الفصل 57
⟢ الفصلُ 57 ⟢
لقد مرّ يومان بالفعل منذ ذلك اليوم.
وما زلتُ غير قادرة على العودة إلى أداء مهام كبيرة الخدم، لأن الدوق الأكبر لم يسمح لي بذلك بعد.
‘ومهرجان الصيد على الأبواب، ولا أستطيع حتى أن أتدرّب.’
أشعر بحكة في جسدي كله من شدة الضجر، أكاد أموت منها.
وبالطبع، سبق أن حاولتُ الخروج من غرفة نومي لأنني لم أعد أحتمل الملل.
لكن في كل مرة كنت أنزل فيها الدرج، كان العاملون المسؤولون عن التنظيف يحدّقون بي وكأنهم يراقبونني.
“هل ستنزلين مجددًا، يا آنسة فريا؟! قلتُ لكِ إن عليكِ أن ترتاحي أكثر!”
“……”
ولم يكن أمامي سوى أن أعود إلى غرفة نومي بعدما يدفعونني إليها دفعًا، وتكرر الأمر مرارًا.
‘إنهم حقًا لا يسمحون لي بفعل أي شيء!’
ماذا قال لهم ذلك الدوق الأكبر بحق خالق السماء؟!
‘ألا يظنون أنني أُصبتُ بمرض قاتل أو ما شابه؟’
قرمشة، قرمشة.
وبعد أن أُعيدتُ إلى السرير، أخذتُ أقضم البسكويت الذي وصلني في الصباح مع خدمة التوصيل، وتنهدتُ.
“مع أن الجميع مشغولون أصلًا بالتحضير لمهرجان الصيد……”
عندها توقفت كتلة الفرو، التي كانت تحك خدها الأيمن بساقها الخلفية.
[مهرجان الصيد؟]
“همم؟”
[ما هذا يا كبيرة الخدم؟]
أبدت كتلة الفرو اهتمامًا بمهرجان الصيد.
“إنه مهرجان لصيد الوحوش السحرية التي تعيش عند حدود الإمبراطورية. تجتمع فيه العائلة الإمبراطورية والمعبد ومختلف عائلات النبلاء،ويُمنح التكريم للعائلة التي تصطاد أكبر عدد من الوحوش السحرية وتجمع أكبر عدد من نوى الوحوش.”
[تكريم؟! هل تقصدين شيئًا مثل اللحم المجفف؟]
ضحكتُ بخفة.
“نعم، يمكنك اعتباره شيئًا شبيهًا باللحم المجفف.”
[آها.]
أطلقت كتلة الفرو تعجبًا قصيرًا، ثم بدت وكأنها تذكرت شيئًا، وغرقت في التفكير.
وبعد أن ظلت تفكر مليًا في أمر ما للحظات، فتحت فمها بحذر شديد.
[احذري يا كبيرة الخدم.]
“……من ماذا؟”
وعندما سألتها مجددًا، عدّلت كتلة الفرو جلستها ونظرت إليّ بتركيز.
[يا كبيرة الخدم. استمعي إليّ جيدًا. لقد بدأتُ في الآونة الأخيرة أرى أحلامًا غريبة.]
“أحلامًا غريبة؟”
[نعم. أحلم بأنكِ تُصابين بأذى.]
“أُصاب بأذى؟ أنا؟”
[نعم، نعم. كان هناك مخلوق يشبه الثور، له قرن طويل واحد في منتصف جبهته، وستة قرون أصغر منه، ثلاثة على كل جانب.]
رفعت كتلة الفرو عينيها بشراسة، وبدأت تصف هيئة ذلك الكائن.
[وكانت عيناه حمراوين، كما أن أسنانه بدت مخيفة جدًا!]
باختصار، كان حلمًا عن وحش مخيف بتلك الهيئة، هجم علينا وتسبب في إصابة أفراد عائلة الدوق الأكبر.
استمعتُ إلى حديث كتلة الفرو بهدوء، ثم قلتُ بفتور:
“إذًا، كانت السير أَنيت موجودة هناك أيضًا؟”
[نعم! وكانت أم الدوق الأكبر هناك أيضًا!]
“إنه مجرد حلم سخيف.”
[ماذااا؟!]
“السير أَنيت لا تشارك في مهرجان الصيد، كما تعلمين.”
ثم أطلقتُ ضحكة ساخرة، قائلةً إن ظهور السير أَنيت في مهرجان الصيد مستحيل ما دامت لا تشارك فيه أصلًا.
أما كتلة الفرو، فغضبت لأنني لم أصدق كلامها، وأخذت تصدر أصواتًا غاضبة “كياك! كياك!”
‘كم هي لطيفة.’
استمتعتُ للحظات بمنظر كتلة الفرو، التي انتصب فراؤها بالكامل وكشفت عن أسنانها البيضاء الناصعة، ثم نزلتُ عن السرير.
وفجأة، شعرتُ بأنني مثيرة للشفقة.
‘لا، هذا لن ينفع.’
راودني شعور قوي بأن البقاء حبيسة هكذا، بل وحتى إضاعة وقتي في مجرد مشاهدة كتلة الفرو وأنا محتجزة، ليس سوى مضيعة للوقت.
‘مهرجان الصيد على الأبواب، ولا يمكنني الاستمرار هكذا.’
لقد حان الوقت لإنهاء هذه الحياة التي تشبه الاحتجاز، وإن لم تكن احتجازًا رسميًا.
بدّلتُ ملابسي وارتديتُ زي التدريب بدلًا من زي كبيرة الخدم، وأنا أستعيد في ذهني كلام الدوق الأكبر الذي قاله لي.
–”لا تعودي إلى العمل حتى تتعافي تمامًا.”
صحيح. سأُريه أنني تعافيت تمامًا.
‘وعندها سيعيدني إلى العمل بالتأكيد.’
خرجتُ من غرفة نومي وأنا أدندن لحنًا، ثم نزلتُ الدرج بخطوات واثقة.
وما إن رآني بعض العاملين أنزل مرتديةً زي التدريب حتى أسرعوا نحوي، لكنني كنت أسرع منهم في الركض.
وأمام أعينهم، جررتُ العاملين خلفي وأنا أركض، وقمتُ بدورة كاملة حول قصر الدوقية الكبرى.
ثم توجهتُ مباشرةً إلى ساحة التدريب، حيث كان الفرسان مجتمعين.
***
دخل إيدغار إلى مكتب الدوق الأكبر، ووضع فنجان الشاي أمامه بحذر.
نظرت أَنيت إلى إيدغار بطرف عينها، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:
“يبدو أنك تبذل جهدًا كبيرًا.”
فضحك إيدغار بحرج.
“لا، على الإطلاق. كنت أتولى هذه الأعمال دائمًا عندما لم تكن الآنسة فريا موجودة.”
“سمعتُ أنك كنت أسعد الناس بوجود كبيرة خدم.”
“كنت سعيدًا فحسب قبل أن أعرف أن تلك الآنسة هي نفسها تلك الشخص. فلم يكن يوم كامل يكفيني لترتيب المستندات التي كان سموّهيؤجلها.”
أومأت أَنيت برأسها عند سماع كلام إيدغار. أما كادريان، الذي كان يستمع إليهما بصمت، فقال:
“إذا كنت ستقول كلامًا لا فائدة منه، فاخرج.”
“في الواقع، عليّ أن أقوم بجولة لتفقد المخزن أيضًا… وهذا من الأعمال التي كانت الآنسة فريا تتولاها—”
“اخرج.”
“نعم.”
انحنى إيدغار تحيةً، ثم غادر المكتب على عجل.
كانت أَنيت تضحك بخفوت وهي تراقب ظهر إيدغار المثقل بالإرهاق، ثم وضعت فنجان الشاي ببطء.
واختفت الابتسامة تمامًا عن شفتيها، وقالت:
“ما رأيك أن نجعل فريدِيكا تلتقي برئيس برج السحر؟”
“……”
ظل كادريان صامتًا عند كلام أَنيت. وكانت عيناه البنفسجيتان، اللتان يستحيل معرفة ما يدور في ذهن صاحبهما، تحدّقان في الشايالمتماوج داخل الفنجان.
فتحت أَنيت فمها من جديد.
“إذا كان للأمر صلة بالسحر الأسود، فقد يكون رئيس برج السحر أنفع لنا من كبير الكهنة.”
“……”
رئيس برج السحر، فانتيس أورتيان.
كان رجلًا موهوبًا يُشاد به بوصفه أحد أعظم سحرة هذا العصر، حتى إنه لم يكن من المبالغة اعتباره من السحرة الذين بلغوا مرتبة السحرالأعظم.
لكن بسبب شغفه المَرَضي بالعلم، وهو أمر ملازم للسحرة على نحو خاص، كان اسمه يتردد بين الناس أيضًا بمعنى سلبي.
وكانت أَنيت واحدة ممن يكرهون ذلك الجانب الماكر والمظلم من شخصية رئيس برج السحر.
ومع ذلك، لم يكن بوسعها أن تضع مشاعرها الشخصية فوق مصلحة فريا.
وبينما كانت أَنيت تراقب تعابير وجه كادريان بصمت، استطاعت أن تلاحظ آثار الحيرة التي ارتسمت على وجهه.
“كنت أظن أنك ستقول إنك لا تريد ذلك… لكن يبدو أنك لم تستبعد هذا الأمر تمامًا، أليس كذلك؟”
“……نعم، أمي.”
أومأ كادريان برأسه، فسألته أَنيت بملامح يملؤها الاستغراب:
“فما الذي يجعلك مترددًا إذًا؟”
أجاب كادريان بحذر:
“سيد برج السحر رجل خبيث، مستعد لارتكاب أي شيء في سبيل إرضاء فضوله. وإن حدث وعلم بوجود روح أخرى تسكن ذلك الجسد، فلاأحد يدري ما قد يفعل..”
وبما أنه قد تقرر في النهاية أن تشارك فريا في المناسبة الرسمية، فلا بد أن يظهر شخص يتعرف إليها.
فحتى كبير الكهنة تمكن من معرفتها بمجرد أن رآها للمرة الأولى، ولذلك كان من المرجح أن يتمكن الإمبراطور أو رئيس برج السحر أيضًا منالتعرف إليها بعد أن كبرت.
ومع ذلك، كان هناك اتفاق قائم بين العائلة الإمبراطورية والمعبد وبرج السحر ودوقية بالوت الكبرى.
وهو أن يلتزم الجميع الصمت بشأن وريثة عائلة بلانكر إلى أن يصبح من المؤكد أن عائلة بلانكر أصبحت في أمان.
ومع ذلك، لم يستطع كادريان التخلص من شعوره بالقلق.
فلم يكن سيد برج السحر رجلاً خبيثاً كباقي البشر.
لقد كان ذلك الرجل قد استغل دوقية بالوت الكبرى نفسها لانتزاع نواة وحش متحوّل، فقط من أجل صنع مكان تستطيع فيه فريا النوم.
“تسك…”
نقر كادريان بلسانه، فسألته أَنيت:
“أما زلت تظن أن هناك روحًا أخرى داخل جسد تلك الفتاة؟”
اتجه نظر كادريان نحو أَنيت.
“……أنا أتحدث عن احتمال قائم، ولو كان ضئيلًا.”
“لا. لا أريد أن أسمع عن ذلك الاحتمال. أريد أن أعرف ما الذي تظنه أنت.”
“……”
استنشق كادريان نفسًا قصيرًا عند كلام أَنيت، ثم فتح فمه.
“أنا……”
ابتلعت أَنيت ريقها الجاف خفيةً.
وبعد أن تريث كادريان قليلًا، أكمل كلامه:
“أعتقد أن الروح التي بداخلها هي روحها هي، بلا شك.”
كان صوت كادريان ونظراته حازمين. وكان في كلامه عزم واضح على ألّا يتخلى عن هذا الإيمان، مهما حدث.
كان كادريان يستعيد أحيانًا، دون وعي، صوتها وملامح وجهها ونظراتها حين كانت تناديه.
سواء عندما كانت تناديه بالدوق الأكبر، أو بسموّه، أو حتى باسمه، كادريان.
كانت فريا حاضرة في كل تلك اللحظات.
وبالطبع، لم تكن الأمور المشبوهة معدومة تمامًا.
بل على العكس، كانت كثيرة، كثيرة إلى حد مبالغ فيه.
فمنذ فقدانها ذاكرتها، إلى معرفتها بأشياء كثيرة بشكل لا يتناسب مع شخص فقد ذاكرته، ناهيك عن إيقاظها للهالة فجأة، وتمكنها مناستخدام السيف بمهارة…
ولم يكن ذلك كل شيء؛ فقد كانت هناك أمور كثيرة أخرى تثير الشك.
ومع ذلك، لم يستطع كادريان في النهاية أن يطرد فريا أو يتخلى عنها، بل أبقاها إلى جواره.
كان السبب بسيطًا، لكنه في الوقت ذاته كان حاسمًا.
فطريقتها في الكلام وتصرفاتها كانتا مطابقتين تمامًا لفريا التي عرفها في طفولته.
وكان كادريان نفسه أكثر من يعرف هذه الحقيقة من أي شخص آخر.
ولهذا السبب تحديدًا، ازداد ارتباكه، ولعله حاول التحقق من حقيقة الأمر بسبب ذلك.
لكن الآن، لم يعد الأمر مهمًا بالنسبة إليه.
‘لا يهم إن كان ادعاؤها فقدان ذاكرتها كذبًا، ولا يهم حتى إن كانت قد فقدت ذاكرتها حقًا……’
إذا كانت قد فقدت ذاكرتها فعلًا، فما عليه إلا أن يساعدها على استعادتها.
وإذا كان ادعاؤها فقدان الذاكرة كذبًا، فلا بد أن لديها سببًا يجعلها تخفي الحقيقة.
وكان كادريان ينوي الانتظار بهدوء.
ولعل تصميم كادريان قد ظهر جليًا في عينيه، لأن أَنيت ابتسمت برضا.
“حسنًا، هذا يكفي. سنتحدث مجددًا بشأن رئيس برج السحر بعد انتهاء مهرجان الصيد.”
“نعم، أمي.”
في تلك اللحظة.
جاء صوت إيدغار من خارج باب المكتب، وكان مليئًا بالعجلة والهلع:
“سـ، سموّك! الآنسة فـ، فريا… إنها تـ، تـ، تفقد السيطرة على الهالة!”
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ بــوني 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.