الفصل 70
⟢ الفصلُ 70 ⟢
بعد أن تيقّنتُ من أنني خطيبة الدوق الأكبر، لم تستحوذ على ذهني سوى فكرة واحدة.
‘……في النهاية، هذا يعني أن عليّ مغادرة هذا المكان.’
كنتُ أتوقّع أن تكون صاحبة هذا الجسد شخصية مهمة بالنسبة إلى الدوق الأكبر، لكنني لم أتوقع قط أن تكون خطيبته التي لم يستطع نسيانها طوال هذه السنوات.
لكنني لم أستطع مشاركة أولئك الأشخاص مشاعرهم نفسها.
فبالنسبة إلى الدوق الأكبر والسير أَنِيت، ربما أبدو لهما كالشخص الذي يحنّان إليه من ذكرياتهما الغالية، لكن الحقيقة أن الروح التي تسكن هذا الجسد هي روحي أنا.
‘سأُصاب بالجنون…….’
كنتُ أشعر بالذنب كلما رأيت السير أَنِيت، أما الآن فقد صار عليّ أن أشعر بالحرج نفسه كلما رأيت وجه الدوق الأكبر.
‘لن يبقى لقلبي نبض.’
لا، لكن مهلاً.
بصراحة، أليس من المفترض أن يشعر الدوق الأكبر بالحرج أيضًا كلما رآني؟ فقد جعل خطيبته تعمل لديه كخادمة وكبيرة خدم!
كدتُ أشعر بالغضب من شدة الظلم، لكنني سرعان ما هدّأت نفسي وفكّرت من جديد.
‘على أي حال، يجب أن أغادر هذا المكان.’
قبل أن تأسرني طيبتهم وتعلّق قلبي وعقلي بهم، وقبل أن يزداد شعوري بالأسف لأنني لا أستطيع أن أقدّم لهم شيئًا في المقابل……
‘لكن…….’
لم أستطع تنفيذ ذلك على الفور. بل وجدتُ نفسي أتردّد.
ولو سألني أحد عن السبب، لاستطعتُ أن أذكر عشرات الأسباب التي خطرت ببالي في الحال.
كان السير أَنِيت والمساعد إيدغار لا يزالان في طور التعافي.
ولذلك، لم يكن هناك أحد سواي تقريبًا يستطيع مساعدة الدوق الأكبر والاهتمام بشؤونه من جانبه.
‘وفوق ذلك، كانت ابنة كبير الطهاة ليند ستلد الشهر المقبل.’
وعندها سيضطر ليند إلى ترك المطبخ لفترة من الوقت، وسيكون عليّ أن أشغل مكانه خلال غيابه.
كما أن ليديا، مسؤولة غرفة الغسيل، كانت في بداية حملها، ولذلك لا ينبغي لها أن ترهق نفسها.
وسمعتُ أيضًا أن الفرسة بولت في الإسطبل أوشكت على الولادة، كما أنني دُعيت إلى حفل زفاف العم تِيد، كبير الحرفيين، الذي سيُقام بعد شهرين.
ووعدتُ سيلّي بأن نذهب في نزهة معًا، واتفقنا على أن نختار موظفًا جديدًا مع باريسول، كما أنني وعدتُ البستاني باتريك بأن نزيّن الحديقة معًا ونضفي عليها جمالًا يليق بقدوم الربيع.
‘هل أستطيع أن أدير ظهري لكل تلك الوعود والثقة، ثم أختفي كالدخان؟’
لا.
‘أنا…… لا أستطيع فعل ذلك.’
أدركتُ ذلك أخيرًا.
لقد اختفى طوق الكلب الذي كان أشبه بالقيد، لكن قيدًا آخر أقوى منه بكثير، يصعب نزعه، قد نشأ بدلًا منه.
فمن دون أن تتاح لي حتى فرصة لمقاومته، كانت كل أرجاء منزل الدوق الأكبر قد تسلّلت بالفعل إلى قلبي.
لكن سؤالًا واحدًا ظلّ يحيرني.
‘لماذا يعتقد الجميع أن خطيبة الدوق الأكبر قد ماتت؟’
لقد دخلتُ هذا الجسد قبل عامين.
وبناءً على ما أخبرني به السير ألين، يمكنني استنتاج أن صاحبة هذا الجسد ماتت قبل اثني عشر عامًا.
لكنني كنتُ بخير.
‘لو أنها ماتت فعلًا، لكان هذا الجسد قد تعفّن وتحول إلى تراب منذ زمن.’
لكن هذا الجسد كان سليمًا.
بل على العكس، كان جميلًا ونضرًا، وكأنه نبتة زُرعت بعناية داخل دفيئة فاخرة.
‘هل يُعقل أنها تظاهرت بالموت وعاشت مختبئة طوال هذه السنوات؟’
وإن لم يكن ذلك، فهل ماتت حقًا، ثم أعاد الحاكم إليها الحياة، بما في ذلك هذا الجسد، من أجل أن ينقذني؟
لماذا؟ لماذا اختار هذا الجسد تحديدًا؟
إن كان سيُعيدني الى الحياة على كل حال… فما الفرق بين جسدي الذي تمزق ومُضغ إرباً في حفرة السحر الأسود، وهذا الجسد الذي مات وتحول إلى تراب منذ اثنتي عشرة سنة؟!
أليست النتيجة واحدة في كلتا الحالتين؟
“……همم.”
وضعتُ يدي على مؤخرة رأسي. فقد أجهدتُ عقلي بالتفكير في الأمر من كل جانب حتى شعرتُ بحرارة في مؤخرة رأسي.
‘آه، لم أعد أفهم شيئًا حقًا.’
يكفيني أن أفكر اليوم في حقيقة أن الدوق الأكبر كانت لديه خطيبة، وأنني عرفتُ من تكون تلك الخطيبة.
وإلا فسوف يذوب دماغي فعلًا من كثرة التفكير.
‘هاه…….’
أطلقتُ تنهيدة خرجت مني تلقائيًا، ثم توقفتُ عن المشي فجأة.
‘أوه؟’
كنتُ غارقة في أفكاري وأنا أسير، حتى وجدتُ نفسي، من دون أن أشعر، قد وصلتُ أمام مكتب الدوق الأكبر كعادتي.
“…….”
حدّقتُ في باب المكتب للحظات.
لو تركتُ الأمر لمزاجي، لاقتحمتُ الغرفة فورًا وصرختُ في وجهه:
هل أنتَ فعلًا خطيبي؟!
ثم لسألته ذلك بصراحة مباشرة.
‘لكن.’
شهيق…… زفير…… شهيق…… زفير……
أخذتُ نفسًا عميقًا وبطيئًا، ثم أخرجته ببطء، وواصلتُ التنفس بعمق.
‘حتى لو سألته، فالدوق الأكبر ليس من النوع الذي سيجيبني بكل صراحة. وفوق ذلك، إذا اعترف الدوق الأكبر فعلًا بأن الأمر صحيح، فماذا سأفعل حينها؟’
لم أستطع حتى أن أتخيّل ما سيحدث بعد ذلك.
‘كما أنه سيسألني بالتأكيد: من أين سمعتِ هذا الكلام؟ وعندها لا يمكنني أن أذكر اسم السير ألين أيضًا.’
شهيق…… زفير…… شهيق…… زفير……
واصلتُ أخذ أنفاس عميقة.
‘أنا كبيرة خدم الدوق الأكبر، وأعرف كيف أحكم الأمور بعقلانية.’
نعم، كل ما في الأمر أنني ثملة قليلًا الآن، ولذلك تجمّد عقلي ولم أعد قادرة على التحكم بمشاعري.
أنا في الأصل كبيرة خدم الدوق الأكبر، وأتمتع بقدرة باردة على الحكم وبرباطة جأش لا تتزعزع.
همف.
قبضتُ يدي بقوة ومددتُها في الهواء.
‘ماذا؟ خطيبة الدوق الأكبر؟’
هاه، فليذهب ذلك إلى الجحيم. من يريد أن يكون كذلك أصلًا؟
هذا الجسد أصبح لي الآن!
‘سأعيش كما يحلو لي!’
وبعد عدة أنفاس عميقة وتركيز ذهني أشبه بغسل الدماغ، عاد الاستقرار إلى رأسي من جديد.
‘إذًا، من الأفضل ألّا ألتقي بالدوق الأكبر الآن، أليس كذلك؟’
أحم.
ليس لأنني أشعر بالحرج أو الإحراج الشديد من مواجهة وجه الدوق الأكبر.
إطلاقًا، إطلاقًا.
وفوق ذلك، لم أدخل هذا الجسد بإرادتي أصلًا.
وطالما أنهم يلتزمون الصمت بشأن هويتي الحقيقية، فلا داعي لأن أتقدم أنا بنفسي وأكشف الأمر.
‘ما يهمني الآن هو ألّا تنكسر هذه الحياة الهادئة!’
لنعد.
‘سأعود وأخلد إلى النوم أولًا، ثم أفكر في الأمر من جديد بذهن صافٍ…….’
عندها حدث ذلك.
فُتح باب مكتب الدوق الأكبر فجأة على مصراعيه.
‘هييكك.’
فتحتُ فمي من شدة المفاجأة وسحبتُ نفسًا حادًا.
“جـ، جلالتك؟”
كان الدوق الأكبر يحدّق بي من أعلى، ثم أمال رأسه قليلًا باستغراب.
“بما أنك أتيتِ، فلماذا لا تدخلين؟ لماذا تواصلين التردّد أمام الباب؟”
آه، الأمر أنني……
أجبتُه بتلعثم وأنا أتجنب نظراته.
“ظننتُ أنك مشغول. ……كنت أنوي أن آتي لرؤيتك غدًا.”
“…….”
عندها تنحّى الدوق الأكبر قليلًا عن الباب الذي كان يقف عنده، وأفسح لي الطريق.
“لستُ مشغولًا.”
أي أنه كان يقول لي أن أدخل.
ومع ذلك، حين واصلتُ الوقوف مترددة، قال الدوق الأكبر مرة أخرى:
“ألن تدخلي؟”
“……نعم، جلالتك.”
وبعد أن ألحّ عليّ، لم أجد بدًا من الدخول إلى المكتب في النهاية. وما إن دخلتُ حتى اندفعت إلى رئتيّ رائحة الخشب المميزة التي لا أشمّها إلا في مكتب الدوق الأكبر.
وكانت رائحة جسده، التي ألفتها مع مرور الوقت، تختلط بين ثنايا تلك الرائحة الخشبية.
دق، دق، دق، دق……
ولسبب غريب، تسارع نبضي من جديد.
لقد تبدّد الهدوء الذي بالكاد استعدته قبل قليل، وبدأ قلبي يقفز في صدري من جديد.
‘اهدئي. الدوق الأكبر لا يعلم أنني اكتشفتُ حقيقة هذا الجسد.’
أخفيتُ اضطراب مشاعري قدر استطاعتي، ثم قلتُ للدوق الأكبر:
“سـ، سأعدّ الشاي.”
تبًا، لقد انعقد لساني!
“……كما تشائين.”
“نعم.”
وما إن منحني الدوق الأكبر الإذن، حتى أسرعتُ بإحضار الشاي، ومعه بعض حلوى المادلين وتارت التين لتؤكل معه.
“اجلسي. لنشربه معًا.”
“……نعم، جلالتك.”
وهكذا انتهى بي الأمر جالسةً قبالة الدوق الأكبر، نشرب الشاي معًا وكأن شيئًا لم يكن.
كيف كانت رائحة الشاي، وما لونُه، وكيف كان مذاقه؟
لم أعد أعرف أيًّا من ذلك.
ففي رأسي لم يكن هناك سوى شيء واحد:
خطيبته، خطيبته، خطيبته، خطيبته، أنا تلك الخطيبة، خطيبته، خطيبته، خطيبته، خطيبته!
لم تكن هناك سوى تلك الكلمة تتكرر بلا توقف.
عندها فتح الدوق الأكبر فمه.
“لقد غيّرتِ أوراق الشاي.”
“خطيبـ……، ماذا؟”
“……؟”
يا إلهي. من كثرة تكراري للكلمة نفسها في رأسي، خرجت مني دون أن أشعر.
“خطيـ، ماذا؟”
أعاد الدوق الأكبر كلامي. فأسرعتُ بهز رأسي، ثم تداركتُ تعابير وجهي.
“لا شيء. الشاي الذي تشربه الآن مصنوع من نبات يُسمّى فيرديو، وهو نبات يُزرع في إقليم رايتا شمال شرقي البلاد، وقد جُفّفت أوراقه. وفيرديو مفيد لقلة النوم، كما أنه ممتاز للعناية بالبشرة—.”
“…….”
ولكي أطرد من ذهنه خطئي السابق، واصلتُ بهدوء شرح خصائص أوراق الشاي تلك، التي كانت أقرب إلى الأعشاب الطبية.
أما الدوق الأكبر، فواصل كعادته الإنصات إلى حديثي بهدوء وهو يحتسي الشاي.
وبعد أن انتهيتُ من شرحي، سألني الدوق الأكبر:
“هل شربتِ الخمر؟”
“آه……. هل تفوح مني رائحة الخمر؟”
“لا، لكنك كثيرة الكلام على غير عادتك اليوم.”
“آه…….”
شعرتُ ببعض الإحراج، فخفضتُ نظري قليلًا متجنبةً عينيه.
‘صحيح. لقد شربتُ الخمر.’
حتى انهار الفرسان جميعًا من شدة السكر، كنتُ مع السير ألين و……
نعم، الآن فهمتُ سبب شعوري بأن الأمر غريب.
‘إذًا، كان كل ذلك الخفقان السريع في قلبي بسبب الخمر.’
كما أن أنفاسي كانت متسارعة قليلًا، وعيناي تبدوان جافتين بعض الشيء.
عندها وضع الدوق الأكبر فنجان الشاي على الطاولة وقال:
“حسنًا، أظن أن الوقت قد حان لأسمع سبب تجوّل كبيرة الخدم المنشغلة أمام باب مكتبي.”
آه……. لا يوجد سبب أصلًا.
أدرتُ نظري إلى الأسفل وعبستُ بشفتيّ.
بصراحة، لن تجيبني إذا سألتُك عن الأمر أصلًا، أليس كذلك أيها الدوق الأكبر؟
فلماذا تسألني إذًا؟ لا أدري، سأجيب إجابةً عابرة وأتجاوز الأمر……
‘لا يوجد شيء من هذا القبيل، جلالتك.’
“على أي حال، لن تخبرني.”
“…….”
“…….”
هاه؟
أنا، الآن…….
لقد انعكس ما فكرتُ فيه مع ما قلته فعلًا، أليس كذلك؟!
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ Snow 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.