خوفًا من أن يكون الأمر مخالفًا للآداب.
‘وفي الحقيقة، قد تنتشر شائعاتٌ سيئة فعلًا، لذا يجب أن أمنع ذلك أيضًا.’
ذلك الرجل، سيد أسرةٍ ماركيزية من الفصيل المحايد، كان في الواقع….والد إميلي الحقيقي.
‘وعندما نتحدث عن القصص الفوضوية، لا يمكن أن تغيب أسرار النسب. حتى إميلي كان لديها سر ولادة كهذا.’
وإذا عثرت أميلي على والدها الحقيقي، فربما تخف معارضة عائلة أورنباخ أيضًا.
مع أنني الآن، حين أنظر إلى الأمر، أشعر أن اعتراضهم لن يكون بسبب ضعف مكانة عائلة روزبيري، بل بسبب تصرفات ليوبورت نفسها….
نظرتُ إلى ليوبورت للحظة بعينين قلقتين، ثم أشرتُ إلى أنيت الواقفة قرب الباب.
“وأيضًا، هذه هديةٌ بمعنى أنني أتطلع إلى علاقتنا القادمة.”
اقتربت أنيت وهي تحمل فوق صينيةٍ فضية منديلًا مطرزًا في وسطه ختمي الشخصي.
وما إن أدركت إميلي ماهية ذلك حتى امتلأ وجهها بالذهول.
“أليس هذا….رمز سموكِ الشخصي؟”
“إذا احتجتِ إلى أي شيء، تعالي إليّ في أي وقت. حتى إن أردتِ الزيارة فقط فلا بأس. ومن دون السيد أورنباخ أيضًا. ليس لديّ صديقاتٌ من عمري.”
ولكي لا تشعر بالضغط، غمزتُ لها بعينٍ واحدة أيضًا.
وحين رأى ليوبورت ذلك، أشرق وجهه بالكامل.
أما إميلي فبقيت تنظر إليّ بملامح مذهولة، وكأنها لا تصدق أن كل هذا الامتياز يحدث لها.
‘نجاح! لقد تعرّفتُ رسميًا إلى البطلة!’
لكن بما أن حذرها مني ما يزال بعيدًا عن الزوال، بدا أن عليّ الاستمرار في مساعدتها من الظل حتى يحين ذلك اليوم.
***
كانت رينا، المكلفة بحماية إميلي سرًا، تبدو في غاية السعادة.
فهي منذ البداية كانت تستمتع بالمهام السرية، كما أن مهارتها في التسلل كانت الأفضل بين أفراد “الظل الأسود”.
وفوق ذلك، كانت رينا تحب الأشخاص الجميلين، لذا ازداد سرورها لأنها تستطيع البقاء قرب الآنسة الجميلة هذه.
‘ولأنها ليست من الفرقة الأولى، فهناك مسافةٌ مناسبة بينها وبين كين، كما أنها امرأة، لذا حتى لو انكشف أمرها ستشعر إميلي بالاطمئنان.’
وبعد نحو عشرة أيامٍ منذ عودتها إلى العاصمة الإمبراطورية، بدا أن رينا أصبحت تعتبر إميلي شخصًا مقربًا جدًا منها بالفعل.
“كان الأمير الشاب متعلقًا بسموكِ إلى تلك الدرجة، ثم ينتهي به الأمر راحلًا ليجد حبه الحقيقي. لكن بعدما رأيتُ الآنسة روزبيري، أظنني فهمتُ لماذا بقيتما مجرد صديقين. لأن نوع شخصيتكما مختلفٌ أصلًا.”
قالت رينا ذلك بصوتٍ ماكر بينما كانت تقدم تقريرها داخل العربة المتجهة إلى شوارع العاصمة الإمبراطورية.
وبما أن كين كان في إجازةٍ اليوم وستبقى إميلي في المنزل، فقد عادت رينا لمرافقتي بدلًا من تنفيذ مهمة الحماية السرية لأول مرةٍ منذ فترة.
“أنتم من أسأتم فهم علاقتي بليو. ثم ما الذي تقصدينه بأنه رحل؟ علاقاته الاجتماعية كانت واسعةً أصلًا.”
“واسعة، لكنها سطحية. والوحيدة العميقة كانت مع سموكِ. فهل يعني هذا أن على سموكِ الآن البحث عن شريكٍ جديد؟”
____________________
موجود ويراسلها في جوال مسوي مراية لاتتعبين نفسس🙂↔️
عنها في الاخير صادقت اميلي وانا ماكان ابيها تصادقها الصدق مابي تطلع كثير هي وليو عشان كذا يارب المؤلفه تكمل كذا تجيب لنا وش يسوون من وجهة نظر سيسيل لاتجيب وجهة نظر ليو و اميلي ابداااا
بس احب سيسيل صايره تفكر في روس واحد هاعا!
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.