الفصل 95
⟢ الفصلُ 95 ⟢
اضطربت نظرات الدوق الأكبر قليلًا.
“وحدكِ؟”
“نعم.”
“لا.”
أجاب بحزم على نحو فاجأني.
“لماذا؟ لن يستغرق الأمر سوى لحظات…….”
عندها أطلق الدوق الأكبر زفرة خفيفة.
‘لا، أنا قلت إنني سأذهب إلى الشرفة قليلًا فحسب، فهل يستدعي ذلك كل هذه الزفرة؟’
في الحقيقة، كنت متعبة قليلًا.
فمنذ أن رأيت سيرهين، أخذت حالتي الجسدية تسوء لحظةً بعد أخرى.
ألقيت نظرة خاطفة إلى سيرهين، الذي كانت تحيط به الشابات النبيلات.
‘يبدو أنه يحظى بشعبية.’
شعرت بالظلم دون سبب. فأنا أعاني بسبب مشاعر مجهولة المصدر بسببه.
‘بينما ذلك الوغد محاط بالنساء ويتودد إليهن.’
حسنًا، لا أستطيع إنكار وسامته.
‘لكن طباعه وحشية.’
أبعدت نظري عن سيرهين.
حاولت ألّا أهتم به قدر الإمكان. فهو على أي حال لن يتعرّف إليّ.
ظننت أنني إذا توقفت عن التفكير فيه، فسيمرّ الأمر بسلام.
لكن أكان ذلك بسبب الذكريات التي رأيتها في الحلم؟
لقد بدأت أنا أيضًا أتشرب تدريجيًا ذلك الخوف الذي كان قد سيطر على صاحبة هذا الجسد.
‘إن انهرتُ هنا، فستكون كارثة.’
ظننت أن استنشاق بعض الهواء في الخارج سيجعلني أشعر بتحسن، لكن الدوق الأكبر لم يسمح لي حتى بذلك.
وحين أرخيتُ شفتيّ بتجهم من دون قصد، قال الدوق الأكبر بصوت خافت:
“ليس شرفة قاعة الوليمة.”
رفعت نظري إليه.
“نعم؟”
“هناك غرفة استراحة خاصة بعائلة الدوق الأكبر في الطابق العلوي.”
أوه؟
وحين رفعت حاجبيّ باهتمام، ابتسم الدوق الأكبر.
“لا يستطيع أحد دخولها من دون إذني، لذا اصعدي إلى شرفتها.”
أومأت برأسي على عجل قبل أن يغيّر الدوق الأكبر رأيه.
“نعم، سموّك.”
وحين هممت بالاستدارة، أمسك الدوق الأكبر بيدي.
“ما الأمر؟”
“لا تخرجي من غرفة الاستراحة. سأصعد إليكِ بعد قليل.”
“ماذا؟ لا داعي لذلك. كنت أنوي أن أرتاح قليلًا ثم أعود إلى الأسفل.”
“لا تنزلي. انتظريني هناك.”
كان تعبير الدوق الأكبر جادًا على نحو مبالغ فيه.
ما به؟ ألم يكن من المفترض أن أعود إلى الأسفل وأظل أتجول أمام الناس كما كنت أفعل؟
‘يبدو أن الدوق الأكبر يعتبر أنني أديتُ واجبي كاملًا لمجرد أنني دخلت معه إلى الحفل.’
ترددت لحظة، ثم اكتفيت بهز رأسي.
“……نعم، سأفعل.”
أجبته بأنني سأنتظره، ثم غادرت قاعة الوليمة.
***
ما إن ابتعدت عن ضجيج قاعة الوليمة وصعدت إلى غرفة الاستراحة، حتى شعرت وكأنني دخلت الجنة.
“واااو…….”
ما هذه غرفة الاستراحة؟ أهي أفخم من مكتب الدوق الأكبر حتى؟
دخلت غرفة الاستراحة الخاصة بعائلة الدوق الأكبر بالوت، وأخذت أتلفت حولي.
كانت الأثاثات العريقة المصنوعة من خشب الماهوغاني ذي اللون الداكن، والزخارف الأنيقة التي تبدو باهظة الثمن، والسجاد وورق الجدران ذوو الألوان الدافئة، تضفي على المكان جوًا مريحًا ودافئًا.
اتجهت نحو أريكة مخملية تتوسد جانبيها وسائد مطرزة بزخارف فاخرة، وجلست عليها.
خلعت الحذاءين المزعجين للغاية وتركتهما مرتبَين على الأرض، ثم مددت ساقيّ وأسندت جسدي على ظهر الأريكة.
هااه…….
خرجت مني زفرة ارتياح تلقائيًا.
“ما أروع الراحة…….”
حرّكت قدميّ اللتين استعادتا حريتهما قليلًا، ثم أسندت مؤخرة رأسي على ظهر الأريكة وأخذت أنظر إلى السقف.
كانت ثريا ضخمة تتلألأ فيها البلورات تتأرجح بحركة بالغة الخفة.
‘همم؟ هل النافذة مفتوحة……؟’
أدرت رأسي نحو النافذة، لكنني اكتشفت أن الباب المؤدي إلى الشرفة، لا النافذة، هو المفتوح.
‘صحيح، الشرفة.’
كنت قد قررت استنشاق بعض الهواء على الشرفة.
تذكرت غايتي الأولى، فنهضت عن الأريكة.
تركت حذائي في مكانه وتحركت حافية القدمين. وحين سحبت الباب الموصل إلى الشرفة وفتحته وخرجت، تسللت برودة أرضية الرخام المميزة إلى باطن قدميّ وصعدت في جسدي.
شعرت بأن ذهني أصبح أكثر صفاءً.
شهيق…… زفير……
ملأ هواء الليل البارد رئتيّ، ثم خرج ببطء.
‘آه، أخيرًا أستطيع التنفس براحة.’
وضعت يديّ بحذر على حاجز الشرفة، ونظرت إلى الأسفل.
كان المكان مرتفعًا أكثر مما توقعت.
صحيح أن غرفة الاستراحة كانت في الطابق الثاني فقط، لكن ارتفاع الأسقف في كل طابق كان كبيرًا، حتى إن الارتفاع بدا كأنه يعادل الطابق الرابع في مبنى عادي.
في الأسفل، كانت أضواء قاعة الوليمة في الطابق الأول تتسرب وتتلألأ بخفوت، فيما كانت موسيقى الفرقة الهادئة تصلني محمولةً على نسيم الليل البارد.
ولأن لم يكن أحد حولي، شعرت وكأن الفرقة تعزف من أجلي وحدي، فضحكت بلا سبب.
كان ضوء القمر في سماء الليل، وكذلك ضوء النجوم، صافيين على نحو استثنائي. لقد كان الليل شديد الصفاء والنقاء.
‘كان من الصواب ألّا أنظر إليه.’
ما إن ابتعدت عن سيرهين حتى استعدت هدوئي. لم يعد قلبي يخفق بعنف، ولم يعد صدري مثقلًا، ولم تعد أنفاسي متقطعة.
‘كما توقعت.’
لا بد أن شيئًا ما قد حدث بين صاحبة هذا الجسد وسيرهين.
لكن ماذا؟
لماذا كان سيرهين في إمبراطورية كاديا في ذلك اليوم؟ يبدو أنه كان قد حضر الوليمة التي أقيمت في إمبراطورية كاديا……
وبينما كنت أسترجع الحلم الذي رأيته قبل فترة وأفكر فيه بعمق، سمعت فجأة صوتًا من خلفي.
“ظننت أنني أرى وهمًا.”
“؟!”
استدرتُ بفزع. وحينها، أطلّ ظلّ شخصٍ طالعاً من العتمة عند أطراف الشرفة.
عينان حمراوان ناصعتان حتى في قلب الظلام.
كان سيرهين.
ولأننا كنا في القصر الإمبراطوري، كان من الصعب استشعار وجود الآخرين واحدًا واحدًا.
فقد كان المكان يعجّ بالنبلاء، والخدم المرافقين لهم، وفرسان الحراسة، وحتى أفراد عائلاتهم المباشرين، وكان الجميع يتنقلون هنا وهناك، فلم يكن بوسعي أن أشعر بطاقة كل شخص وأظل متيقظةً تجاهه.
ولهذا لم أشعر بوجوده حتى الآن على الإطلاق.
‘ولأن حالتي الجسدية لم تكن جيدة، لم ألاحظ وجوده أكثر.’
تبًا……
ما إن أدركتُ أنه سيرهين، حتى استجابت عضلات جسدي فورًا وتيبّست.
ولكي لا أُظهر مدى اضطرابي، شددتُ قبضتي على حافة الشرفة.
عليّ أولًا أن أتصرف وكأننا لا نعرف بعضنا، وأصمد حتى يأتي الدوق الأكبر.
“ألستَ سموّ ولي عهد إمبراطورية تيناسيس؟”
“…….”
عندها تشوّه تعبير وجه سيرهين على نحو غريب.
“لا تفعلي ذلك. ……لا تتحدثي إليّ بهذا الوجه الذي يوحي بأنكِ ترينني للمرة الأولى، وبهذا الصوت الذي يقول إنكِ لا تتذكرينني. ……لا تفعلي ذلك.”
بدا سيرهين مجروحًا لسبب ما.
‘أيها المجنون، ما الذي جاء بك إلى هنا أصلًا؟’
فلو اختفى ولي عهد الإمبراطورية الحليفة من قاعة الوليمة، فسوف يلاحظ الجميع الأمر فورًا.
ورغم أنني كنت قلقة بشأن سيرهين حتى في هذه الظروف، إلا أن شعورًا مزعجًا مجهول المصدر أخذ يتجمع في صدري في الوقت نفسه.
تراجعتُ ببطء إلى الخلف وقلت:
“لا أفهم عمّا تتحدث. هذه غرفة الاستراحة التابعة لعائلة الدوق الأكبر بالوت. يبدو أنك دخلت المكان الخطأ—.”
“لماذا؟”
قاطعني سيرهين وسأل:
“لماذا تتظاهرين بأنكِ لا تعرفينني؟”
“…….”
أيها الوغد……
‘إذن، كان يتذكر وجه صاحبة هذا الجسد فعلًا!’
ما إن أدركتُ ذلك حتى اشتد الألم في قلبي. شعرت وكأن أحدهم يقبض على قلبي ويعصره بكل قوته.
وفي تلك اللحظة، دوّى في رأسي صراخ عاجل.
‘إنه خطير! اهربي!’
كان صوت غريزة تكاد تقترب من الهلع.
كانت ذكريات شخص ما يسكن هذا الجسد تحذرني من الهرب من سيرهين.
“سموّ ولي العهد، يبدو أنك أخطأت في—.”
وبينما كنت أنظر إليه بحذر شديد وأتحدث، اقترب مني بخطوات واسعة، ثم قال بوجه أكثر هدوءًا وانخفاضًا في تعابيره:
“سيا.”
“……!”
سيـا……؟!
‘هل ناداني سيرهين الآن…… سيا؟!’
ما إن أدركتُ ذلك حتى انحبس نفسي دفعة واحدة.
‘مـ، ماذا…….’
كيف……؟
‘كيف، كيف عرفتَني؟’
كيف؟ لماذا؟!
عجزتُ عن الكلام، وظللت أحدّق في سيرهين.
كانت عيناي المتسعتان تؤلمانني. ومن شدة الصدمة، نسيت حتى أن أرمش، وظللت أحدّق فيه بعينين جامدتين.
عندها اقترب سيرهين خطوة أخرى.
“سيا.”
“…….”
تراجعتُ إلى الخلف دون أن أشعر.
‘لا ينبغي أن يلمسني. أشعر أن شيئًا فظيعًا سيحدث إن اقترب مني.’
مدّ سيرهين ذراعه نحوي.
‘لا أريد……!’
كانت المسافة بيننا لا تزال كافية كي لا يلمسني، لكن يده بدت لي كسلاح قاتل يهدد حياتي، فشعرت بالنفور والخوف منها.
ذلك الخوف والنفور اللذان شعرت بهما في الحلم ما زالا كما هما.
تقدّم سيرهين خطوة أخرى.
“لنعد. إلى بيتنا.”
“…….”
بيتنا؟ أين بيتنا؟
إلى القصر الإمبراطوري في تيناسيس، حيث تعيش أنت؟
‘هل كان ذلك المكان بيتي أصلًا……؟’
وماذا عن أفراد عائلة الدوق الأكبر؟ والسير أنيت؟ ومعلّمي؟ وكتلة الفرو؟
‘والدوق الأكبر……؟’
أتريدني أن أتركهم وأذهب معك؟
‘هاه…….’
لا أريد. لا أريد……
هززتُ رأسي وواصلت التراجع.
‘لا أريد! لا تقترب! لا تلمسني!’
امتلأ رأسي بأصوات ترفض سيرهين وتصرخ في وجهه، لكن أياً منها لم يستطع أن يخرج صوتًا من فمي.
ثم—
طَق—!
اصطدم جسدي، وأنا أتراجع إلى الخلف، بحاجز الشرفة، وفقدت توازني للحظة وترنحت.
“آه……!”
“سيا!”
حدث كل شيء في غمضة عين.
اندفع سيرهين نحوي، وسحبني إليه ليحتويني بين ذراعيه.
وتدحرجنا نحن الاثنان على أرضية الشرفة.
وفي اللحظة نفسها، اقشعرّ جلدي من رأسي إلى أخمص قدميّ، فصرخت دون وعي ودفعت سيرهين بعيدًا بكل ما أوتيت من قوة.
“لا أريد—! اتركني! قلت لك اتركني!”
“سيا! اهدئي، سيا!”
“لا أريد! ابتعد عني!”
وفي تلك اللحظة—
–”لا تقترب مني!”
–”عليكِ أن تنسي جميع الذكريات التي عشتيها في هذا المكان، يا حارسة شجرة العالم.”
–”قلت لك لا تأتِ! ألا يوجد أحد في الخارج؟! كادريان! كادريان!”
وكأن سدًّا كان يحجز مجرى الماء قد انفجر بالقوة، بدأت ذكريات جديدة، تفوق قدرتي على الاحتمال، تقتحم رأسي دفعةً واحدة.
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ Snow 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.