الفصل 58
⟢ الفصلُ 58 ⟢
“آنسة فريا!”
أقبل السير ألين راكضًا، وشعره الناعم بلون القمح يتطاير خلفه.
“مـ، ما الذي حدث هنا؟”
كانت عينا السير ألين، اللتان لطالما امتلأتا بالودّ واللطف، تهتزان باضطراب واضح.
والسبب أن عددًا من الفرسان الذين أسقطتُهم كان ممدّدًا هنا وهناك على أرض ساحة التدريب.
“آه… أُخ… آآخ… يا إلهي، سأموت…”
أسرع السير ألين لإقامات الفرسان الممتدين على الأرض وهم يتأوهون كأنهم يحتضرون، وإرسالهم بعيداً، ثم عاد إليّ مجدداً.
“ما الذي حدث بالضبط؟ هل تجرّأ أولئك الفتية على التصرّف بفظاظة معكِ؟”
آه، ماذا أفعل بهذا السير ألين الطيب؟
يبدو أنه لم يخطر بباله ولو للحظة أنني ربما كنتُ أنا من بدأ بالفظاظة.
“لا، ليس الأمر كذلك إطلاقًا. لم يتصرّفوا بوقاحة معي.”
ففي نهاية المطاف، كنتُ أنا من طرح الفرسان أرضًا.
كنتُ قد خرجت من غرفة نومي، وتخلّصت من ملاحقة الخدم، ثم هرعت إلى ساحة التدريب قبل أي شيء آخر.
ولكي أتحرر من حبسي، كان عليّ أن أثبت أن صحتي لم يعد يشوبها أيّ خلل، وقد رأيت أن فرسان الدوق الأكبر هم أفضل من يمكنهمساعدتي في إثبات ذلك.
وافق الفرسان على المبارزة معي بكل سرور. ولعلّ فضولهم تجاه مهاراتي، وأنا كبيرة الخدم، هو ما دفعهم إلى ذلك.
كنت على وشك أن أضيف شيئًا إلى حديثي مع السير ألين، لكنني سرعان ما اضطررت إلى إطباق فمي.
فقد شعرت بهالة هائلة تقترب من خلفي.
‘لقد جاء.’
استدرت، فإذا بالدوق الأكبر قد اجتاز لتوّه مدخل ساحة التدريب، وهو يتقدّم نحوي مطلقًا هالة قاتلة توحي بأنه قد يستلّ سيفه في أيلحظة.
لم يكن يركض، لكن ساقيه كانتا طويلتين إلى حدّ جعلني أشعر وكأنه يندفع نحوي ركضًا، بما حمله ذلك من رهبة طاغية.
ابتلعتُ ريقي بصعوبة وأنا أحدّق فيه.
‘أجل، كنت أعلم أنه سيأتي.’
فأنا لم أفتعل كل هذه الفوضى إلا لكي أجعله يأتي.
رغم أنها كانت لحظة استعددتُ لها، إلا أنه بمجرد أن تلاقت عيناي مع نظرات الدوق الأكبر الصارمة، جفّ فمي تماماً.
“أهلًا بقدومك، سموّك.”
تراجع السير ألين والفرسان الذين كانوا خلفه خطوة إلى الوراء، وانحنوا جميعًا للدوق الأكبر باحترام.
“……كبيرة الخدم.”
“نعم، سموّك.”
أجبت بهدوء.
‘لا يجوز أن أخاف الآن. مهما حدث، يجب أن ينتهي حبسي هنا.’
خرج صوت الدوق الأكبر مكبوتًا من بين أسنانه.
“حسب علمي، لم أسمح لكِ بالخروج من غرفتك.”
“بفضلك كدت أموت اختناقًا من الضيق، سموّك.”
“كبيرة الخدم.”
“سموّك، ألا يمكنك أن تستمع إلى كلامي أولًا؟”
“……”
ضيّق الدوق الأكبر عينيه، وألقى نظرة على الفرسان خلفي، الذين بدوا وكأنهم تلقّوا ضربًا مبرّحًا.
ثم أومأ برأسه، وكأنه يقول لي: حاولي أن تقدّمي أي عذر كان.
أخذت نفسًا عميقًا بهدوء، ثم رفعت السيف الخشبي الذي كنت أحمله ومددته باتجاه الدوق الأكبر.
كان طرف السيف الخشبي موجّهًا إليه مباشرة.
في اللحظة نفسها، بدأ أفراد فرقة الفرسان المحتشدون يتهامسون باضطراب.
“آنـ، آنسة فريا!”
كان السير ألين أكثرهم ذهولًا، فسارع نحوي محاولًا منعي.
“آنسة فريا، مهلاً، مهلاً، أنزلي السيف الخشبي أولًا، ولنتحدث بالأمر—”
لكنني أبقيت السيف الخشبي مصوّبًا نحو الدوق الأكبر وقلت:
“أتحدّاك إلى مبارزة، يا سموّ الدوق الأكبر.”
“……”
شهق الفرسان الذين كانوا يتهامسون، ووضعوا أيديهم على أفواههم من شدّة الصدمة.
أما تعبير الدوق الأكبر فكان هادئًا. بل، في الحقيقة، كان كما هو دائمًا: جامدًا، فظًّا، ولا مباليًا.
ظلّ للحظة ينظر إلى طرف السيف الخشبي المصوّب نحوه، ثم رفع عينيه مجددًا ونظر في عينيّ.
“مبارزة، إذن.”
انساب صوته المنخفض ببطء من بين شفتيه. ومجرّد سماعي لذلك الصوت جعل مؤخرة عنقي تقشعرّ.
لكن لا يمكنني التراجع الآن. تجاهلتُ الهالة الباردة المنبعثة منه بصعوبة، ثم فتحت فمي من جديد.
“لقد أثبتُّ قبل قليل، من خلال مبارزة عادلة مع الفرسان، أن صحتي لم يعد يشوبها أيّ خلل.”
“……”
“لكن إن لم يكن ذلك كافيًا، … فلا خيار أمامي سوى أن أبارز سموّك مباشرة هذه المرة، وأثبت لك ذلك بنفسي، أليس كذلك؟”
حبست أنفاسي للحظة، ثم تابعت بصوت أكثر هدوءًا:
“إذا تمكّن سيفي الخشبي من لمس حتى طرف ثوب سموّك، فأرجو أن تعترف بأنني استعدت صحتي، وتسمح لي بالعودة إلى عملي.”
“……”
لم يجب الدوق الأكبر، لكنه لم يُبدِ رفضه أيضًا.
ومرّ صمت قصير على هذا النحو.
وفي أثناء ذلك، بدأ المزيد من الأشخاص يتوافدون إلى ساحة التدريب.
فالفرسان الذين كانوا يستريحون في مساكنهم، والخدم الذين كانوا يؤدّون أعمالهم في أماكنهم، يبدو أن الخبر قد وصل إليهم جميعًا فيتلك الأثناء.
ولعلهم اعتبروا الأمر عرضًا ممتعًا يستحق المشاهدة. مشهدًا نادرًا لن تتاح لهم فرصة رؤيته مرة أخرى، وسط حياتهم اليومية التي لا تتغيرمن يوم إلى آخر.
وفوق ذلك، كانت هذه فرصة لرؤية المهارات الحقيقية لكبيرة الخدم، التي قيل إنها أيقظت الهالة، بأعينهم.
فهم لم يكونوا يسمعون سوى أخبار عن كيفية تصدّيها للقاتل المتسلّل عند الفجر، ولم يسبق لهم أن رأوا ذلك بأعينهم.
مرّت في ذهني للحظة كلمات العجوز، الذي كان قد أوصاني بإخفاء مهاراتي.
‘لا بأس، فأنا لن أكشف كل شيء.’
وفوق كل شيء، شعرت أنني سأُجنّ إن بقيت حبيسةً أكثر من ذلك.
“هل ستستخدمين الهالة أيضًا؟”
“نعم. إذا تمكّنت من البقاء سالمة حتى بعد استخدام الهالة، فلا بد أن ذلك سيثبت أن صحتي قد تعافت تمامًا.”
“……لكن ماذا لو سقطتِ مجددًا بسبب ذلك؟”
وجّهت إليه نظرة حازمة، ثم رفعت طرف فمي في ابتسامة واثقة.
“سأبقى حبيسة غرفتي بالقدر الذي يريده سموّك.”
“……”
يبدو أن اقتراحي قد راق له. فقد ارتعشت إحدى حاجبي الدوق الأكبر قليلًا، ثم لمعت عيناه البنفسجيتان الغامضتان بحدّة لا مثيل لها.
“بالقدر الذي أريده أنا، إذن… إلى متى؟”
“حتى لو كان ذلك إلى الأبد.”
تسلّلت ابتسامة باردة إلى طرفي فم الدوق الأكبر عند سماع إجابتي.
“يعجبني هذا.”
وأنا أحدّق في تلك الابتسامة، شعرتُ على نحو غريب بخفقان في صدري.
‘آه، هذا مثير.’
مضت سنوات منذ آخر مرة تبادلتُ فيها الضربات بالسيف مع الدوق الأكبر.
صحيح أنه سيف خشبي، لكنه كان أيضًا فرصة لأختبر بنفسي إلى أيّ حدّ تطوّرت مهاراتي.
خلع الدوق الأكبر معطفه وسلمه إلى إيدغار، فرفع إيدغار السيف الخشبي الذي أحضره ووضعه في راحة يد الدوق الأكبر.
وحين لوّح الدوق الأكبر بالسيف الخشبي بخفة، هبّت ريح صغيرة بالقرب منه. وبمجرد أن أمسكه الدوق الأكبر، لم يعد من الممكن اعتبار ذلكالسيف الخشبي مجرد سيف خشبي عادي.
ابتلعتُ ريقي الجاف بصعوبة.
أنزل الدوق الأكبر سيفه، وكأنه قد أنهى استعداداته، ثم اتخذ وضعية القتال وحدّق إليّ.
وأنا أيضًا أعدتُ إحكام قبضتي على السيف الخشبي وقلتُ محذّرة:
“سأبدأ.”
“تعالي.”
وما إن أنهى الدوق الأكبر كلماته حتى تراجع أفراد فرقة الفرسان بسرعة إلى طرف ساحة التدريب.
أما الخدم الذين كانوا يتابعون المشهد من خارج ساحة التدريب، ومن نوافذ المبنى الرئيسي والجناحين، فقد حبسوا أنفاسهم هم أيضًا.
***
“مـ، ماذا—!”
خرجت أنيت إلى ساحة التدريب متأخرة، ثم وضعت يدها على جبينها.
‘لماذا فريديكا، التي يفترض بها أن تستعيد عافيتها، تفعل هذا هناك؟!’
عضّت أنيت شفتيها الجافتين وهي تنظر إلى فريا، التي كانت تتبارز بالسيف مع ابنها.
طاخ! طااانغ—!
لم يكن ذلك صوتًا يمكن أن يصدر عن اصطدام سيفين خشبيين فحسب.
فعلى الرغم من أن السيفين لم يكونا سوى سيفين خشبيين، كانت مبارزة الاثنين شرسة وحادّة إلى حدّ جعل المرء يشعر بالارتياح لأنها ليستبالسيوف الحقيقية.
وحين ضغط كادريان عليها بقوة جسده وقوته، انزلقت فريديكا إلى الخلف مسافة طويلة، وهي تجرّ قدميها على أرض ساحة التدريب.
وبطبيعة الحال، تسبّب إصرار فريديكا على عدم التراجع في حفر أخاديد عميقة في أرضية ساحة التدريب.
تفادت فريديكا هجمات كادريان الثقيلة برشاقتها المميّزة، ثم اندفعت مجددًا إلى المسافة التي يمكنها عندها أن تبلغ سيفه.
عندها اتسعت عينا أنيت.
‘……إنها تتحرك وكأنها شخص أمضى حياته كلها يقاتل في ساحات الحرب؟’
عندها فقط أدركت أنيت سبب عجز كادريان عن التخلي عن شكوكه بشأنها.
‘من عساه يصدّق أن تلك الفتاة دخلت في غيبوبة وهي في العاشرة، وظلّت نائمة طوال عشر سنوات؟’
لم يمضِ على استيقاظها سوى أكثر قليلًا من عامين.
فمن إتقانها التام لأعمال كبيرة الخدم، إلى سرعة نمو الهالة لديها، ووصولًا إلى مهاراتها في المبارزة التي تضاهي مهارات كادريان، الذييُلقّب بأقوى سيد سيف في الإمبراطورية.
‘بالطبع، كادريان لا يستخدم الهالة الآن، لكن……’
كانت أنيت قد خرجت في الأصل لإيقافهما، لكن حيرتها وقلقها ازدادا بدلًا من ذلك.
وفي تلك اللحظة، قفز سيفا الاثنين الخشبيان من الأرض في اللحظة نفسها، واصطدما في الهواء بصوت مكتوم، ثم دوّى صوت يشبهانفجار قنبلة:
بوووم—!
كانت الهالة قد انفجرت من سيف فريديكا.
ساد الذهول بين الجميع.
فالذي تراجع تحت وطأة ذلك الاصطدام لم تكن فريديكا، بل كادريان.
‘ما هذا بحقّ……؟’
هل يُعقل أن يحدث هذا حقًا؟
حتى وهي تراه بعينيها، لم تستطع تصديقه.
كانت قد سمعت أنها تتولى بنفسها القضاء على القتلة، فظنّت أنها لا بد أن تكون بارعة في استخدام السيف.
لكن أن تكون قادرة على خوض مبارزة متكافئة مع كادريان؟
لم يكن ذلك أمرًا يمكن تحقيقه لمجرد أن المرء قوي.
يقولون إن العالم أضيق مما نتصور، ولعلّ ذلك صحيح بالفعل. فها هو شخص آخر يمتلك من المهارة ما يمكّنه من مواجهة كادريان وجهًالوجه.
وفوق ذلك، من عائلة الدوق الأكبر نفسها، بل……!
‘خطيبة ابني……!’
كانت أنيت تراقب مبارزتهما في صمت، حين تمتمت دون أن تشعر بما يدور في داخلها.
“سمعتُ أن في دولة العدو أيضًا فارسة تمتلك مهارة تضاهي مهارة كادريان……”
سمع إيدغار تلك الكلمات التي قالتها لنفسها، فأجاب:
“سيا.”
التفتت أنيت إليه.
“سيا؟”
“نعم، كان سموّ الدوق الأكبر يطلق على تلك الفارسة من دولة العدو اسم السير سيا.”
“سيا……”
عندها تدخّل أحد أفراد فرقة الفرسان الواقفين بجانبها قائلًا:
“كانت فارسة أشبه بالوحش. كانت رشيقة وسريعة على نحو مذهل، رغم صغر بنيتها.”
وأضاف فارس آخر كان قد خاض المعارك معهم:
“كان مشهد صدّه سيف سموّ الدوق الأكبر العظيم بذلك النصل الرفيع لافتًا للنظر حقًا.”
أومأت أنيت برأسها.
“أجل، سمعتُ عنها من قبل. ولذلك فكرتُ أن السماء لم تتخلَّ عن إمبراطورية تيناسيس تمامًا بعد. فلا بد أن إرسال موهبة كهذه إليهم كان لهمعنى.”
أجابها إيدغار بفتور:
“لكنها ماتت الآن.”
“ماذا؟”
استدارت أنيت نحوه، وكأنها تسمع هذا الأمر للمرة الأولى.
“ألم تكوني تعرفين؟ في اليوم الذي ظهر فيه الساحر الأسود في منطقة النزاع في ريمارت. كانت السير سيا من بين الفرسان الذين سقطواضحايا لحفرة السحر الأسود.”
“……”
دَوِي! دَوِي! قواااام!
على الرغم من أن ما يجري لم يكن سوى مبارزة بالسيوف الخشبية، فقد كانت الأصوات الصاخبة التي أطلقتها المبارزة تتردد في أرجاءساحة التدريب.
“ماتت……؟”
“نعم. كانت موهبةً مؤسفة حقًا. أراد سموّ الدوق الأكبر استمالتها وإحضارها إلى إمبراطورية كاديا. ……فقد كانت من أصحاب المهاراتالذين كان حتى سموّه سيضطر إلى التراجع أمامهم بخطوة حين يتعلق الأمر بالهالة.”
“……”
“بل إنه بذل جهدًا كبيرًا وأعدّ الكثير من الأمور من أجل استمالتها……”
“……”
إذًا هكذا كان الأمر…… لقد ماتت……
حوّلت أنيت نظرها مجددًا إلى ابنها وزوجته المستقبلية، وهما يتبارزان بالسيف الخشبي.
كان المشهد دمويًّا ومخيفًا. من عساه يظن أن هذين الاثنين مخطوبان؟
بالطبع، كبيرة الخدم نفسها لا تعرف شيئًا عن خطبتهما.
لكن……
‘أم أنني أتوهّم أنهما يستمتعان بالأمر بطريقة غريبة؟’
فعلى الرغم من أنهما كانا يلوّحان بالسيفين الخشبيين بهذه الشراسة المخيفة، كانت ابتسامة غامضة لا يُعرف معناها ترتسم على شفتيكليهما.
وفي تلك اللحظة—
قواااام—!
“آه!”
“ماذا؟!”
“……”
اصطدم الاثنان مرة أخرى، وفي النهاية انكسر أحد السيفين الخشبيين واندفع عاليًا في الهواء.
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ بــوني 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.