الفصل 60
⟢ الفصلُ 60 ⟢
“أترين؟ هذه تُسمّى قلادة تعزيز القدرة البدنية.”
رفعتُ القلادة لأريها.
“هل تعرفين مَن أعطاني هذه القلادة؟”
نظرتُ حولي أتفقّد المكان، وبعد أن تأكدت من عدم وجود أحد، همستُ إلى جذع شجرة.
“الدوق الأكبر هو من أعطاني إياها. الدوق الأكبر نفسه.”
هل تصدّقين هذا؟ لقد أعطاني ذلك الرجل قلادة حقيقية، وليست قيدًا!
لكنني لم أتلقَّ أي جواب على تفاخرِي.
وبالطبع، فهذا طبيعي، لأن الشخص الذي كنت أتباهى أمامه بالقلادة لم يكن سوى إحدى أشجار الحديقة.
خلال العامين الماضيين، كنت أحتاج أنا أيضًا إلى صديق واحد على الأقل أستطيع أن أفتح له قلبي وأنا أعيش في الدوقية الكبرى.
لكن في وضع لم أستطع فيه الوثوق بأحد أو التعلّق به، اخترت شجرةً لتكون صديقتي.
فهي لن تنقل كلامي إلى أحد، ولن تخونني.
ولهذا اخترتُ من بين أشجار الحديقة في قصر الدوقية الكبرى شجرةً كانت الأكبر والأكثر مهابة.
‘مهلاً. ……بما أن هناك قطة تتكلم، أليس من الممكن ألّا تكون هذه الشجرة جديرة بالثقة تمامًا هي الأخرى؟’
تفحّصتُ الشجرة أمامي من أعلاها إلى أسفلها بنظرات مشكّكة.
كانت هذه أقدم وأكبر شجرة في حديقة مقر الدوق الأكبر.
وكانت الأعلى طولًا والأضخم جذعًا، وحين يحلّ الربيع والصيف كانت تُخرج أوراقًا وارفة أكثر من أي شجرة أخرى.
لم أطلق عليها اسمًا بعينه، لكنني كنت آتي إليها بين الحين والآخر عندما يتعب جسدي أو يرهقني ذهني، وأفرغ لها تذمّراتي التي لمأستطع البوح بها لأي أحد.
اختبأتُ خلف جذع الشجرة حتى لا يراني الناس، ثم جلستُ مستندةً إليه.
كان هذا يجعلني أشعر بالراحة. وكأن صدري ينفتح وأستطيع التنفّس بحرية.
‘هكذا يجب أن تكون الحياة. فالإنسان ينبغي أن يعيش وهو يستنشق رائحة العشب والتراب أيضًا.’
منذ أن كنت خادمة وحتى أصبحت كبيرة الخدم الآن، ظلت هذه الشجرة تستمع إلى حديثي بصمت، وكانت صديقتي وملاذي الذي أستريحفيه.
كان الأمر أشبه بامتلاكي مخبأً خاصًا بي.
“……ولهذا، ظلّ يقول إن قدرتي البدنية مهمة وما إلى ذلك، ثم ألبسني الدوق الأكبر بنفسه القلادة حول عنقي، لكن الأمر بدا غريبًا نوعًا ما. شعرتُ بحرارة تصعد إلى وجهي، وبدأ قلبي يخفق بجنون، كما بدا جسدي وكأنه يزداد سخونة أيضًا.”
كنت أحكي للشجرة ما حدث عندما تلقيت القلادة آنذاك، متسائلةً، هل أُصبت بمرض ما؟
وفي تلك اللحظة، شعرتُ بوجود شخص يقترب من المبنى الرئيسي لقصر الدوقية الكبرى من خلفي.
رفعتُ جسدي بحذر وخرجتُ من خلف جذع الشجرة. عندها كلّمتني هيئة الشخص الذي اقترب.
“لقد استيقظتِ مبكرًا.”
كانت السير أنيت.
“أهلًا بقدومكِ، أيتها السير أنيت. لكن……”
رفعتُ نظري قليلًا إلى السماء الليلية التي لا تزال مظلمة، وسألتها:
“ما الذي جاء بكِ في هذا الوقت؟”
ابتسمت السير أنيت ابتسامة خافتة.
“لأنني أشعر أنكِ تتجنبينني، فكّرتُ أنني إن لم آتِ إليكِ بهذه الطريقة، فقد لا أتمكّن حتى من رؤية وجهكِ قبل مهرجان الصيد.”
“……”
أوه.
شعرتُ بالحرج دون داعٍ.
في الحقيقة، كانت كلمات السير أنيت صحيحة.
‘أشعر بعدم الارتياح كلما رأيت السير أنيت……’
لكن ذلك الشعور لم يكن نفورًا منها.
كيف أصفه؟
ربما كان أشبه بالشعور الذي ينتاب المرء حين يمرّ أمام متجر لم يسدّد صاحبه حسابه بعد.
صحيح أن حبسي في الغرفة جعل من الصعب أن ألتقي بها، لكن من الصحيح أيضًا أنني كنت أتجنبها قدر الإمكان لأنني لم أرغب فيمواجهتها.
ابتسمتُ بتكلّف وقلت:
“لقد أسأتِ الفهم، أيتها السير أنيت. كما تعلمين، فقد حبسني سموّ الدوق الأكبر في غرفتي، ولهذا—”
“ألم تكوني تتجنبينني حتى قبل ذلك؟”
“آه، ذلك—”
“لا بأس. لم أقصد لومكِ. فقد كنتُ أنا أيضًا سببًا في شعوركِ بالعبء.”
“……”
“أن أطلب من كبيرة الخدم ألّا تؤدي عملها ككبيرة للخدم… كان ذلك خطئي.”
“أيتها السير أنيت……”
“هل تعافى جسدكِ تمامًا؟”
وضعتُ يدي على صدري وأطرقتُ رأسي قليلًا.
“بفضل اهتمامكِ وقلقكِ عليّ، شُفيتُ تمامًا.”
“حسنًا، هذا مطمئن.”
ثم انخفض نظر السير أنيت إلى منطقة عنقي.
“تلك القلادة……”
آه، ما أشدّ حدة بصرها!
كانت سماء الفجر لا تزال مظلمة قليلًا، رغم أن الظلام بدأ ينحسر.
وكانت مصابيح الحديقة مضاءة، لكنها لم تكن ساطعة كضوء الشمس.
دفعتُ صدري إلى الأمام بفخر، دون أن أحاول إخفاء اعتزازي، وقلت:
“سموّه هو من أعطاني إياها.”
“كادريان؟”
“نعم. قال إنها قلادة تساعد على تعزيز قدرتي البدنية. وقال أيضًا: أيّ مهنة تحتاج إلى قوة بدنية بقدر ما تحتاجها مهنة كبيرة الخدم؟”
“……”
نظرت السير أنيت إلى القلادة دون أن تقول شيئًا.
كانت تلك النظرة مفعمة بالحنين والأسى إلى حدٍّ جعلني أشعر بخضوع ووقار رغماً عني.
‘ما الأمر……؟ هل أعطاني الدوق الأكبر شيئًا لا ينبغي له أن يعطيني إياه؟’
ولعلها شعرت بنظراتي المترقبة، إذ ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:
“لقد حصلتِ على شيء جيد. أجل، كما قال كادريان، إنها قلادة تحتاج إليها كبيرة الخدم تمامًا.”
تنفستُ الصعداء في داخلي.
ثم اتجهت السير أنيت ببطء نحو الشجرة التي كنت أستند إليها قبل قليل.
مرّرت يدها على جذعها الخشن، ثم فتحت فمها ببطء.
“لقد زُرعت هذه الشجرة في اليوم الذي وُلد فيه كادريان.”
“آه.”
أطلقتُ تنهيدة قصيرة، ثم رفعتُ رأسي ونظرت إلى الشجرة.
‘كنت أتساءل لماذا تبدو مختلفة عن الأشجار الأخرى بطريقة غريبة……’
يبدو أنها كانت شجرة أُحيطت بالكثير من المعاني والذكريات.
وعلى أطراف أغصانها، بدأت براعم صغيرة باهتة تنتفخ، وكأنها تستبق قدوم الربيع وتعلن عنه.
وحين يطرد دفء الربيع برد الشتاء تمامًا، ستنفجر تلك البراعم أخيرًا، وتخرج منها أوراق خضراء نضرة.
تابعت السير أنيت حديثها:
“كان كادريان يحب قراءة الكتب تحت ظل هذه الشجرة.”
وكان يحضر حامل الرسم إلى الكرسي بجانب حوض الزهور هناك ويرسم، كما كان يستمتع بالقيلولة في ذلك الجناح هناك.
“وعند تلك النافورة، كان كادريان يلعب مع صديقته، ثم……”
كانت تلك حكاية سقوطه في النافورة.
“آه، وهناك حفرة كبيرة بين أشجار الحديقة، أتدرين كيف تشكّلت تلك الحفرة……”
وكانت هناك أيضًا حكاية الحفرة الصغيرة بين أشجار الحديقة، وغيرها من القصص.
أخذت السير أنيت تمشي على طول الممر، مستنهضة الذكريات العالقة في كل زاوية من زوايا الحديقة.
ثم استدارت نحوي وسألتني فجأة:
“ألا يخطر ببالكِ شيء؟”
“……”
عندها فقط أدركتُ سبب إصرار السير أنيت على إخباري بما حدث في هذه الحديقة.
‘إنها تحاول مساعدتي على استعادة ذكرياتي.’
أرخيتُ عينيّ وهززتُ رأسي برفق.
“لا شيء.”
“حسنًا……”
ابتسمت السير أنيت ابتسامة مريرة وهي تُبدي أسفها.
ولسبب ما، جعلتني تلك الابتسامة المريرة أشعر بوخز في صدري.
عندها ضربت السير أنيت راحة يدها بخفة وقالت:
“آه، صحيح. نسيت أن أخبركِ بهذا.”
“ما الأمر؟”
التفت إليّ السير أنيت، وانحنت عيناها في ابتسامة أنيقة.
“لقد قررتُ أنا أيضًا المشاركة في مهرجان الصيد هذا.”
“……ماذا؟”
***
بعد أن افترقتُ عن السير أنيت، أسرعتُ إلى غرفتي وهززتُ كتلة الفراء التي كانت نائمة كالميت حتى أيقظتها.
[آه، لماذا! لماذا لماذا لماذا!]
ولأنني أيقظتُها من نومها العميق، بدت كتلة الفراء شديدة الحساسية والانزعاج.
“أنتِ، ذلك الحلم. أخبريني عنه بالتفصيل.”
[حلم؟ أيّ حلم؟]
“هياااام!”
فتحت كتلة الفراء فمها على اتساعه وتثاءبت.
“أعني ذلك الحلم الذي قلتِ فيه إن ثورًا وحشيًّا ظهر في مهرجان الصيد وهاجمني أنا وأفراد عائلة الدوق الأكبر.”
عندها أطلقت كتلة الفراء ضحكة ساخرة من أنفها.
[همف! والآن فقط صدّقتِ كلامي؟!]
“لهذا أطلب منكِ أن تشرحيه لي مجددًا وبشكل صحيح.”
بسبب قول السير أنيت إنها ستشارك في مهرجان الصيد، بدأت أظن أن حلم كتلة الفراء ربما لم يكن مجرد حلم عابر لا معنى له.
لذلك حثثتُ كتلة الفراء مجددًا، طالبةً منها أن تخبرني بتفاصيل الحلم بسرعة.
[لنفكر…… إذًا، الأمر هو كالتالي.]
بدأت كتلة الفراء تشرح بالتفصيل هيئة الثور الوحشي الذي رأته في حلمها.
“فراء خشن بلون بني محمر…… مخالب مزرقة تشبه الخطاطيف……”
قرن طويل واحد، وستة قرون صغيرة موزعة على الجانبين، وعينان حمراوان.
وحين جمعتُ وصفها السابق بوصفها الحالي، برزت في ذهني صورة واحدة.
‘حتى أنا لم أرَ ذلك إلا في صورة……’
إيغنِيد.
كان من المؤكد أن ذلك الوحش هو إيغنِيد، أحد الوحوش المتحوّرة.
فالوحوش المتحوّرة كانت تختلف في مستواها عن الوحوش العادية اختلافًا شاسعًا.
فهي تتجاوز الوحوش العادية حجمًا بأكثر من الضعف، وبالمثل كان هناك فارق كبير في قوتها ووحشيتها.
وكان بوسع إيغنِيد واحد أن يدمّر قرية صغيرة بأكملها دون عناء.
‘هذا غريب……’
سمعتُ أن احتمال ظهور وحش متحوّر كان منخفضًا، لأن منطقة الصيد التي يُقام فيها مهرجان الصيد كانت من المناطق منخفضةالخطورة.
وبما أن أفراد العائلة الإمبراطورية وكبار النبلاء يشاركون في المهرجان، فقد كانوا يقيمونه في أماكن آمنة نسبيًّا تتيح لهم الاستمتاعوالترفيه، بدلًا من الأماكن الخطرة.
ولو ظهر إيغنِيد في مكان كهذا، فقد تتعرض العائلة الإمبراطورية للخطر.
‘لو كانوا قد أجروا استطلاعًا مسبقًا عند اختيار منطقة الصيد، فلا بد أنهم كانوا سيعرفون بوجوده. وإلا……’
فإما أنهم اختاروا ذلك المكان عن عمد.
‘هناك شيء ما…… أشعر بأن أمرًا كبيرًا على وشك الحدوث، أليس كذلك؟’
سحبتُ كرسيًّا إلى جوار البرج الخشبي الخاص بكتلة الفراء وجلستُ عليه، ثم سألتُها:
“إذًا؟ على أي حال، لقد تمكّنتُ من القضاء عليه بشكل رائع، أليس كذلك؟ ولم يحدث شيء آخر؟”
[لكن كبيرة الخدم أُصيبت!]
“الآن وقد عرفنا بالأمر مسبقًا، فلن أُصاب. لذا، أخبريني عن شيء آخر. ألم يحدث شيء آخر؟”
[……]
عندها التزمت كتلة الفراء الصمت.
وبدأت تتجنب نظراتي شيئًا فشيئًا، وكأنها تشعر بالقلق من أمر ما.
“لماذا؟ ما الأمر؟ لقد حدث شيء آخر، أليس كذلك؟!”
[ذلك……]
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ بــوني 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.