الفصل 81
⟢ الفصلُ 81 ⟢
ارتجف طرف عينيّ قليلًا أمام سؤال الدوق الأكبر الذي لم أتوقعه.
كانت عيناه البنفسجيتان صافيتين وحادّتين، حتى ليخيّل إليّ أنهما تنفذان إلى كل شيء.
يبدو أن عدم سؤالي عن شيء، رغم ما حدث لي في برج السحر، هو ما أثار شكوكه بدلًا من ذلك.
أخفيت ارتباكي في داخلي، وثبّتُّ نظري في عينيه بثبات. بل وبشيء من الجرأة، متصنعة ملامح بريئة توحي بأنني لا أعرف شيئًا.
“ليست هذه المرة الأولى التي تحدث لي فيها أمور غريبة، أليس كذلك؟ لو كنت أفزع في كل مرة يحدث فيها شيء كهذا، فلن يبقى لي قلب سليم.”
“…….”
حدّقت في الدوق الأكبر، ثم ناديته.
“سموك.”
بادرت بالكلام قبل أن يقول الدوق الأكبر شيئًا يصعب عليه التراجع عنه بعد ذلك.
تنهد الدوق الأكبر تنهيدة خفيفة.
“……تحدثي.”
“لا أريد أن أعرف أي شيء.”
“…….”
“أريد أن أعيش من الآن فصاعدًا، كما عشت حتى الآن، بصفتي كبيرة خدم دوقية بالوت الكبرى.”
أعرف ما الذي يعنيه هذا الجسد بالنسبة إليك.
لكن إذا سمعت الآن هويتي الحقيقية من فمك، أشعر أنني لن أتمكن من التراجع بعد ذلك.
لا أملك الثقة لأعيش بصفتي ابنةً نبيلة، ولا أستطيع أن أؤدي دور خطيبتك، أيها الدوق الأكبر.
‘أنا…… كبيرة خدم.’
بعد عام واحد سأختفي فجأة، ولن تكون هناك فرصة لأن نلتقي مجددًا.
ظل الدوق الأكبر ينظر إليّ في صمت، ثم أراح ظهره على الكرسي وسأل:
“لماذا غيّرتي رأيكِ فجأة؟ كنتِ تتساءلين طوال الوقت عن هويتكِ، على حد علمي…….”
“هذا ما ينبغي أن أقوله أنا. أما أنت يا سموك، ألم تُخفِ عني الحقيقة طوال هذا الوقت؟ لا أفهم لماذا تريد البوح بها الآن.”
“…….”
“ألم تكن تريدني أن أستعيد ذاكرتي بنفسي؟ ما الفائدة من أن أعرف من أكون عن طريق شخص آخر؟”
واصلت حديثي وأنا أقبض يديّ بقوة.
“حتى لو أخبرتني بهويتي وأنا لم أستعد ذاكرتي، فلن أستطيع تقبّل الأمر بسهولة. فالماضي الذي لا أتذكره، والذي لا وجود له في ذاكرتي، ليس سوى ماضٍ يخص شخصًا آخر. ……ذلك الشخص ليس أنا.”
“…….”
انعقد حاجبا الدوق الأكبر قليلًا.
‘نعم، لا بد أن الأمر لا يروق له.’
فذكريات طفولته مع خطيبته لا بد أنها أغلى ما يملك من ذكريات.
لكن ما يهم في هذه المحادثة الآن ليس مقدار ما أتذكره من الماضي.
‘عليّ أن أريه أنني لا أملك الرغبة في العيش بصفتي خطيبته.’
ذكريات ومشاعر لا يملكها سوى الدوق الأكبر.
وأنا في حالتي هذه، لا أستطيع أن أردّ عليها بالمثل.
‘سيكون ذلك أفضل من أن يعيش محتضنًا جسدًا فارغًا لا يحبه…….’
فلو كان رجلًا بمكانة الدوق الأكبر، فسيتمكن من…… لقاء امرأة أفضل.
‘آه، باستثناء الأميرة الثالثة.’
فهي ميؤوس منها أصلًا.
ما تزال صغيرة جدًا، ومع ذلك بدأت تفكر في استخدام العقاقير لإيذاء الآخرين.
تْسْك تْسْك.
على أي حال، لكي أضع حدًا لعلاقتي بالدوق الأكبر، كان عليّ أن أكون صريحة معه قليلًا.
‘فباستثناء حقيقة أنني سيا من إمبراطورية تيناسيس، ليس لديّ في الحقيقة الكثير مما أخفيه.’
خفضت نظري، ولملمت للحظة الأفكار التي كانت تطفو في رأسي، ثم قلت بنبرة هادئة:
“أنا راضية تمامًا عن حياتي الحالية، سموك.”
“…….”
كنت صادقة.
أستيقظ عند الفجر، وأتنقل في أرجاء دوقية بالوت الكبرى الواسعة حتى وقت متأخر من الليل وكأنها منزلي، ثم أختم يومي بالتدريب، وبعدها أصعد إلى غرفة نومي بجسد أثقله التعب، وأغمره في ماء دافئ.
كنت أشعر بقيمة حقيقية في مثل هذا اليوم.
قيمة أوضح حتى من تلك التي شعرت بها حين كنت أنتزع أرواح الناس في ساحات القتال التي تفوح منها رائحة الدم، أو حين أنتزع النصر وأضعه بين يدي سيدي.
وبالطبع، لم يكن ينقصني شيء حين كنت أعيش في إمبراطورية تيناسيس.
فقد كان سيرهين يتولى توفير ما أحتاج إليه قبل أن أطلبه، وقبل ذلك لم تكن لديّ احتياجات كثيرة أصلًا.
ساحة المعركة، ومكان الإقامة، والحرب، والراحة.
لم يكن مسموحًا لي بأي شيء آخر سوى ذلك.
ولعل هذا هو السبب. حين أعود بذاكرتي إلى الماضي، أجد أنه لم يكن هناك شيء واحد يمكنني أن أصفه بأنه ملكي.
‘لعل أقصى ما أملك هو سيف واحد صنعته بيدي.’
وحتى ذلك السيف، لا أعرف ماذا حلّ به بعد موتي.
لذلك، عندما استيقظت بجسد جديد في إمبراطورية كاديا، لم أشعر قط بالأسف على الأشياء أو الأشخاص الذين تركتهم خلفي في إمبراطورية تيناسيس.
لكن الآن…….
‘إذا غادرت الدوقية، أظن أنني سأظل أتذكرها لفترة طويلة.’
سأتذكر أشخاص الدوقية الذين سيبقون في ذاكرتي كذكريات سعيدة، والهدايا الصغيرة الثمينة التي منحني إياها أولئك الأشخاص.
ولهذا السبب، أردتُ تأجيلها قدر الأمكان، لأقصى حد ممكن.
لحظة مغادرة الدوقية.
‘ولكي أتمكن من ذلك، يجب ألّا تُكشَف هويتي الآن…….’
لذلك، لا تقل شيئًا عن هويتي، أيها الدوق الأكبر.
أرجوك.
قبضت على يدي الموضوعة فوق ركبتي بقوة، ونظرت إليه مباشرة.
“أيًّا كان الشخص الذي كنتُه في الماضي، فأنا الآن، مهما قال الآخرون، كبيرة خدم دوقية بالوت. ……ولا أريد أن تتغير حياتي اليومية التي أعيشها الآن بسبب استعادة مكانتي وهويتي. لذا، أرجوك…….”
وضعت إحدى يديّ فوق قلبي، ونظرت إلى الدوق الأكبر مباشرة.
“أرجوك، لا تُفسد هدوئي يا سموك.”
“…….”
ظلّ الدوق الأكبر يصغي إلى حديثي بصمت، بملامحه اللامبالية المعتادة، حتى انتهيت من كلامي.
لكنه لم يتسرّع في الحديث، ومع ذلكد لم يمنحني إجابةً قاطعةً بأنه سيفعل ما طلبته.
ابتلعتُ ريقي. وظللتُ أبادله النظر وأنا أنتظر إجابته.
‘بعد أن قلتُ كل هذا، لن يقول فجأة، “أنتِ خطيبتي.” أليس كذلك؟’
لكن حديثي قبل قليل لا بد أنه منحه يقينًا بشأن أمر واحد.
‘أنه عرف أنني اكتشفتُ هويتي.’
إذا كان الهدف النهائي للدوق الأكبر هو أن يعيش حياةً هانئة مع خطيبته بعد أن تستعيد ذاكرتها، فإن هدفي أنا هو مغادرة هذه الدوقية والعيش بحرية.
لذلك، أيها الدوق الأكبر.
‘طريقانا مختلفان تمامًا، مهما حاولنا السير معًا.’
في تلك اللحظة.
أطلق الدوق الأكبر همهمة قصيرة، ثم أسند ذراعه إلى إطار نافذة العربة وأسند رأسه إليها.
وظلّ نظره المائل مثبتًا عليّ، وكأنه مسمّر في مكاني.
وبدأت تلك النظرة التي ظننتها قبل قليل لامبالية تتغيّر تدريجيًا.
‘أعرف أن اتخاذ قرار كهذا ليس سهلًا…….’
لكنني……
‘أيها الدوق الأكبر، إذا نطقتَ بذلك الأمر بصوت عالٍ…… فسأضطر إلى مغادرة هذا المكان فورًا…….’
خفضتُ رأسي تمامًا، وانتظرتُ إجابته بقلق.
عندها سمعتُ تنهيدة خفيفة من الجهة المقابلة.
“فريا.”
“……نعم، سموك.”
عندما أجبته بصوت خافت، تابع الدوق الأكبر حديثه.
“أنتِ محقّة.”
“……عفوًا؟”
تراجع الدوق الأكبر على نحو مطيع، خلافًا لما توقعت. ثم أبقى ذقنه مستندًا إلى يده، وأعاد نظره إلى خارج النافذة.
“قولكِ إن كل ما أخبركِ به الآن لن يُسمع في أذنيكِ إلا على أنه حكاية تخص شخصًا آخر…… فهمتُ ذلك. لذا، لا داعي لأن تقلقي في الوقت الراهن.”
“…….”
شعرتُ بالارتياح في داخلي.
رغم أن عبارة “في الوقت الراهن” أثارت بعض الانزعاج في نفسي، إلا أنه، على أي حال، لم يبدُ وكأنه ينوي الكشف عن هويتي في الحال.
وهكذا، مضت العربة التي تقلّنا نحن الاثنين، غارقين في الصمت، مسافة طويلة أخرى.
وحين كان الظلام قد حلّ في السماء تمامًا، جاء صوت من مقعد العربة في المقدمة في الوقت المناسب.
“سموك، لقد وصلنا إلى إقليم بيلاتا دوفين.”
ما إن سمعتُ صوت السائس حتى توقفتُ عن الكلام الذي كنت على وشك قوله، ونظرتُ إلى خارج النافذة.
وكما قال السائس، تغيّر المشهد الذي لم يكن يُرى فيه سوى الغابة والأشجار، وبدأت المباني تظهر شيئًا فشيئًا.
كانت العربة قد وصلت بالفعل إلى إقليم بيلاتا دوفين، الواقع بين برج السحر والمعبد.
وما إن دخلنا الإقليم حتى كان أول ما لفت نظري منظر القرية الخالي الموحش.
أرضيات حجرية متكسرة تُركت مهملة بسبب سوء العناية بها، وبرك ماء راكدة تجمعت في الحفر ثم فسدت، ومبانٍ توشك على الانهيار، وسدّ متداعٍ لم يُتمكّن من ترميمه.
حتى الشوارع كانت خالية، رغم أن هذا وقت المساء الذي يفترض أن يكون فيه الناس في أوج ازدحامهم.
‘توجد بعض المتاجر المفتوحة، لكن حالة البضائع المعروضة فيها ليست جيدة.’
فالخضراوات والفواكه التي لا تمتّ بصلة إلى وصفها بالطازجة، والبضائع التي تراكم الغبار فوقها بطبقات، بدت في حالة تجعل من الصعب حتى تقدير المدة التي ظلت مهملة فيها.
لم يكن في المشهد الممتدّ أمام عينيّ عبر النافذة أي أثر للحيوية.
‘يا له من حالٍ مزرٍ.’
تْسْك تْسْك.
نقرتُ بلساني في سري.
‘بدلًا من التفكير في قتل الناس بالسموم، كان عليه أن يهتم بإقليمه قليلًا.’
نعم، فهذا المكان كان إقليم الكونت إيغَر دوفين، الرجل الذي صنع الجرعة المثيرة التي أُعطيَت للدوق الأكبر، والسم الذي كان من المفترض أن يقتلني.
‘صحيح أن لهذا الإقليم شعورًا ينذر بالسوء، لكنني سأتمكن من التقاط أنفاسي قليلًا بعد أن أنزل من العربة.’
فبعد أن قضيتُ اليوم بأكمله محصورة داخل عربة ضيقة مع الدوق الأكبر، نحن الاثنين وحدنا، شعرتُ بأن أنفاسي تكاد تختنق.
وفي تلك اللحظة، توقفت العربة.
تفقدتُ ما يحدث خارج النافذة، ثم قلتُ للدوق الأكبر:
“سموك، عليك أن تنظر إلى الخارج. يبدو أننا محاصرون، أليس كذلك؟”
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ Snow 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.