الفصل 87
⟢ الفصلُ 87 ⟢
‘لماذا يوجد ذلك هنا……؟’
بل الأهم، لماذا يملك دريك ذلك أصلًا؟!
أزاح الدوق الأكبر قطعة القماش جانبًا، ورفع مقبض السيف المكسور.
كان حدّ السيف المصقول الرشيق قد صدئ وانكسر بالكامل تقريبًا، ولم يُبقِ منه سوى جزء صغير جداً متصلٍ بالمقبض.
بل حتى الجزء المتبقي من المقبض لم يكن يحظى بأي عناية على الإطلاق، وكان متّسخًا.
‘لكن مَن عساه يعتني عمدًا بسيف تحطّم إلى هذه الدرجة؟’
كانت حالته في أسوأ ما يكون، إلى درجة يصعب معها حتى تخمين مَن كان يستخدمه.
ومع ذلك، استطعتُ أن أعرف في الحال أنه كان سيفي.
‘أعني، لماذا يملك ذلك المجنون اللعين سيفي أصلًا؟!’
ارتجفت قبضتي المشدودة قليلًا.
وغلت في صدري مشاعر مجهولة الاسم.
لكن حين فكرتُ في أن دريك كان يملك سيفي، اجتاحني الغضب، والغريب أن رؤيتي للدوق الأكبر وهو يحمله أثارت في داخلي شعورًا غامضًا أيضًا.
نظرتُ إلى الدوق الأكبر للحظات، ثم استدرتُ فجأة نحو دريك، الذي كانت راحة يده مخترقة ومثبتة في الطاولة.
“ما هذا بالضبط؟”
حتى أمام نظراتي الحادة، ابتسم دريك. ورغم أن العرق البارد كان يتصبب منه كالمطر، لم ينسَ أن يرسم على وجهه تعبيرًا دنيئًا.
“……ما عساه يكون؟ ألا تعرفين بمجرد النظر إليه؟ إنه مقبض سيف……. بل مقبض سيف، آه……. تالفٌ، تالفٌ تمامًا.”
كيكيكيكي.
وتعالت بعد ذلك ضحكة مقززة، أشبه بحكّ الحلق.
هذه المرة، سأل الدوق الأكبر:
“قل لي لماذا تملك هذا.”
أجاب دريك، وعيناه تلمعان كما لو أنه كان ينتظر سؤال الدوق الأكبر هذا تحديدًا:
“كنتُ أعرف أنك ستتعرف عليه، كما توقعتُ…… أعددتُه كهدية لك، يا صاحب السمو…….”
“لي……؟”
“نعم……!”
امتزج في عيني دريك ابتهاج يشبه الجنون.
“أليس هذا سيف الشخص الذي طالما أردتَ قتله، يا صاحب السمو الدوق الأكبر؟!”
“…….”
الشخص الذي طالما أراد قتله.
استدرتُ ببطء نحو الدوق الأكبر.
كان واقفًا وظهره إليّ، لذلك لم أستطع قراءة تعبير وجهه، لكنه لم يكن يبدو منتشيًا أو مرتاحًا على الإطلاق، خلافًا لما قاله دريك.
زفر دريك بصعوبة، محاولًا تحمّل الألم الصاعد من يده المثقوبة، ثم تابع:
“ظننتُ أنه سيكون ذا معنى بالنسبة إلى صاحب السمو الدوق الأكبر، ولذلك بذلتُ جهدًا كبيرًا للحصول عليه……. كـ، كنتُ قلقًا من أن أكون قد حصلتُ على نسخة مزيفة بالخطأ، هاها……. لكن بالنظر إلى ردّ فعل سموّك، يبدو أنه الأصلي……؟”
وفجأة، انفجرت من جسد الدوق الأكبر نية قتل لم يستطع إخفاءها.
“كُح!”
اندفعت نية القتل المشبعة بالهالة من الدوق الأكبر، وكانت ذات لون أرجواني، واتجهت بدقة نحو عنق دريك، ثم أحكمت قبضتها عليه.
“غُرررر…….”
أصدر دريك صوتًا مختنقًا وهو يلهث، ثم بدأت عيناه تنقلبان إلى الخلف.
وبينما كان الدوق الأكبر يتأمل بهدوء مقبض السيف الذي يحمله، نادى الكونت:
“أيها الكونت.”
ألقى الكونت دوفين نظرة خاطفة على دريك الذي كان يزبد من فمه، ثم أجاب:
“تـ، تفضل.”
“هل يمكنني أخذ هذا بدلًا من إزهاق حياة مساعدك؟”
عندها أومأ الكونت، الذي كان متوترًا بشدة، وأجاب:
“بالطبع! افعل ما تراه مناسبًا، يا صاحب السمو! وما الذي يمكن أن يكون أثمن من الحياة؟! إذا تفضّلتَ بفعل ذلك، فسأجعل ما حدث اليوم عبرةً لي، وأعيش نادمًا عليه من أعماق قلبي!”
“…….”
ما إن أنهى الكونت دوفين كلامه، حتى تبددت بسرعة الهالة الأرجوانية التي كانت تطوّق عنق دريك.
“كِح!”
أطلق دريك أنفاسًا خشنة.
أحكم الدوق الأكبر قبضته على مقبض السيف الذي كان لي ذات يوم، ثم استدار.
“لنذهب.”
“……نعم، يا صاحب السمو.”
***
صعدتُ أنا والدوق الأكبر إلى العربة التي أُعدّت لنا مسبقًا.
ولم يمضِ وقت طويل حتى بدأت العربة تزيد سرعتها ببطء وهي تسير فوق الطريق المرصوف بالحجارة.
صوت حوافر الخيول التي كانت تجري في المقدمة، واهتزاز العجلات وهي تتدحرج فوق الطريق الحجري الوعر، وحتى صوت أسلاك العجلات وهي تهتز تبعًا لذلك.
كانت الأصوات من حولنا كثيرة، لكن داخل العربة كان هادئًا.
شعرتُ أن لديّ الكثير لأقوله، لكن ما إن صعدتُ إلى العربة وبقيتُ وحدي مع الدوق الأكبر، حتى عجزتُ عن فتح فمي بسهولة.
نظرتُ إلى الدوق الأكبر في صمت.
كان ينظر من النافذة، وفي يده اليسرى مقبض السيف الصدئ المكسور الذي فقد هيئته.
ظننتُ أنه ما دام قد أحضره معه، فسوف يتفحّصه على الأقل، لكنه لم ينظر إلى مقبض السيف ولو مرة واحدة منذ صعوده إلى العربة.
كانت ملامحه تحمل شعورًا معقدًا إلى درجة يستحيل معها التعبير عنه بالكلمات.
وبدا لي أن يد الدوق الأكبر، التي كانت تقبض على مقبض السيف بإحكام، مؤلمة ومثيرة للشفقة إلى حد أنني لم أستطع حتى أن أطلب منه أن يعطيني إياه.
–”أليس هذا سيف الشخص الذي طالما أردتَ قتله، يا صاحب السمو الدوق الأكبر؟!”
كان كلام دريك صحيحًا.
لقد لوّحتُ أنا والدوق الأكبر بسيوفنا آلافًا وعشرات الآلاف من المرات في ساحة المعركة، محاولين إزهاق روح كلٍّ منا.
في وقت من الأوقات، كنا نبذل قصارى جهدنا في كل لحظة من أجل قتل بعضنا بعضًا.
لكن لو سُئلتُ: هل كنا مجرد عدوَّين لبعضنا؟ فكان عليّ أن أفكر في الأمر أكثر قليلًا.
لأنني شعرتُ تجاهه بوضوح بشيء يشبه رفاق السلاح.
كان هناك بالتأكيد ذلك الشعور المتناقض؛ كنتُ أتمنى موته، وفي الوقت نفسه كنتُ أتمنى ألّا يموت.
ولو كان الدوق الأكبر قد شعر بالمشاعر نفسها التي شعرتُ بها، لكان من السهل أن أفهم سبب تشبثه بذلك المقبض المكسور البالي بتلك الطريقة المؤلمة.
‘لو كنتُ مكانه، لفعلتُ الشيء نفسه.’
لو أن الدوق الأكبر لقي حتفه على يد شخص آخر غيري، ولو أنني حصلتُ على أحد مقتنياته بعد أن مات بتلك الطريقة.
ما إن وصلتُ في تفكيري إلى تلك النقطة، حتى شعرتُ بالاختناق والألم، وكأن شيئًا يضغط على صدري بشدة.
عندها، فتح الدوق الأكبر، الذي كان يحدّق شاردًا من النافذة، فمه وقال:
“كانت هناك فارسة تحمل اسم سيا.”
“…….”
ما إن خرج اسمي القديم من فم الدوق الأكبر، حتى انتشرت قشعريرة حادة في جسدي كله.
أنزل الدوق الأكبر رأسه ونظر إلى مقبض السيف الذي كان يقبض عليه.
“كانت تلك الفارسة عدوة للإمبراطورية، لكنها…”
تسرّب من بين شفتي الدوق الأكبر زفير خافت للغاية.
“……كانت بالنسبة إليّ رفيقًا في السلاح.”
“…….”
آه.
أطلقتُ تنهيدةً دون أن أشعر.
‘لم أكن أنا وحدي من فكّر بهذه الطريقة…….’
حتى الدوق الأكبر… حتى هو كان يعتبرني رفيقًا في السلاح…….
‘حتى الدوق الأكبر كان يعتبرني…….’
أنزلتُ رأسي دون وعي. شعرتُ وكأن أحدهم يقبض على قلبي ويعصره بقوة.
لا أعرف لماذا كانت مجرد كلمة من الدوق الأكبر، يقول فيها إنه كان يعتبرني رفيقًا في السلاح، تؤلمني إلى هذا الحد.
الدوق الأكبر لا يعرف أنني سيا. لا يعرف أنني الفارسة التي ماتت.
لذلك، كانت كلماته تلك صادقة من أعماقه.
لم تكن كلمات قالها ليستميلني، ولا كلمات قالها ليخدعني.
عندها انتقلت نظرة الدوق الأكبر من مقبض السيف المكسور إلى السيف المعلّق عند خصري.
كان ذلك السيف هديةً منه.
وحين رأيتُ نظرته تنتقل إليه، أدركتُ الأمر غريزيًا.
‘لا يعقل…….’
ذلك السيف الذي كان يشبه السيف الذي استخدمته عندما كنتُ سيا في مظهره وطوله ووزنه، وحتى في الإحساس الذي كان يمنحه عندما يستقر في اليد تمامًا.
–”بما أن الشخص الذي أردتُ تقديمه إليه هذه الهدية لم يعد قادرًا على تلقيها، فلا بد أن أقول إنه سيف بلا صاحب.”
–”الشخص الذي كان سيصبح صاحب ذلك السيف قد مات بالفعل.”
السيف الذي قيل إنه بلا صاحب لأن الشخص الذي كان سيتلقاه قد مات……
“لا يعقل…….”
ما إن مددتُ يدي إلى السيف المعلّق عند خصري، حتى ابتسم الدوق الأكبر ابتسامةً مريرة.
“نعم، كان ذلك السيف مخصصًا لتلك الفارسة.”
“…….”
“كنتُ أحاول استمالتها إلى جانبي، قائلًا لها… اتركي إمبراطورية تيناسيس وتعالي إلى إمبراطورية كاديا. وكنتُ أعدها بأنني سأمنحها، بدءًا من ذلك السيف، أي شيء تريده.”
“…….”
“لكن الفارسة ماتت قبل يوم واحد من اكتمال السيف. ……أمام عينيّ.”
“…….”
الدوق الأكبر…….
أغمضتُ عينيّ بشدة، لأن ذكريات ذلك اليوم، آخر يوم في حياتي السابقة، عادت إلى ذهني.
–”سير سيا!”
-“عودي……. عودي، ……أقول لكِ!”
ثم حلّ الظلام.
ظننتُ أن كل شيء قد انتهى، لكنني عدتُ إلى الحياة.
وبسخرية القدر، في جسد خطيبة الدوق الأكبر.
هل يُعقل أن يكون الحاكم كيانًا لا يفعل سوى إلقاء المحن عليّ بلا نهاية؟
رتّبتُ الأفكار المشتتة في رأسي، ثم فتحتُ عينيّ من جديد.
فوقع بصري على الدوق الأكبر وهو يتأمل في صمت مقبض السيف الذي أصبح في حالة يرثى لها.
‘أيها الدوق الأكبر.’
أحكمتُ قبضتي حول مقبض السيف الذي أهداني إياه الدوق الأكبر.
‘هذا السيف وصل أخيرًا إلى صاحبه بأمان.’
كنتُ أريد أن أخبره بذلك في الحال.
أنني تلقيتُه جيدًا.
وأن هذه الهدية التي أعدّها الدوق الأكبر بكل صدق، بفضل أمنيته، وصلت إليّ كما ينبغي.
ابتلعتُ في داخلي كلمات الامتنان التي لم أستطع البوح بها.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.