الفصل 66
⟢ الفصلُ 66 ⟢
عند رؤيتي للسير أَنِّيت وهي تنهار، تلاشى اتزاني في لحظة.
اندفعت نحوها، وأنا أجزّ القتلة الذين كانوا يهاجمونني بلا تردّد.
كانت جثة أمام عينيّ تنشطر إلى نصفين وترتفع في الهواء قبل أن تهوي إلى الأرض، لكنني لم أشعر بأي شيء تجاهها.
فقد استحوذت عليّ فكرة واحدة لا غير: يجب أن أصل إلى السير أَنِّيت في أسرع وقت ممكن.
وفي تلك اللحظة تحديدًا، لحق بنا الدوق الأكبر وانضم إلينا.
“سموّك…… السير أَنِّيت……”
وحين عجزت عن إكمال كلامي، لوّح الدوق الأكبر بسيفه وقال:
“تماسكي يا كبيرة الخدم. سأنهي الأمر في أسرع وقت ممكن.”
“……”
وعلى عكسي، كان الدوق الأكبر هادئًا للغاية. وما إن رأيته حتى شعرت بأن الهدوء بدأ يعود إلى رأسي تدريجيًّا.
أنا والدوق الأكبر أخذنا نتعامل مع القتلة بهدوء واحدًا تلو الآخر.
وبفضل انضمام الدوق الأكبر إلي، لم يستغرق القضاء على جميع القتلة وقتًا طويلًا.
لكن المشكلة كانت أن رأس السهم الذي أصاب السير أَنِّيت كان مطليًّا بالسم.
أسرعت باستخدام الهالة لمنع السم من الانتشار في جسدها.
وفي تلك اللحظة، وصلت قوات الدعم المؤلفة من فرسان القصر الإمبراطوري.
تأكد الدوق الأكبر من صعودي أنا والسير أَنِّيت إلى العربة، ثم أصدر أمره إلى قوات الدعم:
“عدد القتلة خمسة عشر، والقتلى ثلاثة عشر. تولّوا نقل الاثنين المتبقيين، فقد أبقيناهما على قيد الحياة.”
“أمرك، يا صاحب السمو الدوق الأكبر.”
أومأ الدوق الأكبر برأسه، ثم صعد هو الآخر إلى العربة.
وعندما عدنا بالعربة إلى المعسكر، كان إيدغار فاقدًا للوعي ويتلقى العلاج.
قال رانوس، طبيب عائلة الدوق الأكبر الذي كان ينتظر في المعسكر:
“ما إن وصل حتى أبلغنا بما حدث ثم فقد وعيه.”
كانت الإصابة في خاصرته خطيرة أيضًا، لكن رباط ركبته اليسرى كان قد تمزق، ولذلك لا بد أن الطريق الذي قطعه لطلب الدعم لم يكن سهلًا على الإطلاق.
“بفضل قوة تحمّل أفراد عِرق الوحوش وسرعة تعافيهم، لن تكون إصاباته مهددة للحياة.”
بعد أن شرح حالة إيدغار، عالج رانوس أيضًا جرح السير أَنِّيت.
ساد صمت كئيب داخل معسكر عائلة الدوق الأكبر بالوت لبعض الوقت.
“هووه……”
بعد أن عالج السسر أَنِّيت وابتعد عنها، تنهد رانوس ومسح العرق عن جبينه.
“لحسن الحظ، كان من بين مضادات السموم التي أحضرتها الآنسة فريا دواء مناسب. وبفضله، تم التخلص من السم الموجود في جسدها بالكامل، لكن……”
نظر رانوس إلى السير أَنِّيت الراقدة بهدوء على السرير، ثم قال بملامح مثقلة بالهم:
“على الأرجح، لن تتمكن من حمل السيف مجددًا……”
“……”
“……”
ساد الهدوء داخل المعسكر حتى إن أنفاسنا الخافتة كادت تكون الصوت الوحيد المسموع.
‘لن تتمكن من حمل السيف مرة أخرى؟’
نظرت إلى السير أَنِّيت.
وُلدت في عائلة اشتهرت بفنون السيف، ثم تخلّت عن السيف لتعيش مع الرجل الذي أحبته، ولم تمسك به مجددًا إلا بعد وفاة زوجها.
كان حب السير أَنِّيت للسيف استثنائيًّا بلا شك. لكن…… أن تضطر إلى التخلي عن السيف مرة أخرى؟
‘لو أنني راقبت ما حولي بمزيد من الدقة……’
لم أشعر بأي أثر لوجودهم.
لم أتوقع أن يقترب كل أولئك القتلة، ولا أنهم كانوا مختبئين في مكان قريب.
لقد كنت مهمِلة……
وكان ذلك الإهمال هو ما أوصل السير أَنِّيت إلى هذه الحال.
وخزني صدري من شدة الندم وأنا أفكر في ذلك.
في تلك اللحظة، وضع أحدهم يده على كتفي.
رفعت رأسي، فرأيت الدوق الأكبر ينظر إليّ وقال:
“لقد استخدموا عمدًا أدوات سحرية لإخفاء طاقتهم. هذا ليس ذنبكِ.”
“……”
وكما قال الدوق الأكبر، كان من الصعب رصد القتلة الذين أحاطوا أجسادهم بأدوات سحرية تخفي طاقتهم بصورة تامة.
وخاصة أن الأدوات السحرية التي تخفي الطاقة كانت باهظة الثمن للغاية، رغم كفاءتها العالية، كما أنها تُجهد جسد من يرتديها، ولذلك كان عدد مستخدميها قليلًا.
ولهذا السبب تحديدًا، لم أتوقع الأمر.
ولما ظلّ التعبير على وجهي قاتمًا، تابع الدوق الأكبر كلامه:
“بل على العكس، لقد أنقذتِ حياة أمي لأنكِ استخدمتي الهالة لمنع السم من الانتشار، ولأنكِ أحضرتي ترياق السم مسبقًا تحسبًا لأي طارئ. لذلك لا داعي لأن تشعرين بالذنب.”
ورغم كلماته التي أثنى بها عليّ، لم أشعر بالسعادة.
خفضت نظري وأجبته بصوت خافت:
“……نعم، يا صاحب السمو.”
في الحقيقة، كنت قد أعددت ترياق السم تحسبًا لأي طارئ بسبب ولي العهد.
‘لكنني لم أتوقع قط أن ينتهي به الأمر إلى استخدامه لإنقاذ السير أَنِّيت.’
قبضت قبضتي بقوة.
“……أرجوك، اكشف لي من يقف وراء هذا الأمر، يا صاحب السمو.”
عندها رفع الدوق الأكبر يده عن كتفي.
ثم خرج صوته من بين أسنانه، خافتًا وباردًا على نحو لم أعهده منه من قبل:
“أأكتفي بكشفه فحسب؟ بل سأجعله يعرف أن هناك حياةً يكون فيها الموت أرحم من الاستمرار فيها.”
“……”
وبعد أن أنهى كلامه، غادر الدوق الأكبر المعسكر.
***
لم يعد الدوق الأكبر إلا بعد مرور ساعة.
“لقد غادرت أمي متجهةً إلى قصر الدوقية الكبرى.”
نادى إيدغار الذي كان مستلقيًا على السرير.
“إيدغار.”
“نعم، يا صاحب السمو.”
“كيف حالك؟”
عند سؤال الدوق الأكبر، نهض إيدغار من سريره وابتسم.
“أنا بخير تمامًا، يا صاحب السمو.”
ابتسم الدوق الأكبر ابتسامةً خفيفة أمام تبجّح إيد.
عندها سألتُ الدوق الأكبر:
“إذن، هل يمكننا الانسحاب الآن؟”
لكن الدوق الأكبر هزّ رأسه.
“لا، لم ينتهِ مهرجان الصيد بعد.”
سألته بدهشة عند سماع ذلك:
“لم ينتهِ؟ لقد ظهر وحش متحوّر. وفوق ذلك، أُصيب أشخاص! السير أَنِّيت وإيدغلر أُصيبا. ومع ذلك تقول إن مهرجان الصيد سيستمر؟”
كان الدوق الأكبر عائدًا لتوّه من معسكر أفراد العائلة الإمبراطورية.
وقال إن معسكر العائلة الإمبراطورية يضم ولي العهد، والأميرة الأولى، والأميرة الثالثة، الذين شاركوا في مهرجان الصيد ممثلين عن العائلة الإمبراطورية.
“قالوا إن من المؤسف أن يكون هناك مصابون، لكن لا يمكن إنهاء مناسبة كبرى للإمبراطورية بطريقة مشينة.”
“هل قال ولي العهد ذلك؟”
سألتُ وأنا أطبق أسناني غيظًا.
فقال الدوق الأكبر:
“كانت الأميرة الأولى والثالثة حاضرتين أيضًا. لا أعرف ما رأي الأميرة الأولى، لكن لا يسعنا إلا أن ننتقي كلماتنا بحذر أمام الأميرة الثالثة. فكل ما تراه وتسمعه سيصل إلى مسامع الإمبراطورة.”
“……”
ظاهرياً، كانت الإمبراطورة والأميرة الثالثة تنتميان حقاً إلى فصيل الإمبراطور.
لكن بالنسبة إلى عائلة الدوق الأكبر، كانتا أكثر إزعاجًا من فصيل النبلاء.
ولا سيما الإمبراطورة، التي كانت تضمر حقدًا للدوق الأكبر لأنه لم يقبل الأميرة الثالثة، وكأنها تنتقم منه بسبب ذلك، كانت تتحيّن كل فرصة للحطّ من شأنه وإذلاله.
حسنًا، بدا أن الدوق الأكبر لم يكن يكترث لذلك كثيرًا.
قال الدوق الأكبر:
“لكن عائلة الدوق الأكبر قررت إيقاف الصيد. فالنوى التي جُمعت حتى الآن ستكون كافية.”
كما تقرر أن تتوجه فرقة فرسان القصر الإمبراطوري لتقديم الدعم في مناطق الصيد التي دخل إليها أفراد العائلات المختلفة.
وذلك تحسّبًا لاحتمال ظهور وحش متحوّر آخر.
“إذن، هل علينا أن ننتظر في المعسكر حتى وصولهم؟”
“نعم.”
وأضاف أن الأمر سيستغرق وقتًا طويلًا حتى بعد عودة الذين خرجوا إلى مناطق الصيد، إذ سيتعين جمع نوى الوحوش وتحديد الفائز.
تمتم إيدغار، الذي كان مستلقيًا على السرير، وهو يفرك ذقنه:
“إذا انتظرنا عودتهم جميعًا ثم بدأنا بتحديد الفائز، فقد يتجاوز الوقت منتصف الليل.”
عندها استشاط غضبي وقلت بصوت خافت:
“أليس الفوز هو أقل ما يهم الآن؟ يمكن أن يحدث شيء في أي لحظة—.”
فقاطعني الدوق الأكبر وقال:
“هل تنوي مخالفة الأمر الإمبراطوري، يا كبيرة الخدم؟”
“يا صاحب السمو، لكن السير أَنِّيت—!”
“إنها أقوى بكثير مما تظنين. وقيل أيضًا إن حياتها ليست في خطر.”
“……”
“فكّري بعقلانية يا كبيرة. هذا ليس من طبعك الآن.”
“……”
نظر إليّ الدوق الأكبر. لم تكن في عينيه تلك النظرة الحانية، لكنني ما إن نظرت إلى عينيه البنفسجيتين حتى شعرت بأن الغضب المتأجج في داخلي قد هدأ قليلًا.
خفضتُ نظري وأجبته:
“أعتذر. لا أعرف حتى ما الذي أصابني……”
وهذا صحيح. عندما فكرت في الأمر مليًّا، شعرت أن غضبي في هذه اللحظة كان مبالغًا فيه.
‘لماذا أنا غاضب إلى هذا الحد؟’
صحيح أن الفارسة أَنِّيت كانت تعاملني بلطف.
كانت دائمًا حنونة وطيبة معي، وكأنني ابنتها.
لكن هذا كل شيء، أليس كذلك؟
لم تكن علاقتنا وثيقة إلى درجة تجعلني أشعر بكل هذا الغضب الشديد.
وفوق كل شيء، كنتُ من مواطني إمبراطورية تيناسيس.
ولذلك، كان من غير المنطقي أن أتصرف بهذه العاطفية بسبب أرملة الدوق الأكبر السابق لإمبراطورية كاديا، التي كانت عدوًّا لبلادي.
‘لا بد أن السبب هو أنني أندمج مع المشاعر التي ما زالت عالقة في هذا الجسد……’
وهذا ليس أمرًا جيدًا.
أن يتصرف وكيلٌ يفترض به أن يتخذ قراراته دائمًا برباطة جأش، ثم يفكر ويحكم متأثرًا بمشاعره…
‘وفوق كل شيء، هذا المكان خطير للغاية، ولا يختلف عن ساحة المعركة.’
فمنطقة الصيد التي تظهر فيها الوحوش المتحوّرة تقع أمامنا مباشرة، وهناك أشخاص يختبئون في مكان ما ويتربصون بي وبولي العهد ليقتلوهما.
‘عليّ أن أستعيد رباطة جأشي.’
فهذا الغضب قد يفسد الأمور بدلًا من أن يساعدني.
قررت أن أتخذ كلمات الدوق الأكبر سوطًا أؤدّب به نفسي، وأستعيد هدوئي من جديد.
أخذت نفسًا عميقًا ثم زفرت، وبعد أن رفعت نظري، التقت عيناي بعيني الدوق الأكبر الذي كان يراقبني.
واجهت نظرته مباشرة وسألته:
“لقد ذهبتَ إلى معسكر العائلة الإمبراطورية، ولا أظن أنك عدتَ منه هكذا من دون أن تحقق شيئًا، أليس كذلك؟”
لقد أُصيبت أرملة الدوق الأكبر السابق، ومع ذلك مُنعت عائلة الدوق الأكبر من الانسحاب.
وكان من الممكن أن يُفسَّر هذا على أنه تجاهل من العائلة الإمبراطورية لعائلة الدوق الأكبر، بل وقد يتسبب في إلحاق ضرر بالغ بهيبتها.
لكنني لم أظن أن الدوق الأكبر سيُنهي حديثه معهم بعدما تكبّد الخسارة وحده.
‘لا بد أن هناك شيئًا، أليس كذلك، أيها الدوق الأكبر؟’
‘هيا، أخبرني بما لديك.’
ولعل الدوق الأكبر قد شعر بالتغير الذي طرأ على نظرتي، إذ ابتسم لي ابتسامةً خفيفة.
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ Snow 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.