الفصل 198: ما حدث بين حياتيه (12)
“لماذا؟ من المؤكد أنه حتى وصول فرسان الهيكل المقدس….”
“هذا صحيح. فهذه الخطة استهدفتهم منذ البداية….”
كان الغضب والارتباك يختلطان على وجه روسيفيوس.
وكانت عيناه تجولان في حيرة، وكأنه يحاول تقدير ما إذا كان هناك شيءٌ في الخطة التي وضعها مع الماركيز لا يعرفه.
لكن ذلك لم يكن ممكنًا. فهذه الخطة نفسها دُبّرت بالطريقة ذاتها خلال حياتَي روسيفيوس.
“أهذه هي البادرة التي تسبق الأمر؟”
سألت إيلين على عجل، عاجزةً عن الحفاظ على هدوئها المعتاد.
“هل بدأوا الطقس السحري بالفعل؟ لا يزال هناك وقتٌ طويل قبل وصول فرسان الهيكل المقدس.”
“هل يُعقل أنهم اتخذونا نحن هدفًا….”
عجز كين عن إتمام كلامه، وقد ارتسم الذهول على وجهه.
وكان السحرة المبارزون أيضًا يبدون بوجوهٍ متجهمة، وكأنهم يحاولون تقدير ما يجري.
وبينما كان كل واحدٍ منهم غارقًا في أفكاره، ولم يستطع أحدٌ أن ينطق بكلمة واحدة.
كُررررررر…!
وكأن الأرض تستنكر غفلتنا، اهتزت الأرض بعنفٍ مصحوبةً بأعلى دويّ سُمع حتى الآن.
فارتجفت يد روسيفيوس التي كانت تطوق كتفي برفق.
“….أولئك القوم.”
وبينما بدا وكأنه يكبح غضبه، تكسرت أنفاسه وهو بالكاد يُخرج صوته.
***
كان هانسون يمسك بالعصا بيدين ترتجفان بشدة.
وكان في طرف العصا التي أُجبر على إمساكها بأمرٍ من الساحر الأجنبي شيءٌ يشبه الجوهرة، تتلوى داخلها طاقةٌ حمراء داكنة وزرقاء قاتمة، ما جعلها تبعث على نذيرٍ شديد السوء.
بل إن الطاقة داخل الجوهرة كانت تضطرب أحيانًا وكأنها تتجاوب مع مشاعر هانسون، كلما أصابه الذهول أو استبد به الخوف.
‘لا بد أن هذه أيضًا تُستخدم لإلقاء نوعٍ من السحر….’
تحركت عينا هانسون الحمراوان ذهابًا وإيابًا، ثم اتجهتا نحو الرجل الجالس بعيدًا فوق صخرة.
كان منشغلًا بالنظر إلى شيءٍ يمسكه في يده، فلم يبدِ أي اهتمامٍ بهذا الجانب.
نبيل ذو شعرٍ بني وعينين سوداويين. كان هو بلا شك ابن عمه، ابن عمه من جهة عمه الأكبر الثاني، ذلك الذي اقتحم القرية قبل أيامٍ برفقة سحرةٍ ذوي بشرة نحاسية.
فقد أخبره رئيس القرية أنه ابن المحسن الذي يدعم القرية.
كان والد هانسون قد أخبره أن له عمّين أكبر منه، لكنه لم يرَ أيًّا منهما من قبل.
فأحدهما اعتزل الدنيا قبل عقودٍ وأصبح كاهنًا، أما الآخر فكان أخًا غير شقيقٍ لوالده، وفوق ذلك كان من النبلاء.
كان عمه الأكبر الثاني قد جاء في إجازةٍ عدة مراتٍ قبل ولادة هانسون، لكنه منذ ذلك الحين لم يفعل سوى إرسال الطعام، ولم تطأ قدماه القرية ولو مرة واحدة.
قال والده أن السبب هو وفاة الجد، لكن في اللحظة التي رأى فيها هانسون تصرفات ذلك النبيل المشينة، أدرك أن كلام والده كان خاطئًا.
فقد بدا وكأنه لا يعلم إطلاقًا أن له أقارب من دمه في هذه القرية. ولو كان يعلم، لما سمح لأولئك الأجانب الهمجيين بأن يعاملوا أهل القرية بتلك الطريقة.
ناهيك عن أن يفعلوا ذلك بهذه الصورة….اتجهت نظرة هانسون القاتمة إلى قدميه.
كانوا قد نُقلوا في مجموعاتٍ من ثلاثين أو أربعين شخصًا، وقد رُبطت أرجلهم جميعًا بحبلٍ واحد.
بل إنهم كانوا مربوطين وهم واقفون متلاصقين، فلم يكن أمامهم سوى الاتكاء بعضهم على بعض، وكان يكفي أن يتعثر أحدهم حتى يسقطوا جميعًا.
وفوق ذلك، ظل كل واحدٍ منهم يرفع عصاه لفترةٍ طويلة، فراحوا يتمايلون من شدة الإنهاك.
ولم يكن الخوف من الوضع مقتصرًا على هانسون وحده. ومن مكانٍ ما، ارتجف صوت بكاءٍ مكتوم.
<───!>
أكان قد سمع ذلك؟
صرخ الساحر فجأة، ثم صوّب نحوهم شيئًا يشبه القوس والنشاب. فمدّ هانسون وأهل القرية أذرعهم التي تمسك بالعصي إلى أقصى حد، وقد استولى عليهم الرعب.
<─!>
ومع ذلك، بدا أن شيئًا ما لم يرق له….
فوش-!
ومع صوت اختراقٍ قصير للهواء، ظهر شقٌ أحمر على خد السيدة سالفي الواقفة إلى جوار هانسون.
لم يكن قادرًا على رؤية شكل فمه بسبب القناع، لكن الطريقة التي كان يهز بها كتفيه جعلته يبدو وكأنه يضحك باستخفاف.
فازداد وجه هانسون شحوبًا. واضطربت الطاقة داخل الجوهرة المثبتة في العصا بعنف.
‘عليّ أن أحافظ على وعيي تمامًا، لكن….’
فقد مضت ثلاثة أيامٍ منذ أن جاء أولئك القوم إلى القرية، وثلاثة أيامٍ أيضًا منذ أن ظلوا يستنزفون طاقتهم السحرية دون توقف، ولم يتمكنوا خلالها من النوم كما ينبغي.
ولسببٍ ما، كانت القوة السحرية التي استخدمها للمرة الأولى تستجيب له بسلاسة، وكأنه استخدمها طوال حياته، لكنه لم يكن مسرورًا بذلك قط.
كان يشعر بنفورٍ شديد من استغلاله في أمرٍ خطير وسري لا يُعرف عنه شيئًا.
‘محسن القرية، يا للسخرية….’
وفي اللحظة التي ألقت فيها عيناه القلقتان نظرةً خاطفة من جديد على ابن عمه.
“….تباً!”
طحن أسنانه، ثم ألقى على الأرض الشيء الذي ظل يتفحصه طوال الوقت.
طشّ-!
وتناثرت شظايا الزجاج مع صوت تحطمٍ حاد.
‘مرآة.…؟’
كان من الواضح أنها شظايا مرآة، إذ كانت تلمع منعكسةً عليها أشعة شمس أوائل فترة ما بعد الظهر.
“ها! أولئك الأوغاد لا يعرفون قدرهم، ويجرؤون على الوصول إلى هنا حتى.…!”
كانت عينا ابن عمه دومينيك السوداوان تبرقان بحدة. وكان وجهه، وقد اسودّ ما تحت عينيه وازداد شحوبًا بشدة، يبدو كوجه شخصٍ مسّه مسّ من الجنون.
“آآآآخ!”
أطلق دومينيك صرخةً وكأنه يُفرغ الغضب المتأجج في أعماق أحشائه، ثم أخذ يدق الأرض بقدميه غير قادرٍ على كبح غيظه. فتحطمت شظايا المرآة التي كسرها إلى قطعٍ أصغر فأصغر.
وتخلل أرض الموت بريقٌ لامع يشبه انعكاس أشعة الشمس على سطح الماء.
“أنتَ.”
عند نداء دومينيك القصير بعد أن ظل يلهث غاضبًا لبعض الوقت، التفت إليه الساحر المبارز.
وعلى خلاف تعامله مع سكان القرية، كان حتى بصره تجاه دومينيك مهذبًا على نحوٍ واضح.
“ابدأ.”
“مبكر. مختلف، خطة.”
“مبكر، تبًا! هل كان اعتراضكم عليّ أيضًا من ضمن بنود العقد؟”
“….فهمتُ.”
ولدهشة سكان القرية، كان الساحر المبارز يجيب دومينيك بكلماتٍ قصيرة من اللغة إمبراطورية، ثم يمتثل لكلامه بطاعة.
تمتم الساحر المبارز بشيءٍ في سوار معصمه، وكأنه يتواصل مع رفاقه الموجودين في مكانٍ آخر، ثم فجأة حدّق في سكان القرية بعينين غاضبتين.
“افعلوا!”
كانت تلك الكلمة الإمبراطورية الوحيدة التي ظلوا يصرخون بها كلما أرغموهم طوال الأيام الماضية على ضخ طاقتهم السحرية في القرص.
لكن لعل الأمر كان مفاجئًا للغاية، ففي الوقت الذي ظل فيه جميع السكان يرتجفون ولا يعرفون ماذا يفعلون سوى مراقبة ردود أفعال بعضهم بعضًا.
وفجأة، انتزع دومينيك الآلة السحرية من يد الساحر المبارز وصوّبها نحوهم.
“أتظنونني أضحوكةً أنتم أيضًا؟”
فوش-!
سقط تومي، الذي كان يقف عند أقصى طرف المجموعة، على الأرض دون أن يتمكن حتى من إطلاق أنين.
وعندما ترنح أولئك الذين كانت أرجلهم مربوطة بساقيه، حتى أنهم لم يعودوا قادرين على الشعور بالخوف، صوب دومينيك الآلة السحرية نحوهم مرة أخرى. وحاول السكان الشاحبون أن يحافظوا على توازنهم بأي طريقة.
“حالًا. أسرعوا ونفذوا ما آمركم به، أيها الشياطين الأوغاد.”
أما عبارة “أيها الشياطين الأوغاد”، فقد لفظها دومينيك حرفًا حرفًا وكأنه يسحقها بين أسنانه.
“عليكم أن تدفعوا ثمن الصدقة التي تفضلنا بها عليكم، أليس كذلك؟”
لم تكن عيناه السوداوان المتسعتان تنظران إلى العيون الحمراء المرتعبة أمامه، بل إلى شخصٍ آخر يقف خلفها.
“….أيها الخائن الحقير.”
كان ينظر إلى وجه ذلك الشيطان الوقح الذي ظل يمنحه شعورًا بالدونية طوال حياته، والذي استولى على كل ما كان من المفترض أن يكون له.
كَرْرَك-
أصدرت أضراسه صوت احتكاكٍ مزعجًا.
“….سأجعلكَ تدفع ثمن جرأتكَ على اعتباري أضحوكة.”
***
“سيد روسيفيوس.”
أمسكتُ بذراع روسيفيوس على عجل. ولحسن الحظ، كانت حرارته طبيعية.
“ربما يكونون قد أخطؤوا. وربما تغيّر هدفهم مع تغيّر الوضع.”
كنتُ أنا أيضًا مرتبكة للغاية، لكنني أسرعتُ في تشغيل ذهني واستعرضتُ تخميناتي واحدًا تلو الآخر، محاوِلةً طمأنته وطمأنة رجالي.
“إجمالي طاقتهم السحرية أقل بكثيرٍ من طاقتكَ، ولا يزال أمامنا عشرة أيامٍ حتى يصبح القمر محاقًا بعد شهرين، كما أن البلورات لم تكتمل جميعها. وبما أنهم في كل الأحوال لا يستطيعون تدمير فرسان الهيكل المقدس بالكامل، فقد يكونون يحاولون استعراض قوتهم.”
نعم. كان هذا الاحتمال هو الأرجح.
“وربما حكموا بأن استهدافي أنا سيكون أكثر فاعليةً من مواجهة فرسان الهيكل المقدس.…؟”
أضفتُ ذلك بنبرةٍ مازحة، على أمل أن يخف التوتر قليلًا، لكن لم يبتسم أحدٌ معي. بل ازداد وجه روسيفيوس قتامة.
“ما يفعلونه ليس سوى مقاومةٍ يائسة، لذا علينا فقط أن نعالج الأمر بهدوءٍ وفقًا للخطة.”
تابعتُ كلامي وأنا أحرك ذراع روسيفيوس برفق، محاوِلةً تهدئته. فقد كانت أنفاسه تزداد خشونة، وهذا جعل ما حدث في سيرنيتا يخطر ببالي مرارًا.
“في البداية، ما رأيكَ في أن يقوم فرساني بتطهير المنطقة بقوتهم المقدسة حتى وصول فرسان الهيكل المقدس، كي نمنع الشقوق الموجودة في الجزء السفلي من الوادي من الاتساع؟”
“وكيف أمكن لسموكِ أن تعرف….آه.”
ابتسمتُ له ابتسامةً مشرقة عند سماعي صوت روسيفيوس المذهول.
كيف عرفتُ؟ لأنني قرأتُ مرارًا قصة حياته الماضية، حين فتح البحر الذي لا عودة منه.
‘فقد وُصفت بصورةٍ غامضة الهيئة التي يتخذها المكان عند انفتاح البحر الذي لا عودة منه، وكيف تولى فرسان الهيكل المقدس معالجة الأمور في النهاية.’
كان علينا منعهم من مواصلة الطقس السحري، لكن كان من المهم أيضًا احتواء الأضرار حتى لا تتفاقم.
فلو خرج وحشٌ واحد فقط من خلال ذلك الشق، فستبدأ عندها دوامةٌ عاتية يستحيل السيطرة عليها.
“سيكون الأمر أسهل لو تمكنت من إخضاع جميع من في هذه المنطقة كما فعلتُ حينها….”
رن صوت روسيفيوس وهو يجيب بنبرةٍ قاتمة ومخيفة إلى حدٍ ما.
ولعلهم أدركوا أنه يتحدث عن ما حدث في سيرنيتا، فارتجفت أعين السحرة المبارزين.
“لكن ذلك قد يتسبب في انفلات البلورات التي لا تزال في طور النضج….إنه أمرٌ يبعث على الضيق.”
وبعد أن لفظها وكأنه يطحن الكلمات بين أسنانه، وضع روسيفيوس ركبتيه على الأرض وأسند يديه إليها. وبدا وكأنه يستكشف أعماق الأرض.
“صحيحٌ أن القوة غير كافية. لكن هناك حركةٌ في الأعماق يصعب إنكارها. وبهذا الوضع، فإن اتساع الشقوق مسألة وقتٍ لا أكثر.”
“….همم، كما توقعتُ.”
لعل الاهتزازات كانت تأتي من أعماق الأرض، إذ ظل شعور التذبذب تحت قدميّ يصيبني بالدوار.
“أولًا، كين، إيلين.”
ناديتُ قائدي الفصيلين وأنا أغمض عينيّ بشدة.
“إذا نزلتما إلى أسفل الوادي، فستجدان أن قاعه يشبه مجرى نهرٍ جافًا. فعندما تتسع الشقوق على امتداد التربة المتصدعة، ستنهار الرواسب، وعندها ينفتح البحر….”
أومأ روسيفيوس برأسه إشارةً إلى صحة كلامي.
“إذا ضخمتما فيه القوة المقدسة، فبإمكانكما تأخير الانهيار، لذا اصمدا حتى وصول فرسان الهيكل المقدس. وسأرسل الفصيل الثالث لينضم إليكما.”
“إذًا، ينبغي لي أن أسرع بإحضار فرسان الهيكل المقدس.”
“إحضارهم؟”
قالوا أن الأمر سيستغرق ثلاث أو أربع ساعات….لا يعقل أنه سيـ، سيستخدم السحر؟
ومن شدة ارتباكي انفرج فمي من تلقاء نفسه. فمدّ روسيفيوس يده برفق ومسح ذقني، ثم أغلق فمي، بينما أجاب،
“هذا المكان لا يعاني من المانا فحسب، بل إن جودة الهواء نفسها سيئةٌ للغاية. ينبغي لفرسان الهيكل المقدس أن يصلوا سريعًا وينصبوا المعسكر حتى تتمكن سموكِ من الراحة.”
“لكنني بخير. ألن تكون أنتَ من يُرهق نفسه أكثر من اللازم.…؟”
ضحك روسيفيوس ضحكةً قصيرة، ثم أدخل يده تحت غطاء رأسي ومسح صدغي. فتجمعت قطرات العرق البارد التي نمت على جبيني على قفازه.
نعم، من سيقلق على من هنا….؟
“كما أخبرتكِ، فإن المانا في هذا المكان متوافقةٌ معي بدرجةٍ كبيرة. وفوق كل شيء، لديهم الكثير من العمل الذي يتعين عليهم القيام به.”
“….همم، هذا صحيح.”
فقد كانت قوة فرسان الهيكل المقدس ضرورية، سواءً لتطهير المنطقة ومنع الشقوق من الاتساع، أو للاستعداد لاحتمال بدء الدوامة وخروج الوحوش منها.
“وفوق كل شيء، ما لم أضمن سلامة سموكِ، فلن أستطيع مغادرة مكانكِ، مهما كان ما قد يفعله ذلك الماركيز وابنه.”
وفي النهاية، نقل روسيفيوس مئاتٍ من فرسان الهيكل المقدس إلى هنا.
وبعبارة أدق، أنشأ دائرة انتقالٍ سحرية هائلة، وانتقل فرسان الهيكل المقدس عبرها.
ومن الانتقال إلى نقطة التجمع وحتى إحضارهم، حدث كل ذلك في غمضة عين.
وبعد أن انضممتُ إلى الفصيل الثالث الذي كان قد وصل مسبقًا، ذُهلتُ من المشهد المهيب لمئات الجنود وهم يندفعون إلى الداخل عبر الفضاء الذي تمزق.
_________________________
هيبه روعه قوه حنان مرجلة جنتله رخص كل شي في ولدي يلبا
و سيسيل بعد مرررره صايره تعجبني وهي كل شوي تهديه لاينفجر و تحن عليه وتبيه ينتقم يناااااسسسس
المهم ابي ردة فعل روزيليا على الرسبنة ذي😂
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.