الفصل 91
⟢ الفصلُ 91 ⟢
سألتُ وأنا أنظر إلى السير أَنِيت بقلق:
“كيف يمكنني مساعدتكِ؟”
ربما أعجبها جوابي المطيع. فقد اهتزّ بؤبؤا عيني السير أَنِيت، التي كانت قد طلبت مني مساعدتها أولًا، اهتزازًا طفيفًا للغاية.
تنحنحت السير أَنِيت تنحنحًا خافتًا، ثم قالت:
“على أي حال، لقد تأخر الوقت كثيرًا اليوم، فلنتحدث عندما يطلع النهار.”
“لا.”
هززتُ رأسي فورًا.
“إذا كنتِ لا تمانعين يا سير أَنِيت، فأودّ أن أسمع ما لديكِ الآن. عندها أستطيع أن أفكّر في الأمر مليًّا طوال الليل، ثم أقدّم لكِ إجابتي.”
“…….”
انحنت زاوية فم السير أَنِيت بلطف.
“كيف لكِ أن تكوني…….”
كما أنتِ تمامًا…….
تظاهرتُ جاهدة بأنني لم أسمع الكلمات الأخيرة التي بالكاد وصلتني.
ذهبتُ مع السير أَنِيت إلى غرفتها.
وما إن جلستُ قبالتها، حتى وضعت على الطاولة صندوقًا كبيرًا كانت قد أعدّته مسبقًا.
وعندما نظرتُ إلى الصندوق باستغراب، فتحت السير أَنِيت غطاءه.
كان الصندوق ممتلئًا برسائل مختلفة الأشكال والألوان. كانت رسائل واردة من عائلات نبيلة أخرى.
وحين أدركتُ حقيقة ما بداخل الصندوق وتجمّدت ملامحي، أخرجت السير أَنِيت إحدى الرسائل وقالت:
“كما أدركتِ على الأرجح، فكل الرسائل الموجودة هنا تتضمن طلبًا آنسات بأن يصبحنَ شريكات كادريان في الحفل.”
“…….”
“لكن…… ابني الأحمق يصرّ هذا العام أيضًا على الذهاب بمفرده من دون شريكة.”
“أحقًّا…….”
أجبتُ متظاهرةً بأنني لا أعرف شيئًا، فتابعت السير أَنِيت بصوت خافت قليلًا:
“في الحقيقة، لم يكن الأمر مهمًّا حتى العام الماضي. لكن ابتداءً من هذا العام، أصبح الأمر معقّدًا بعض الشيء.”
كنتُ أنظر إلى الصندوق، ثم رفعتُ بصري ونظرتُ إلى السير أَنِيت.
“ولماذا؟”
“لأن الأميرة الثالثة ستقيم مراسم بلوغ سن الرشد قريبًا. أي إنها ستبلغ السن التي تصبح فيها مؤهلة للزواج.”
“…….”
قالت السير أَنِيت إنه إذا حضر كادريان الحفل بمفرده هذا العام أيضًا، فمن المؤكد أن الإمبراطور سيتظاهر بأنه لا يستطيع رفض طلب ابنته الصغرى، ثم يصدر أمرًا إمبراطوريًّا.
أمرًا إمبراطوريًّا بالمضي قدمًا في زواج الأميرة الثالثة وكادريان.
كنتُ قد عرفتُ هذا الأمر مسبقًا من خلال إيد، لكن سماعه الآن من فم السير أَنِيت جعل الألم الغريب يعود ليضغط على موضع قلبي.
وحين ظللتُ أنظر إلى السير أَنِيت من دون أن أقول شيئًا، لوّحت بالرسالة في يدها وقالت:
“لذلك، ألا تساعدينني في اختيار واحدة منهن؟”
“…….”
هاه……؟
فتحتُ عينيّ على اتساعهما ونظرتُ إلى السير أَنِيت.
‘تريد مني أن أختار معها؟ إحدى هؤلاء الشابات لتكون شريكة له؟’
وحين بقيتُ صامتة وفمي مفتوح قليلًا، رمشت السير أَنِيت وسألتني:
“ما بكِ؟”
هززتُ رأسي بسرعة.
“آه، لا، لا شيء. بالطبع، يجب أن أساعدكِ.”
وضَحكتُ ضحكةً محرجة.
كان الأمر مختلفًا عمّا توقعتُه.
‘ظننتُ أنها ستطلب مني حضور الحفل مع الدوق الأكبر.’
لكنها لم تكن تقصد ذلك.
شعرتُ بالارتياح، وفي الوقت نفسه شعرتُ بالحرج لأنني افترضتُ الأمر من تلقاء نفسي من دون داعٍ.
وفي تلك الأثناء، فتحت السير أَنِيت الظرف الذي التقطته أولًا، وأخرجت الرسالة منه.
“حسنًا، لنبدأ الآن بالآنسة رينا من عائلة الكونت روبرت.”
أومأتُ برأسي.
“سمعتُ أنها بارعة جدًا في التطريز.”
فأرخت السير أَنِيت طرفي عينيها قليلًا.
“نعم، سمعتُ ذلك أنا أيضًا. وسمعتُ كذلك أنها كانت تعذّب الخادمات اللواتي يخدمنها بالإبر التي كانت تستخدمها في التطريز.”
“……آه.”
مرفوضة. لا يمكن أن يكون هذا مقبولًا.
مرفوضة حتمًا.
هذه المرة، أخرجتُ رسالةً أخرى.
“إنها الآنسة إليزا من عائلة الماركيز هاستينغ. تتمتع بشخصية نشيطة، فهي تدير ناديًا للفروسية—.”
“آه، تلك الآنسة التي فُسخت خطبتها خمس مرات؟ سمعتُ أنها لوّحت بخِفّاقٍ يُستخدم للخيول في وجه خطيبها.”
“…….”
إذًا، هذه أيضًا مرفوضة.
‘لا يمكنني أن أسمح لها باستخدام ذلك في وجه الدوق الأكبر.’
تنحنحتُ، ثم التقطتُ رسالةً أخرى.
“هذه المرة، الآنسة كلارا من عائلة البارون بريتيا.”
“تلك الآنسة التي أطعمت أحد خدمها نباتًا سامًّا بحجة أنها تدرس علم الأعشاب؟”
“…….”
أخرجتُ بسرعة رسالةً أخرى.
“هذه الآنسة لوريلا من عائلة الفيكونت بيلانديانوس. هذه الآنسة…….”
“يا إلهي، أليس الجميع يعرف أنها مدمنة على القمار؟”
“إذًا، الآنسة بيانكا من عائلة الدوق كارتينا.”
“تتورط في الخيمياء غير القانونية.”
“سيلفيا من عائلة الكونت رامود…….”
“يُقال إنها خانت عائلتها بعدما وقعت في فخ جاسوس من الدولة المعادية، وسرّبت أسرار العائلة.”
“عائلة الفيكونت ليفيير…….”
“مبذّرة إلى حد أن ديونها هائلة.”
“مونتغيو—.”
“إضرام حريق.”
“عائلة الفيكونت لافرينتيس—.”
“خيانة زوجية.”
“ويست وود.”
“قتل.”
“…….”
“…….”
ساد صمتٌ وجيز.
يا إلهي.
‘هل إمبراطورية كاديا بخير فعلًا وهي على هذه الحال؟’
مهما نظرتُ إلى الأمر، يبدو أنه لا توجد في الإمبراطورية أي شابة نبيلة طبيعية!
‘هناك شيء غريب في الأمر……؟’
وكما توقعت، فتحت السير أَنِيت فمها بابتسامة ذات مغزى:
“لذلك يا فريا…….”
“……نعم؟”
كان تعبير السير أَنِيت، وهي تبتسم ببراءة، باعثًا على شعور غريب بالنذير السيئ.
***
طلع النهار.
لا، بل قضيتُ الليل بأكمله مستيقظة، وجلستُ عند طرف السرير أستقبل شروق الشمس.
“آه……!”
أمسكتُ بشعري وجذبتُه، ثم دفنتُ وجهي بين ركبتيّ.
“ماذا فعلتُ…… لماذا وافقتُ على ذلك؟”
في الليلة الماضية، قدّمت السير أَنِيت اقتراحًا واضحًا وجريئًا للغاية.
–”فريا، أظن أنني سأكون سعيدة لو ذهبتِ معه بصفتك شريكة كادريان.”
قالت السير أَنِيت إنها، بصرف النظر عن دعم الدوق الأكبر لأفراد العائلة الإمبراطورية بصفته من أنصار الإمبراطور، لا ترغب في أن ترتبط العائلة الإمبراطورية بعائلتها عن طريق الزواج.
–”إذا حاول جلالته، بأي فرصة، أن يتخذ خطوة متهورة حقًا…….”
وضعت السير أَنِيت يدها فوق الجرح الذي أصابها فيه السهم، وأرخت طرفي عينيها.
–”فلا أظن أنني سأتمكن من مساعدة كادريان بعدما أصبح جسدي على هذه الحال…….”
–”…….”
عندما رأيت السير أَنِيت على تلك الحال، اجتاحني شعور بالذنب.
وفكرتُ أنا أيضًا أنه ربما يكون وجودي إلى جانب الدوق الأكبر أفضل من أن تقف بجانبه الأميرة الثالثة أو شابة نبيلة تعجّ بالعيوب.
وفي النهاية، وبعد تفكير طويل ومتكرر، قررتُ قبول اقتراح السير أَنِيت.
وعندما أخبرتها بقراري، قالت السير أَنِيت بوجه أكثر إشراقًا من أي وقت مضى:
–”لنجعل هذا سرًّا بيننا نحن الاثنتين. حتى عن كادريان.”
تساءلتُ إن كان هناك داعٍ لإبقاء الأمر سرًّا، لكنني أردتُ أيضًا أن أرى وجه الدوق الأكبر حين يفاجأ.
حسنًا، يبدو أن مزيجًا غريبًا من هذه المشاعر قد أثّر في قراري.
وفي صباح اليوم التالي.
جاءت السير أَنِيت إليّ، بعدما قضيتُ الليل مستيقظة تمامًا.
“هيا يا فريا، لنذهب لرؤية الفساتين!”
وهي تبتسم ابتسامة بريئة كأنها فتاة على وشك الذهاب في موعد مع حبها الأول.
أما بالنسبة إليّ، فقد بدأت ساعات أشبه بالجحيم.
–”بما أن بشرة فريا فاتحة، فكل شيء سيليق بكِ.”
–”ماذا؟ هل سنشتري فستانًا واحدًا فقط؟ مستحيل! فستان واحد لا يكفي!”
–”ما رأيكِ بدبوس الشعر هذا؟ الكريستال الشفاف يليق بشعركِ الأشقر كثيرًا.”
–”من الأفضل أن نشتري الأقراط والقلادة كطقم واحد. تعالي واختاري ما يعجبكِ.”
ظلّت السير أَنِيت تختار الفساتين معي من الصباح وحتى وقت متأخر من بعد الظهر، وكان من الطبيعي أن أشعر ببعض الإرهاق، لكنها بدت سعيدة طوال الوقت وهي تشتري الفساتين والحُلي التي ستزيّنني بها.
‘حسنًا، لا بأس بذلك.’
بما أن السير أَنِيت سعيدة، شعرتُ أنا أيضًا بالسعادة من دون سبب…….
وهكذا قضيتُ اليوم بأكمله أتنقل من مكان إلى آخر برفقة السير أَنِيت.
لا أظن أنني ارتديتُ في حياتي هذا العدد الهائل من الفساتين من قبل.
ومع أن الأمر كان غريبًا بعض الشيء، لم يكن شعورًا سيئًا.
في وقت متأخر من المساء، وبعد أن تناولتُ العشاء مع السير أَنِيت في الخارج أيضًا، عدتُ إلى الدوقية الكبرى.
رغم أن كبيرة الخدم غابت عن المنزل طوال اليوم، لم يبحث عني الدوق الأكبر، ولا أيٌّ من الخدم الآخرين.
حتى إيد اكتفى بقول إنه كان يومًا شاقًّا، ثم مرّ من جانبي مسرعًا.
‘لا بد أن السير أَنِيت أخبرتهم مسبقًا بالأمر.’
زفرتُ براحة.
صعدتُ إلى غرفتي، واستلقيتُ على السرير وأغمضتُ عينيّ للحظات.
‘قالوا إننا سننتقل إلى الفيلا التابعة لعائلة الدوق الأكبر في العاصمة قبل يومين من بدء المهرجان.’
عليّ أن أجهّز حقائب أمتعتي مسبقًا.
لكن…….
‘هل من الصواب أن أفعل هذا حقًا؟’
كان دخول قاعة الحفل بصفتِي شريكة الدوق الأكبر مشكلة بحد ذاتها، لكن أكثر ما يقلقني الآن هو، بالطبع…….
‘سيرهين.’
بما أن الحفل يُقام للاحتفال بالتحالف، فمن المؤكد أن معظم النبلاء الموجودين في إمبراطورية كاديا سيحضرونه.
وبالطبع، ستشارك أيضًا بعثة إمبراطورية تيناسيس، التي كانت الطرف الرئيسي في هذا التحالف.
وسيرهين موجود ضمن تلك البعثة.
دقّ، دقّ، دقّ، دقّ—.
خفق قلبي.
لم تكن خفقاته تعبيرًا عن الفرح باللقاء أو الحماس.
‘الخوف.’
كان هذا الخوف مشابهًا لما شعرتُ به في اللحظة التي التقيتُ فيها بسيرهين في طفولته داخل الحلم.
لا، بل كان الشعور ذاته تمامًا. نفور، وخوف، وقلق وتوتر.
على أي حال، لا أعرف ما الذي حدث في ذلك الوقت، لكن من المؤكد أنه لم يكن أمرًا سارًّا بالنسبة إلى صاحبة هذا الجسد.
وفي الآونة الأخيرة، أصبحتُ أتعاطف كثيرًا مع مشاعر صاحبة الجسد وأتأثر بها، لذلك استطعتُ إدراك ذلك بسهولة.
‘ومع ذلك، لا داعي للقلق مسبقًا.’
في النهاية، سيرهين لن يتعرف إليّ.
لا على أنني سيا، ولا على أنني دخلتُ هذا الجسد.
وبعد أن رتّبتُ أفكاري على هذا النحو، قررتُ أن أهدّئ قلبي وألا أقلق.
ومع مرور الوقت، أشرق أخيرًا صباح يوم المهرجان.
***
“سموّك، أرجوك أن تُرخي ملامح وجهك قليلًا.”
“وما خطب ملامح وجهي؟”
تنهد المساعد إيد أولًا عند سماعه صوت كادريان الفظ.
كان إيد وكادريان ينتظران فريا أمام العربة.
فقد كان من المقرر أن تحضر فريا الحفل بصفتها مساعدة كادريان.
“أليس هذا أمرًا جيدًا للغاية؟ رغم عدم وجود شريكة لك، فإن كبيرة الخدم ستتولى على الأقل دور المساعد عني.”
“…….”
كان إيد يعرف أن فريا ستحضر بصفتها شريكة كادريان.
لكنه أبقى الأمر سرًّا عن كادريان. فقد أصرّ كادريان على أنه لا يحتاج إلى شريكة، فضلًا عن وجود تعليمات خاصة من السير أَنِيت.
ضغط إيد على شفتيه المرتعشتين بإحكام، ثم تابع حديثه:
“على أي حال، أتمنى أن تقضي وقتًا ممتعًا.”
“لم يسبق أن استمتعتُ بحفل ولو لمرة واحدة.”
“لا يمكنك أن تعرف مسبقًا، أليس كذلك؟ ربما يكون حفل اليوم هو المرة الأولى التي تشعر فيها بأنه ممتع.”
“هذا لن يحدث.”
ذلك ما سنراه.
ابتسم إيد في داخله، ثم لمح فريا وهي تخرج من القصر وقال:
“آه، ها هي تخرج من…… أوه؟”
“…….”
وحين ترك إيد كلامه معلّقًا على نحو غريب، أدار كادريان، الذي كان يقف بجانب العربة بملل، رأسه نحو مدخل القصر أيضًا.
في تلك اللحظة.
تجمّد كادريان في مكانه فجأة، وحدّق إليها.
“هاه……”
خرجت زفرة خافتة من بين أسنان كادريان، وكأنها تعبّر عن اضطراب قلبه المفاجئ.
حدّق كادريان في المرأة التي كانت تقترب منه، حتى إنه نسي كيف يتنفس.
بوجهٍ شارد إلى حدّ أنه لم يكن ليدرك حتى لو اختنق وفارق الحياة في هذه اللحظة.
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ Snow 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.