الفصل 80
⟢ الفصلُ 80 ⟢
ما رأيته أمام عينيّ كانى خُضرةً يانعة تمتد في الخارج، وكأننا في قلب الصيف.
‘هذا مستحيل…… لم يكن الوضع هكذا قبل قليل، أليس كذلك؟’
قبل قليل، حين نزلتُ من العربة، كان منظر برج السحر وما يحيط به قاحلًا للغاية.
بل الأدق أن أقول إنه كان ميتًا.
كانت الأرض المقفرة جافةً ومتشققة، إذ لم تكن تنبت فيها حتى نبتة عشب واحدة، وحتى النباتات المتسلقة على الجدار الخارجي لبرج السحر كانت قد جفّت تمامًا، فلم يكن هناك أي أثر للحياة، وكان الجو باردًا وكئيبًا إلى حدٍّ مخيف.
وفوق ذلك، كان الفصل قد خرج لتوّه من الشتاء وبلغ بدايات الربيع. وحتى هواء الفجر كان باردًا وجافًا، إلى درجة أنني كنت أشعر فيه ببقايا قسوة الشتاء الذي لم يرحل بعد.
لم يكن فصلًا يمكن وصفه بالدفء بأي حال.
لكن المنظر الممتد أمام عينيّ الآن كان مليئًا بالحيوية والنضارة في كل مكان، وكأننا نقف في قلب الصيف.
كانت أشجار مهيبة كثيفة الأوراق تمد أغصانها نحو السماء، وامتدت فوق الأرض القاحلة سابقًا مساحات من العشب اللامع كأنه الحرير.
وتفتحت بين الأعشاب أزهار متعددة الألوان، تتمايل برفق كلما هبّت نسمة.
كان هذا المشهد أشبه بالسحر. ……بل كان، كما قال رئيس برج السحر، مشهدًا أشبه بالمعجزة.
حدّقتُ في المنظر خارج النافذة بملامح مذهولة، ثم خفضتُ نظري إلى أسفل إطار النافذة الذي كنت أستند إليه.
عندها وقعت عيناي على الجذور التي تسلقت الجدار الخارجي لبرج السحر.
حتى تلك الجذور التي ظننتُ أنها ماتت قبل لحظات كانت قد أزهرت، وظهرت عليها أزهار بنفسجية صغيرة ولطيفة.
مددتُ يدي بحذر ولمستُ أوراق الكروم وأزهارها. وما إن لامست بتلات الأزهار الرقيقة أطراف أصابعي، رغم رقتها فقد شعرتُ بالحياة تنبض فيها، حتى اقشعرّ بدني.
في تلك اللحظة، تمتم رئيس برج السحر، الذي كان يقف بجانبي وينظر معي إلى الجذور، بوجه مصدوم وشارد:
“حتى هذه أزهرت……؟”
قال إنه كان قد ظن أنها ماتت منذ زمن، ثم أخذ ينكز إحدى الزهرات بطرف إصبعه مرارًا قبل أن يطلق صيحة إعجاب:
“واو. رغم أن هذه الأرض بعيدة جدًا عن شجرة العالم، فهذا ممكن أيضًا؟”
لم أرَ شيئًا كهذا من قبل، ولم أسمع عنه حتى!
أخذ رئيس برج السحر يتحرك بحماس من شدة الإثارة.
تجنبتُ ضجته وعدتُ بنظري إلى الخارج. لكن هذه المرة التقت عيناي بعيني الدوق الأكبر، الذي كان ينظر إليّ في تلك اللحظة.
“…….”
“…….”
وعلى نحو غير متوقع، لم يبدُ الدوق الأكبر مندهشًا. بل كانت عيناه البنفسجيتان أكثر هدوءًا وسكونًا من المعتاد.
لماذا ينظر إليّ هكذا؟
‘كما توقعت…… هذه الظاهرة تحدث بسببي، أليس كذلك؟’
ترددتُ قليلًا، ثم فتحتُ فمي.
“واهاها! لـ، لعل السبب هو أن الربيع قد حلّ. وربما لأن هذا برج السحر، فمن الطبيعي أن تحدث أمور معجزة كهذه، أليس كذلك؟”
“…….”
عندها صرخ رئيس برج السحر، الذي كان ينتزع الأزهار المتفتحة على الجذور المتسلقة بجانبه ويجمعها واحدةً تلو الأخرى:
“لا! ليس الأمر كذلك!”
نظرتُ إليه بدهشة.
“النباتات لا تنمو إطلاقًا حول برج السحر!”
“لا تنمو؟”
“أجل!”
وضع رئيس برج السحر زهرة بنفسجية برفق فوق أذنه اليمنى، ثم اتجه نحو المكتب وبدأ يشرح بهدوء:
“القوة السحرية هي الطاقة اللازمة لاستخدام السحر. وسحرة برج السحر يستهلكون قدرًا هائلًا من القوة السحرية كل يوم. فمن أين تأتي كل تلك القوة؟ هل نستعيدها بالراحة والتأمل؟ لذلك أيضًا حدود.”
كانت القوة السحرية كامنة في البيئة التي تتكوّن منها الطبيعة وفي جميع الكائنات الحية.
وكان السحرة الذين يستخدمون القوة السحرية كل يوم يمتصون القوة التي تنقصهم من الطبيعة، ولهذا تحديدًا لم تكن الكائنات الحية قادرة على الوجود في المناطق المحيطة ببرج السحر، حيث يعيش عدد هائل من السحرة مجتمعين.
“لقد امتصصناها كلها. حتى إن عشبًا بريًا واحدًا بالكاد يستطيع البقاء حيًّا.”
“…….”
في البداية، حتى لو جفّ العشب ومات، كان يعاود النمو، لكن مع ازدياد عدد السحرة في برج السحر، اتسعت في النهاية المساحة التي أخذت الأرض فيها تموت شيئًا فشيئًا.
عند كلام رئيس برج السحر، أطلق الدوق الأكبر ضحكةً ساخرة.
“وما الفرق بينكم وبين أولئك السحرة السود؟”
“ماذا؟ لا يا دوق أكبر! كيف تقول شيئًا قاسيًا كهذا! نحن على الأقل لا نؤذي البشر!”
وبعد أن ظلّ رئيس برج السحر يزفر بغضب، قال مجددًا بوجه شارد، وكأن روحه قد سُلبت أمام المنظر خارج النافذة:
“هذا مذهل حقًا. أرأيتَ ذلك إيها الدوق الأكبر؟ ما زالت خضراء ونضرة. لا، بل يبدو أن شيئًا ما لا يزال ينمو باستمرار هناك؟”
واصل رئيس برج السحر حديثه وهو يطلق صيحات الإعجاب تلو الأخرى:
“لستُ أنا أيضًا من لم يحاول فعل شيء حيال الأمر. أنت تعرف ذلك أيضًا، أليس كذلك إيها الدوق الأكبر؟ إذا أردنا أن نصنع بالسحر شيئًا يمتلك قوة حياة، فلا بد على الأقل من نواة وحش متحوّر.”
قال رئيس برج السحر إنه لم يكن يحب رؤية المناطق المحيطة ببرج السحر قاحلةً وكئيبة هو الآخر.
ولهذا حاول استخدام السحر لصنع الزهور والأشجار، لكن تلك المحاولات انتهت أيضًا كحلم عابر لم يدم سوى لحظات.
“لم تكن تصمد حتى عشر ثوانٍ قبل أن تجف كلها وتموت. وماذا كان بوسعي أن أفعل؟ لا يمكنني طرد جميع السحرة من هنا. لذلك، تركت الأمر بعدها يسير كيفما اتفق.”
أي إنه ترك المكان لمصيره تمامًا.
“لكن انظر إلى هناك. حتى الآن، لا بد أن السحرة الموجودين في الطابق السفلي يستخدمون قوتهم السحرية بجنون، ومع ذلك لم يتأثر شيء. هذا غريب. تُرى، ما الفرق بينها وبين الأعشاب التي صنعتها بالسحر؟”
ثم استدار نحوي فجأة وسأل:
“يا كبيرة الخدم، كيف فعلتِ ذلك؟”
“ماذا؟ أ، أنا؟”
“أجل. السحرة لا يستطيعون فعل شيء كهذا.”
قال رئيس برج السحر: “ألم أقل لكِ ذلك قبل قليل؟”، ثم حدّق فيّ وابتسم كما يبتسم طفل عثر على لعبة مسلية.
“هذه…… قدرة شجرة العالم.”
“…….”
“…….”
***
خرجتُ من برج السحر برفقة الدوق الأكبر، ثم صعدنا إلى العربة.
–”اذهبي إلى المعبد.”
كان رئيس برج السحر قد طلب مني أن أذهب إلى المعبد.
ولم يكن هذا مختلفًا عن خطتي، فقد كنت أنوي الذهاب إلى المعبد على أي حال……
‘إذًا، تلك النبتة التي امتصتها يدي كانت ورقة من شجرة العالم.’
أجل، لا عجب أنها بدت باهظة الثمن على نحو غريب.
وعندها اتضح معنى كل الظواهر الغريبة التي حدثت فجأة.
فأنا، أو بالأحرى صاحبة هذا الجسد، واحدة من أفراد عائلة بلانكر التي حظيت بحماية شجرة العالم عبر أجيال متعاقبة.
‘لكنني لم أتوقع أن تتفاعل شجرة العالم بهذه القوة…….’
ضوء يومض!
أزهار وأشجار تنمو بسرعة!
ومروج خضراء يانعة تمتد في كل مكان!
عاد إليّ الارتباك الذي شعرت به حينها، فبدأ رأسي يؤلمني.
لكن كان هناك أمر غريب. فأنا الآن لا أملك تقريبًا أي ذكريات عن صاحبة هذا الجسد.
‘رغم أنني أراها أحيانًا في أحلامي.’
ومع ذلك، استطعت قراءة الحروف الغريبة التي كانت منقوشة على الورقة.
‘حتى لو افترضنا أن امتصاص شجرة العالم كان استجابةً من الجسد، فلا أفهم إطلاقًا كيف استطعت قراءة تلك الحروف…….’
هل كانت الذكريات الكامنة هي التي قرأت الحروف، متأثرةً بمشاعري، تمامًا كما يتأثر قلبي بالمشاعر المتبقية في هذا الجسد؟
‘آه…… الأمر معقد، معقد فعلًا.’
لماذا لا يوجد شيء يسير بسهولة هكذا؟
تَصَخْ، تَصَخْ—.
بسبب وعورة الطريق المؤدي إلى المعبد، كانت العربة تهتزّ بشدة.
تنهدتُ وألقيتُ نظرة خاطفة على الدوق الأكبر الجالس أمامي. كان يحدّق في الخارج بلا حراك، رغم اهتزاز العربة المستمر.
ظللتُ أنظر إلى جانبه بصمت، وفكرت:
‘والآن، ……ماذا سيحدث لي؟’
كلٌّ من امتصاص شجرة العالم، ونمو الأزهار والأشجار في الأرض الميتة بفضل ذلك، رآه الدوق الأكبر بنفسه.
‘لن يتظاهر بأن شيئًا لم يحدث، أليس كذلك؟’
حتى صمته الآن لا بد أنه بسبب تفكيره في كيفية التعامل معي.
أجل……
‘أيها الدوق الأكبر، في الحقيقة، أنا أيضًا…….’
لا أعرف ماذا ينبغي أن أفعل بنفسي.
‘بالأمس فقط كنت قد عزمت أمري على الصمود لعام واحد، وبعدها أستطيع مغادرة مقرّ الدوق الأكبر.’
لم أكن بحاجة إلى قدرة كهذه أصلًا……
لكن رغم أمنيتي تلك، بدا أن صاحبة هذا الجسد تكاد تتلهف على كشف هويتها الحقيقية للعالم.
‘ماذا أفعل…….’
شعرتُ بالقلق، وكأن شيئًا لم أتوقعه على الإطلاق سيوشك على الحدوث.
في تلك اللحظة، تحوّل نظر الدوق الأكبر، الذي كان محدقًا في الخارج، نحوي.
شهقتُ وأخذتُ نفسًا سريعًا.
عينان بلون البنفسج.
هل يوجد شخص آخر يليق به اللون البنفسجي بقدر ما يليق بذلك الرجل؟
كان يحمل هيبة نبيل متعالي، وهيمنةً آسرة لا يمكن مقاومتها، وكان في عينيه ما يوحي بأنه يخفي أسرارًا لا نهاية لها، أو ربما يستقر فيهما شعور عميق بالوحدة.
وبينما كنت أحدّق فيه شاردة، سألني الدوق الأكبر:
“لماذا لا تسألين؟”
سألته بحذر:
“……عن ماذا؟”
فجاء صوته الجاد متابعًا:
“عن هويتكِ. وعن سبب حدوث كل هذه الأمور لكِ. لا أظنكِ من النوع الذي يستطيع كبح فضوله عن أمر يثير تساؤله.”
“هذا…….”
“أم أن……”
قاطع الدوق الأكبر كلامي وسألني مجددًا:
“……هل لأنكِ تعرفين كل شيء بالفعل، فلا حاجة بكِ إلى السؤال؟”
“…….”
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ Snow 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.