الفصل 64
⟢ الفصلُ 64 ⟢
كان وحشًا من الرتبة المتوسطة.
لم يكن هناك ما يدعو إلى القلق كثيرًا، إذ كان بوسعي التعامل بمفردي مع وحش أو اثنين من الرتبة المتوسطة.
لكن عدد الوحوش من الرتبة المتوسطة التي كانت تندفع نحونا الآن لم يكن واحدًا أو اثنين. بل بدا أنها تجاوزت عشرة وحوش على الأقل.
“تولي الجهة اليمنى!”
“أجل، سموّك!”
سحبتُ سيفي، وفي اللحظة التي اندفعت فيها نحو الجهة اليمنى من قطيع الوحوش، استهدفتُ أرجلها وشحنتُ نصلي بالهالة، ثم أطلقتُ قاطعًا من الهالة نحوها.
فأفضل طريقة لإيقاف وحش سريع الحركة هي حرمانه من قدرته على الحركة.
انطلق قاطع هالة أزرق على شكل هلال نحو الوحوش، وهو يحلّق على ارتفاع منخفض فوق الأرض.
فشخخ—! سقط الوحشان اللذان كانا في المقدمة بعدما فقدا أرجلهما. لكن الوحوش التي خلفهما لم تتوقف، بل قفزت فوق جثتي الوحشين اللذين أسقطهما قاطع الهالة، وواصلت اندفاعها نحونا.
عندها، دووونغ!
كان الدوق الأكبر قد وقف أمامي في لمح البصر، وغرس سيفه الكبير الضخم في الأرض.
كوااااااك—!
اهتزت الأرض وانشقت، كما لو أن زلزالًا قد ضربها، فأوقفت اندفاع الوحوش القادمة نحونا.
وتشابكت كتل التراب والصخور التي تطايرت في الهواء مع الوحوش، وتداخلت أجسادها بعضها ببعض، ثم تعالت صرخات الوحوش المتتالية:
“كواااااااااااخ!!”
لم أضيّع تلك اللحظة، بل دفعت الأرض بقدمي وقفزت عاليًا. ثم تجاوزتُ الدوق الأكبر بقفزة خفيفة، وأخذت ألوّح بسيفي بسرعة فوق الوحوش المتشابكة وفوق الأرض الترابية المتشققة.
عندها، كييييييك—!
تناثرت الوحوش فوق الطريق الترابي الأصفر إلى أشلاء وهي تطلق صرخاتها الأخيرة.
هبطتُ بخفة بجوار تلك الفوضى، وأعدتُ سيفي إلى غمده، ثم أسرعتُ في جمع نوى الوحوش.
‘هذا جيد. أظن أنني أستطيع فعلًا أن أطمح إلى المركز الأول بهذا المعدل.’
وبينما كنت أجمع النوى، جلنغ جلنغ، اقترب مني الدوق الأكبر.
“هل أُصبتِ في مكان ما؟”
وضعتُ النواة الأخيرة في الكيس، ثم نهضتُ وأجبته:
“بالطبع لا.”
“…….”
أخذ الدوق الأكبر يتفحّصني ببطء، ثم ألقى نظرة على الفوضى التي غطت الأرض.
“أحسنتِ التعامل معها بخبرة.”
منذ متى وهو يمدحني؟ تنحنحتُ قائلًا:
“هذا إطراء مبالَغ فيه—.”
“كأنكِ شخص خاض معارك في ساحات القتال حتى سئم منها.”
ارتعشتُ في داخلي، فتوقفتُ عن الكلام ونظرت إلى الدوق الأكبر بصمت.
أدخل الدوق الأكبر سيفه في غمده بوجه خالٍ من أي تعبير، ثم امتطى حصانه من جديد وقال:
“دقّتك في استهداف نقاط الضعف، وحسمك الذي لا يعرف التردد، وسرعة بديهتك في التعامل مع المواقف الطارئة.”
استمر سيل المديح، لكنني لم أستطع أن أفرح به.
‘هل لاحظ شيئًا، ولذلك يقول هذه الأمور؟’
أم أنه يحاول فقط أن يستدرجني لأرى كيف سأتصرف؟
راقبتُ تعابير الدوق الأكبر بحذر، ثم امتطيتُ حصاني ببطء.
عندها ألقى الدوق الأكبر، الذي كان يمسك بلجام حصانه، نظرة خاطفة نحوي، ثم أعاد نظره إلى الأمام.
“لا داعي للتوتر. كنت أمدحك بصدق لا أكثر.”
“…….”
تنحنحتُ وسقتُ حصاني حتى أصبح بمحاذاة حصان الدوق الأكبر.
“أنا في الأصل أجيد كل شيء منذ ولادتي.”
فضحك الدوق الأكبر ضحكة خافتة وقال:
“أجل، كان الأمر كذلك.”
“…….”
كان رد الدوق الأكبر ينطوي على معنى ما.
‘ذلك القول… لا بد أنه موجَّه إلى صاحبة هذا الجسد التي يتذكرها الدوق الأكبر.’
شعرتُ أن الأمر طبيعي، ومع ذلك كان شعوري غريبًا لسبب ما.
كأنني منزعجة قليلًا، أو كأنني أشعر بالتوتر بلا داعٍ…
بدأتُ أفرك موضع صدري بيدي بخفة، ثم سقتُ حصاني مجددًا بما يتناسب مع سرعة الدوق الأكبر.
عندها.
دووووووونغ—!
وصل إلى مسامعنا من مكان بعيد جدًا دويّ ثقيل.
التفتُّ أنا والدوق الأكبر في الوقت نفسه نحو المكان الذي انطلق منه الدوي.
ثم دووونغ مرة أخرى.
كان الصوت أشبه بانفجار قنبلة، أو بانهيار مبنى شاهق.
كان وقع الصدمة على الأرض قويًا إلى درجة أننا، رغم ابتعادنا مسافة كبيرة عن مصدرها، شعرنا بالاهتزاز حتى في المكان الذي نقف فيه.
ارتجفت الأرض والهواء في آنٍ واحد.
في اتجاه الساعة التاسعة.
‘بما أننا كنا في اتجاه الساعة الثالثة…’
آه!
التفتُّ بسرعة نحو الدوق الأكبر.
“سموّك! الاتجاه عند الساعة التاسعة هو الاتجاه الذي ذهبت فيه السير أنيت.”
“أعلم.”
كان الدوق الأكبر قد أمسك باللجام بقوة وغيّر اتجاه حصانه بالفعل. ثم حثّ حصانه على الانطلاق وصاح:
“سأترككِ خلفي إن تأخرتِ، لذا أسرعي والحقي بي!”
“أجل، سموّك!”
انطلقنا نحن الاثنان بحصانينا مسرعين، أسرع من أي وقت مضى.
***
أووغ! تْف!
تقيأ إيدغار، ثم بصق كمية من الدم على الأرض الترابية.
‘اللعنة.’
مسح إيدغار فمه على عجل بكمّ ثوبه، ثم أحكم قبضته على سيفه.
‘من أين ظهر هذا الوحش المتحوّر فجأة؟’
كان إيدغار يحدّق في الوحش المتحوّر الذي سقط أرضًا على وجهه، ثم بدأ ينهض ببطء من جديد، وصرّ على أضراسه بغضب.
عندها، كوااانغ—!
قفزت السير أنيت عاليًا، ثم هوَت بسيفها الكبير إلى الأسفل كما لو كان فأسًا، وضربت رأس الوحش المتحوّر الذي كان يحاول النهوض.
فارتطم رأس الوحش بالأرض الترابية مرة أخرى.
لو كان وحشًا عاديًا، لانفجر رأسه ومات في مكانه من تلك الضربة.
لكن الوحش المتحوّر لم يُصب حتى بخدش، واكتفى جسده بالاهتزاز قليلًا.
نقرت أنيت بلسانها، ثم قفزت من فوق رأس الوحش المتحوّر إلى الأرض.
‘كما توقعت، من دون الهالة، لا يمكن حتى إصابته.’
اقتربت أنيت من إيدغار، وهي تراقب بحذر الوحش المتحوّر الذي أخذ يتحرك.
“إيدغار! هل أنت بخير؟!”
أجابها إيدغار بصوت حاول أن يجعله مشرقًا:
“أجل، أنا بخير!”
“…….”
أدركت أنيت أن صوت إيدغار، رغم محاولته التظاهر بالهدوء، كان يرتجف ارتجافًا خافتًا للغاية.
‘يبدو أنه أُصيب إصابة بالغة.’
فقد أُصيب إيدغار، وهو من عشيرة رجال الذئاب، من هجوم واحد فقط.
وربما يكون قد تجنب إصابة قاتلة بفضل قدرته البدنية القوية وحاسته الفطرية في استشعار الخطر، لكن كان من المؤكد أنه لم يعد قادرًا على المشاركة في القتال في حالته الحالية.
وفي تلك الأثناء، أخرج الوحش المتحوّر رأسه الذي كان قد غرسه في الأرض الترابية، ثم بدأ يرفع الجزء العلوي من جسده ببطء.
“كُوواااا…….”
أصدر الوحش صوتًا مخيفًا، ثم حرّك مفاصله التي أخذت تصدر صريرًا.
راقبت أنيت منظره للحظات، ثم قالت:
“إيدغار. اذهب واطلب المساعدة.”
“…….”
نظر إيدغار إلى جانبه الأيمن، حيث كان الدم يتدفق من جرحه على دفعات.
كان عليه أن يتحلّى بالهدوء. ففي كل الأحوال، لن يكون قادرًا على تقديم أي مساعدة في القتال.
فبدلًا من الاندفاع نحو الوحش وتلقّي ضربة أخرى منه، ثم الموت فعلًا، كان عليه أن يبذل ما تبقى من قوته ويذهب لطلب الدعم.
“تحمّلي قليلًا، قليلًا فقط.”
“لا تقلق بشأني. اذهب بسرعة!”
“أجل، أيتها السير أنيت!”
وبإشارة من أنيت، اعتلى إيدغار ظهر حصانه بسرعة.
ولما رأى الوحش المتحوّر الهدف المتحرك بسرعة، خطا نحوه محاولًا اللحاق بإيدغار الفارّ على ظهر حصانه.
عندها، لوّحت أنيت بسيفها نحو كاحل الوحش الأيسر.
كآانغ! كَانغ! كانغ—!
كانت قوة الضربات أشبه بطرق عمود من الحديد الصلب، حتى إن راحتيها خَدِرتا تمامًا من شدة الصدمة.
‘اللعنة…….’
لحسن الحظ، نجحت في جذب انتباه الوحش.
رفع الوحش قبضته الضخمة بحجم صخرة عاليًا، ثم هوى بها نحو أنيت التي كانت تنهال على كاحله بضربات سيفها.
دووونغ—!
تفادت أنيت الضربة بسرعة، ثم خفضت جسدها استعدادًا للهجوم التالي.
‘سأذهب إلى الغابة.’
كانت تنوي الاختباء في الغابة الكثيفة الأشجار، وإخفاء هالتها قدر الإمكان وإطالة الوقت.
فأنيت، التي لم تكن من مستحضري الهالة، لم تستطع التفكير في أي طريقة على الإطلاق لإسقاط ذلك الوحش المتحوّر.
تعمدت أنيت مرة أخرى استفزاز الوحش ليهاجمها.
ثم دووونغ!
سقطت القبضة الضخمة مرة أخرى نحو المكان الذي كانت تقف فيه أنيت.
انتظرت أنيت تلك اللحظة، ثم اندفعت بسرعة واختبأت بين أشجار الغابة.
“كُووااااااا!”
ولما اختفى هدفه عن أنظاره، دخل الوحش المتحوّر الغاضب إلى الغابة، وهو يحطم جميع الأشجار التي تعترض طريقه منذ المدخل.
‘يا له من أحمق.’
تْسك.
أخفت أنيت وجودها، وتوغلت في أعمق مكان ممكن بين النباتات الكثيفة.
‘لا يمكنني أن أموت بسبب أمر تافه كهذا.’
ألم تكن قد جابت ساحات قتال لا حصر لها وتجاوزت مواقف كادت تودي بحياتها؟ لم يكن ذلك شيئًا حدث في يوم أو يومين.
‘لقد استيقظت فريدِيكا أيضًا، ولم يتبقَّ لي سوى أن أشهد زفاف ابني وفريدِيكا.’
لذلك، كان من المستحيل عليها أن تموت هنا، مهما كان الأمر.
هووه.
وبعد أن ابتعد الوحش عنها مسافة مناسبة، اختبأت أنيت خلف جذع شجرة واستراحت قليلًا لالتقاط أنفاسها.
‘لا بد أنها ستكون جميلة. فريدِيكا عندما ترتدي فستان الزفاف.’
كان من المؤكد أن ابتسامة عريضة سترتسم على وجه ابنها.
ولذلك، لو ماتت قبل أن ترى ذلك المشهد، فستشعر بالظلم حتى لو تحولت إلى روح هائمة بعد موتها.
‘وفوق ذلك، إذا متُّ هنا الآن…….’
فلن يبقى أحد يختار فستان الزفاف مع فريدِيكا عندما يحين وقت اختياره لاحقًا……
‘لا يمكنني أن أترك الأمر على هذا النحو.’
الاستعداد لزفاف فريدِيكا أيضًا…
عندها.
“غرررر…….”
سمعت صوت تنفّس الوحش الخافت قريبًا جدًا منها.
توقفت أنيت عن التنفس من شدة المفاجأة، ثم أدارت رأسها ببطء.
فالتقت عيناها بعينين حمراوين، شقتا رأسيًا وطالت حدقتاهما كما لدى الزواحف.
‘آه!’
كان الوحش المتحوّر قد اقترب منها دون أن تشعر، وكان قد انحنى بجزئه العلوي تمامًا، وهو يحدّق في أنيت.
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ Snow 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.