الفصل 8
⟢ الفصلُ 8 ⟢
“إنها قدرة تحمّل أشبه بالوحوش. رغم أن مظهرها لا يوحي بذلك.”
نقر نوربرت بلسانه وهو يتحدث عن فريا.
كان الطبيب قد قال بوضوح إنها لن تستعيد وعيها قبل صباح الغد.
‘لا يمكن أن يكون طبيب الدوقية الكبرى قد كذب.’
فعلى عكس مظهرها الذي يوحي بالضعف، بدا أن داخلها قوي للغاية.
لم يكن الأمر مفهومًا على الإطلاق وفقًا للمنطق السليم.
سواء كانت تلك القدرة الجسدية غير المعقولة، أو الهالة الموجود بالفعل داخل جسدها والتي قد ظهرت.
‘من المؤكد أنها شخصية تثير الشكوك إلى أقصى حد…….’
لكن عندما بحث الأمر من جميع جوانبه، لم يجد في النهاية شيئًا مريبًا بما يكفي لدرجة تستحق قتلها.
‘لا يمكن معاملتها كوحش لمجرد أنها فقدت ذاكرتها.’
ولا يمكن قتلها لمجرد العثور عليها في شاطئ تيريدانا.
تنهد نوربرت وقال:
“سأعلّمها العمل وأراقبها بدءًا من الغد.”
“سأترك أمر تدريبها للكونت، فتولَّه بنفسك.”
“لقد خرجت بعد أن أخفتها جيدًا بالفعل، لذا إذا كانت تفكر بعقلانية، فمن المؤكد أنها ستبقى مستلقية بهدوء وتستعيد قوتها.”
وفجأة، تذكر نوربرت الحديث الذي دار بينه وبين فريا قبل قليل.
“آه. قالت إن اسمها فريا …….”
عندها، توقف كادريان عن الحركة.
كانت يده التي تواصل توقيع الأوراق قد توقفت.
كان رد فعله مختلفًا تمامًا عن اللامبالاة التي كان يستمع بها إلى التقرير حتى لحظات قليلة مضت.
رفع كادريان رأسه ونظر إلى نوربرت.
“ماذا قلت الآن……؟”
“آه، اسم تلك المرأة. قالت إنها لم تفقد جميع ذكرياتها، وإنها تتذكر اسمًا واحدًا.”
“…….”
تجمد تعبير وجه كادريان للحظة، ثم عاد إلى طبيعته.
لم تفُت نوربرت تلك اللحظة الخاطفة.
‘هل هو اسم يعرفه؟’
سأل نوربرت مجددًا:
“يا صاحب السمو، هل هو اسم تعرفه…….”
في تلك اللحظة، نهض كادريان من مكانه دفعة واحدة.
“يا صاحب السمو؟”
اتجه نظر كادريان إلى ما وراء باب المكتب.
“……الجناح الغربي.”
“ماذا؟”
مال نوربرت برأسه في حيرة.
الجناح الغربي؟ هل يقصد المبنى الملحق الغربي؟
واتجه رأس نوربرت أيضًا نحو الجناح الغربي متتبعًا نظرة كادريان.
“هل تقصد مساكن العاملين؟ لماذا هناك…….”
لكن كادريان لم يجب، بل دار حول المكتب وغادر غرفة العمل مباشرة.
“صاحب السمو؟!”
أسرع نوربرت خلفه.
* * *
الجناح الغربي من مقر الدوقية الكبرى.
كان عدد من الفرسان قد بدأوا بالفعل بالتجمع واحدًا تلو الآخر أمام الجناح الغربي.
“يا صاحب السمو.”
“يا صاحب السمو!”
تعرف جايْدن، قائد فرسان مارس، وألين، نائب القائد، على كادريان، فأسرعا نحوه برفقة عدد آخر من الفرسان.
“يا صاحب السمو، منذ قليل، في الجناح الغربي—.”
رفع كادريان يده وأوقف جايْدن عن إكمال تقريره.
“أعرف. انتظروا جميعًا هنا.”
عندها تقدم ألين.
“سأصعد وأتحقق أولًا، يا صاحب السمو.”
لكن كادريان هز رأسه.
“سأدخل وحدي.”
“لكن، يا صاحب السمو!”
“نوربرت.”
“نعم، يا صاحب السمو.”
نادى كادريان نوربرت وأصدر أمره.
“امنع أي شخص من الاقتراب من الطابق الثاني، وأخرج جميع العاملين إلى الخارج.”
“نعم، يا صاحب السمو.”
ثم دخل الجناح الغربي وحده.
* * *
“واه، لقد نجوت بأعجوبة.”
فتحتُ باب الغرفة بصعوبة، وخرجتُ إلى الممر ثم تمددتُ عليه وكأنني انهرت.
هاه… هاه…—
شعرتُ أخيرًا بأن مجرى تنفسي الذي كان مختنقًا تمامًا بدأ ينفتح قليلًا.
‘كان الأمر خطيرًا حقًا هذه المرة.’
حتى بعد أن تقيأتُ كمية كبيرة من الدم، استمر هياج الهالة لبعض الوقت.
كان كل الدم والأعضاء داخل جسدي يتجمدان ببرودة شديدة، ثم يعودان للاشتعال بحرارة شديدة، مرارًا وتكرارًا.
وبينما كنت أظن أنني سأموت حقًا إن استمر الأمر هكذا، بدأ في النهاية دخان أبيض ضبابي يتصاعد من جسدي.
استلقيتُ في الممر، وأنا أنظر إلى الدخان الذي كان لا يزال يملأ الغرفة بالكامل.
‘إذًا كل هذا خرج من جسدي.’
كان المكان يشبه حمامًا ممتلئًا بالبخار.
‘يا له من استعراض مبالغ فيه.’
مسحتُ الدم المتدفق عند طرف فمي بظهر يدي على نحو عابر، ثم عدت إلى تنظيم تنفسي.
على أي حال، لقد نجحت.
مددتُ ذراعي نحو السقف وفتحت كفي.
ووووم—.
تموجت الهالة الزرقاء بهدوء داخل كفي المفتوحة.
كنت أشعر بوضوح بالهالة وهي تدور في أنحاء جسدي.
وفوق ذلك، كانت تبحث بنفسها عن الطاقات الدخيلة وتطهرها.
‘كنت سأعتبر مجرد فتح المسارات وجعل الهالة تدور فيها نجاحًا بحد ذاته.’
لكنني لم أتوقع أن أصل مباشرة إلى مرحلة تطهير الجسد بهذه السرعة.
‘ظننت أن الأمر سيستغرق وقتًا أطول قليلًا…….’
كما توقعت…… يبدو أن صاحبك هذا الجسد لم تكن شخصًا عاديًا.
‘كنت أشعر باستمرار أن هناك شيئًا غريبًا.’
والآن تأكد الأمر بوضوح.
بدءًا من الهالة التي ظهرت في جسد غير مدرّب، وصولًا إلى استيقاظ الهالة ودورانها في الجسد وقيامها بتطهيره.
لو كان هذا جسدًا عاديًا، لما تمكن من تحمّل ذلك أبدًا.
فمهما كانت قوة إرادتي العقلية عظيمة، لا بد أن يكون هناك حد لما يستطيع الجسد تحمّله.
‘لا بد أن هناك قصة خفية وراء هذا الجسد…….’
في تلك اللحظة.
وبينما كان الهدوء يعم المكان بعد أن غادر جميع العاملين المبنى، شعرتُ بحركة قادمة من جهة الدرج المتصل بالممر.
ربما بفضل إيقاظ الهالة، استطعتُ أن أدرك طاقة شخص آخر بحساسية، رغم أن المسافة كانت لا تزال بعيدة إلى حد لا بأس به.
حركتُ رأسي فقط، ونظرتُ إلى تلك الطاقة المتمركزة عند نهاية الممر.
وفي الجهة المقابلة من الممر، حيث لا يزال دخان أبيض ضبابي يتصاعد بهدوء، وجدتُ هيئة شخص تملأ الممر بأكمله.
‘هاه؟’
فزعتُ، وأسندتُ يدي إلى الأرض محاوِلةً النهوض.
كانت أطرافي ترتجف بشدة، لذا لم يكن الوقوف سهلًا، لكن كان عليّ أن أنهض.
فسبب ذلك أن صاحب تلك الطاقة الخشنة التي كانت تقترب ببطء هو الدوق الأكبر.
شعرتُ وكأن قلبي هبط إلى قاع صدري.
وبمجرد أن شعرتُ بطاقة الدوق الأكبر التي تفوح منها نية القتل، التقطت غريزتي الخطر.
تمامًا كما حدث في تلك اللحظة التي واجهته فيها في ساحة المعركة.
‘لماذا جاء الدوق الأكبر إلى هنا……؟’
آه.
لقد أحدثتُ ضجة أكبر مما ينبغي.
ألقيتُ نظرة سريعة على الدخان المتبقي في غرفتي وفي الممر.
‘كنت أظن أنه لم يتسرب إلى الخارج…….’
لا، حتى لو تسرب، لم أتوقع أن يأتي الدوق الأكبر بنفسه راكضًا إلى هنا.
خطوة، خطوة.
في تلك الأثناء، بدأ الدوق الأكبر يتحرك.
وبالنظر إلى اتجاه نظره والمسافة التي كانت تقصر بيننا، كان من الواضح أنه يتجه نحوي.
‘في هذه المرحلة…… لا بد أنه اكتشف أنني أيقظت الهالة، أليس كذلك؟’
لم أكن أخطط لإخفائه على أي حال. لأنه ليس شيئًا يمكن إخفاؤه بمجرد محاولة إخفائه.
‘فإخفاء طاقة الهالة في حد ذاته تقنية صعبة إلى حد ما.’
وخاصة أنني لم أكن أمتلك القدرة على استخدام مثل هذه التقنية بعد أن أيقظت الهالة للتو.
كانت خطوات الدوق الأكبر تحمل هيبته كاملة.
بطيئة، لكنها قوية. هادئة، لكنها خانقة.
لم أستطع أن أحوّل نظري عنه حتى وصل إلى أمامي.
شعرتُ وكأنني فقدت حتى السيطرة على تنفسي أمام عينيه البنفسجيتين الهادئتين، بل المتغطرستين إلى حد ما.
“قلتِ إنكِ تريدين أن تعيشي.”
“…….”
شعرتُ بضغط في صوته المنخفض والبارد، وكأنه يضغط على كتفيّ برفق.
عندها فقط أدركتُ أنني كنت قد نسيت حتى كيف أتنفس.
فوااه.
“أنتَ هنا، إذًا.”
نظر الدوق الأكبر إليّ من علٍ، ثم أخذ يتفحص غرفتي ببطء وهو يقول:
“هل غيّرتِ رأيكِ وقررتِ أن تموتي بنفسك؟”
كانت كلماته أشبه بهمسة موجهة إلى نفسه، لكنني شعرتُ لسبب ما أن عليّ الإجابة، ففتحتُ فمي.
“لا.”
“بعد أن ارتكبتِ حماقة متهورة كهذه.”
“فعلتُ ذلك لأعيش.”
“…….”
“فعلتُ ذلك لأعيش. لأبقى على قيد الحياة.”
عندها عادت نظرته إليّ.
لم أعرف إن كان راضيًا عن إجابتي أم لا.
لكن من المؤكد أن طاقته التي كانت تضغط على جسدي حتى لحظات مضت أصبحت أكثر ليونة بكثير.
عقد الدوق الأكبر ذراعيه ونظر إليّ بنظرة مرتخية، وكأنه يطلب مني أن أتابع.
أخذتُ نفسًا عميقًا وتابعتُ كلامي.
“أنا التي فقدتُ ذاكرتي ولا أملك شيئًا، ألا ترى أن هذا هو الشيء الوحيد الذي أستطيع فعله الآن؟”
“…….”
“فكرتُ أن عليّ زيادة قوتي بأسرع ما يمكن، ولو إلى الحد الذي أستطيع فيه حماية نفسي. فالجميع من حولي يكادون يتمنون قتلي، لذلكفكرتُ أنه حتى لو اضطررت إلى إجبار نفسي قليلًا، فبعد أن أيقظ الهالة―.”
عندها قاطعني الدوق الأكبر وسأل:
“من؟”
“ماذا؟”
“من يحاول قتلكِ؟”
“…….”
كادت كلمة “أنت أولًا” أن تخرج من فمي، لكنني تمكنت من كبحها بصعوبة.
“العجوز، ……أقصد، السيد؟”
“…….”
ألقيتُ اللوم على العجوز نوربرت.
وبصراحة، لم يكن ذلك كذبًا تمامًا.
عند إجابتي، حرّك الدوق الأكبر عينيه وغرق في التفكير. ثم بدا وكأنه تذكر شخصًا ما، ففتح فمه مجددًا.
“إذا كنتِ تقصدين الكونت نوربرت، فلا داعي للقلق. فهو سيكون معلمكِ الذي سيعلّمكِ من الآن فصاعدًا.”
“معلمي……؟”
آه، ذكّرني كلامه بعقد التوظيف الذي كنت قد نسيته، فانقبض حاجباي تلقائيًا.
عندها أمال الدوق الأكبر رأسه قليلًا وقال:
“لكن—.”
“نعم؟”
“قلتِ إنكِ تتذكرين اسمكِ.”
آه، يبدو أن العجوز أسرع بالعودة وأبلغه بالأمر.
أجبتُ بسرعة.
“صحيح.”
“فريا.”
“……نعم. هذا صحيح.”
“فريا…….”
“……نعم؟”
ناداني باسمي من جديد بصوت منخفض وثقيل للغاية.
ولسبب ما، شعرتُ مجددًا بضيق في صدري. وهذه المرة بدا أن رأسي يؤلمني أيضًا.
‘كيف يناديه بهذه الطبيعية؟’
حتى اسمي الذي أشعر أنا نفسي بالغرابة تجاهه، عندما خرج من فم شخص آخر، شعرتُ بوخز غريب عند عنقي.
‘من يراه قد يظن أننا مقربان جدًا.’
ظل الدوق الأكبر ينظر إليّ بهدوء وقال:
“بخلاف الاسم. ماذا تتذكرين أيضًا؟”
“لا أتذكر شيئًا آخـ—.”
“لماذا؟ هل تحاولين الكذب هذه المرة أيضًا؟ امرأة تقول إنها فقدت ذاكرتها أيقظت الهالة. هل تريدين حقًا أن تقولي إن هذا مجرد صدفة؟”
ابتلعتُ ريقي بصعوبة دون أن أشعر.
“لقد أيقظتِ الهالة الآن، فلا بد أنكِ تظنين أنكِ قادرة على تنقية سائل شجرة العالم الموجود في المعبد بسهولة، ولذلك لم تعودي تخافين منه،أليس كذلك؟”
“…….”
يا له من رجل مخيف.
✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦
~ ترجمة بـوني🪻~
جروب الملفات حيث الفصول هناك اول :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.