الفصل 56
⟢ الفصلُ 56 ⟢
كنت أنا من أود أن أطرح عليه السؤال.
‘لماذا يتحدث الدوق الأكبر عن اسم سيرهين الآن؟’
أخفيت ارتباكي، ونظرت إلى الدوق الأكبر ثم قلت:
“سموّك، أليس هذا اسم ولي عهد إمبراطورية تيناسيس؟”
ثم تابعت حديثي بملامح بريئة، وكأنني لم أفهم سؤاله.
“أليس من الطبيعي أن يعرف هذا الاسم كل من ينتمي إلى دوقية بالوت؟”
قهقهتُ قائلة “هاهاها.”
لكن الدوق الأكبر قطع ضحكتي ببرود وقال:
“لا أظن أنه اسم تنادين به بحنان وأنت غارقة في النوم.”
“ماذا؟”
نظرت إليه بعينين متفاجئتين وقلت:
“هل قلتُ ذلك الاسم وأنا أهذي أثناء نومي؟”
حقًا؟!
هل تكلمت وأنا نائمة؟ والأسوأ من ذلك، أنني نطقت باسم سيرهين تحديدًا؟
‘تبًّا……’
حتى وأنا نائمة، أوقع نفسي في المتاعب!
ظلّ الدوق الأكبر ينظر إليّ من دون أن يقول شيئًا. وكانت عيناه البنفسجيتان تحملان نظرة حادة ومريبة.
لكن مهما حدّق بي بهذه الطريقة المشككة، فلن يفيد ذلك.
‘هل يظن أنني سأعترف هنا؟’
لقد أخفيت هويتي طوال هذا الوقت بكل ما أوتيت من حذر.
همف.
قررت أن أتحلى بوقاحة أكبر.
“لا بد أنني حلمت. لا أتذكر شيئًا، لكن ربما كنت قد قطعت رأس ولي عهد الدولة المعادية في الحلم، من يدري.”
“……”
“أعلم أن دوقية بالوت ظلت في صراع طويل مع ولي عهد تيناسيس بسبب منطقة النزاع في ريمارت.”
“……”
“لذلك، وبوصفي كبيرة خدم الدوقية، كيف لي ألا أشعر بالغضب؟ أظن أن تلك المشاعر ظهرت في حلمي بهذه الصورة.”
وبينما كنت أتحدث بلا مبالاة وأنا أهز كتفيّ، أطلق الدوق الأكبر ضحكة قصيرة.
كانت سخرية واضحة.
“أحم.”
أدرت رأسي بعيدًا متظاهرة باللامبالاة، متجنبة نظرته الحادة.
لقد قلت إنني حلمت، وإنني قطعت رأس ولي عهد الدولة المعادية في الحلم.
‘وماذا يستطيع أن يفعل؟’
وبادلته السخرية في داخلي أيضًا.
لكن، على أي حال……
‘لماذا يظهر سيرهين في ذكريات طفولة صاحبة هذا الجسد؟’
هل هناك علاقة تجمع بين صاحبة هذا الجسد والدوق الأكبر وسيرهين……؟
عجزت تمامًا عن العثور على أي صلة تربط بين الثلاثة.
‘لا بد أن هناك شيئًا ما……’
وبينما كنت غارقة في التفكير بملامح جادة، اقترب الدوق الأكبر مني دون أن أشعر، ووضع كفّه على جبيني.
“هاه؟”
ماذا……؟ ماذا؟
رفعت رأسي ونظرت إليه بعينين واسعتين. ظلّ وجهه خاليًا من التعبير كعادته، لكن حرارة كفّه كانت دافئة.
وفجأة تبددت كل الأفكار المضطربة التي كانت تعصف برأسي قبل لحظات.
قال الدوق الأكبر:
“لحسن الحظ، يبدو أنه لا توجد لديك حمى.”
“……”
وفي تلك اللحظة، رفع الدوق الأكبر يده عن جبيني. ثم ظلّ يتفحّص عينيّ بهدوء.
“كبيرة الخدم.”
كانت نظرته إليّ وصوته حين يناديني يحملان شيئًا عميقًا وغامضًا جعل من الصعب عليّ مواجهته. فتجنبت نظره وأدرت رأسي جانبًا، ثمأجبته بأدب:
“……نعم، سموّك.”
“إذا واصلتِ الإغماء بهذه الكثرة، فسأمنعك من المشاركة في مهرجان الصيد.”
“ماذاا؟!”
رفعت رأسي مجددًا، ونظرت إلى الدوق الأكبر بعينين متفاجئتين.
فأطلق الدوق الأكبر تنهيدة وقال:
“أعني أن عليكِ الاهتمام بصحتك. لم يتبقَ الكثير على مهرجان الصيد.”
“آه…… سأفعل ذلك، سموّك.”
“وكلي أكثر.”
أملتُ رأسي باستغراب.
“……أكثر من هذا؟”
ألا آكل كمية كافية بالفعل؟
أومأ الدوق الأكبر برأسه.
“نعم. لا تترددي، وكلي قدر ما تشائين. لن أخصم شيئًا من راتبك.”
قدر ما أشاء. ولن يخصم من راتبي.
عند سماع ذلك، فتحت عينيّ على اتساعهما وأجبته بجدية:
“نعم، سموّك. سأردّ على هذا الكرم الذي يضاهي السماء بالولاء.”
“……”
نظر إليّ الدوق الأكبر بملامح بدت عليها الحيرة قليلًا، ثم انفجر بضحكة خافتة.
‘أوه…… لقد ضحك.’
لم تكن سخرية أو تهكمًا من النوع الذي اعتدت رؤيته منه، بل كانت ضحكة صادقة خالصة.
‘هذه أول مرة أراه يضحك بهذه الطريقة.’
نهض الدوق الأكبر من الكرسي واتجه نحو النافذة. وأنا بدوري ظللت أراقب ظهره بصمت.
في الحقيقة، لم يسبق لي أن شعرت بالحاجة إلى الحذر بشأن الطعام في الدوقية.
‘فأفراد دوقية بالوت كانوا لطفاء معي للغاية منذ البداية.’
لم يكونوا من النوع الذي يضغط عليّ أو يراقب كمية طعامي؛ بل كانوا على العكس، يخرجون المزيد من الطعام ويحثونني على الأكل.
ومع ذلك، لم أستطع منع نفسي من الشعور براحة واطمئنان أكبر حين قال لي أن آكل أكثر.
‘أيها الدوق الأكبر الماكر. لقد استغليت نقطة ضعفي تجاه الطعام إلى هذا الحد.’
إنه ذكي ودقيق في حساباته فعلًا.
سحبت نظري عن ظهر الدوق الأكبر وفكرت.
لقد حان الوقت لأعترف بالأمر.
‘جميع أفراد هذه الدوقية أناس طيبون.’
وبالطبع، كان الدوق الأكبر والسير أَنيت مشمولين في ذلك أيضًا.
خلال العامين الماضيين، ورغم أنني كنت غريبة عن هذا المكان، لم أشعر قط بالغربة أو الوحدة إلى الحد الذي يجعلني أشعر بأنني دخيلة.
‘حتى السير أَنيت، الذي لم يمضِ على لقائي به سوى بضعة أيام……’
بدأ قلبي يؤلمني.
كان هذا بالتأكيد شعورًا بالذنب.
ذلك الشعور الذي راودني تجاه السير أَنيت حين أبدت لي لطفها، وذلك الشعور الذي راودني تجاه أفراد دوقية بالوت الذين أحسنوا معاملتي.
ومع مرور الأيام، أخذ ذلك الشعور الذي حاولت جاهدًا تجاهله يمزق صدري ويؤلمني أكثر فأكثر.
‘كما توقعت…… هذا المكان ليس مكاني……’
نزلتُ بهدوء من السرير، ثم ألقيت نظرة جانبية على سرير الدوق الأكبر الذي أفسدته بسببي، وقلت:
“أعتذر، سموّك، لقد سببت لك المتاعب من دون قصد.”
عندها استدار الدوق الأكبر نحوي وقال:
“لا تعودي إلى العمل حتى تتعافي تمامًا.”
“……ماذا؟”
وحين أعدتُ السؤال بدهشة، قال بصوت أكثر حزمًا:
“يُمنع عليك استخدام الهالة لإقامة حاجز حول قصر الدوقية الكبرى، كما يُمنع عليك دخول ساحة التدريب الخاصة.”
“ماذا؟! لا، سموّك، لماذا فجأة—”
“هذا أمر.”
“……”
هاه…
حين نظرت إليه بوجه يملؤه الذهول، أدار جسده مباشرةً، وكأنه لم يعد لديه ما يقوله.
***
خرجتُ من غرفة نوم الدوق الأكبر ونزلت إلى الطابق الأول، فقد أردتُ إعادة ترتيب سريره الذي تركتُه في حالة من الفوضى.
‘بما أنه أمرني ألّا أؤدي أعمال كبيرة الخدم، فلا خيار أمامي سوى أن أطلب من العاملين في غرفة الغسيل بالطابق الأول مساعدتي…’
وبمجرد وصولي إلى الطابق الأول، صادفتني رئيسة الخادمات، باريسول، التي كانت تمر من هناك، وما إن رأتني حتى أسرعت نحوي.
“آنسة فريا!”
“آه، باريسول. هذا جيد، كنت أريد أن أسألك بشأن غرفة نوم الدوق الأكبر—”
“آنسة فريا!”
“كح!”
وفجأة! احتضنتني باريسول بقوة وهي تكاد تبكي.
“سمعتُ أنك أُغمي عليكِ؟! كنت أعرف أن هذا سيحدث! ألم أقل لكِ أن تأخذي الأمور بهدوء ولا تجهدي نفسكِ؟!”
“بـ، باريسول.”
أبعدتني باريسول عنها قليلًا، ثم راحت تتفقد وجهي وجسدي من أعلى إلى أسفل.
“هل أُصبتِ في مكان ما؟ هل ما زال رأسكِ يؤلمكِ؟ أم تشعرين باضطراب في معدتكِ؟”
“لا، أنا بخير حقًا الآن.”
“يا إلهي… انظري إلى وجهكِ، لقد شحب كثيرًا.”
“آه، لا، هذا—”
“مع أنكِ تأكلين ثلاثة أو أربعة أضعاف ما يأكله معظم الفرسان، لم يزد وزنكِ قط. يبدو أن السبب أنكِ كنتِ ترهقين نفسكِ إلى هذا الحد.”
“……”
“لكن لماذا نزلتِ إلى هنا؟ عودي إلى الأعلى وارتاحي. لقد أمر سموّه ألّا نولي أي عمل لفريا لبعض الوقت.”
“……”
أصدر الأمر بالفعل ووصل إلى الجميع؟
‘يبدو أن هذا الأمر قد حُسم بالفعل بينما كنتُ مستلقية.’
وبينما كنتُ أتردد ولا أعرف ماذا أقول، خرجت ليديا، المسؤولة عن غرفة الغسيل، وكأنها سمعت الضجة في الطابق الأول.
“آنسة فريا!”
“آه، ليديا. آسفة، لكن بخصوص ملاءات سرير الدوق الأكبر و—”
“هئـــ!”
“……آخ!”
أسرعت ليديا نحوي بالسرعة نفسها التي أسرعت بها باريسول، ثم احتضنتني بقوة.
ما بال هؤلاء الناس جميعًا؟!
“ليديا؟”
“من الآن فصاعدًا، سأتولى بنفسي نقل ملاءات السرير وأغطية الفراش! لا تلمسيها حتى! أنتِ دائمًا تبادرين إلى إنجاز أعمالنا قبل أننقوم بها، ولهذا انتهى بكِ الأمر إلى هذه الحال!”
“……ليديا، الأمر ليس كذلك—”
ثم ظهر فجأة كبير الطهاة، ليند، وأعطاني سلة نزهات مليئة بالوجبات الخفيفة، وهو يمسح طرف أنفه وقد اغرورقت عيناه بالدموع.
“لا شك أنكِ أُغمي عليكِ لأنكِ لم تأكلي ما يكفي. أعددتُ لكِ بعضًا من الأشياء التي تحبينها عادةً. كلي منها واستعيدي قوتكِ.”
“……”
ولم يتوقف الأمر عند ذلك.
فقد قطف البستاني باتريك من حديقة المعبد بعض الزهور التي يُقال إن لها تأثيرًا علاجيًا، ووضعها في أصيص وقدّمها لي، بينما أخبرنيإيرت، المسؤول عن المكتبة، أنه أحضر مسبقًا إلى غرفتي بعض الكتب التي يمكنني قراءتها أثناء الراحة.
أخبرتُ الجميع مرارًا أنني بخير تمامًا، لكنهم لم يصدقوني إطلاقًا.
كان الجميع يتصرفون وكأنهم كانوا ينتظرون هذه الفرصة منذ زمن، ولم يكن همّهم سوى دفعي إلى غرفة نومي وإجبارِي على الراحة.
“اصعدي بسرعة وارتاحي.”
“نعم.”
“اغتسلي فورًا ثم اصعدي إلى السرير، مفهوم؟”
“نعم……”
“يا كبيرة الخدم! هذه أعشاب مجففة يُقال إنها تساعد على النوم. ضعيها بجانب رأسكِ وستنامين بسهولة.”
“شكرًا لكِ، سيلي.”
“سأرسل إليكِ شايًا دافئًا، لذا اصعدي أولًا يا فريا.”
“رييل، لا داعي لكل هذا…”
“أوه! هيا!”
“……نعم.”
وبعد أن حملتُ معي الطعام والأغراض المختلفة التي أعطاني إياها الجميع، تمكنتُ بصعوبة من العودة إلى غرفة نومي في الطابق الرابع.
لكن هذه المرة، طارت كتلة من الفرو نحو رأسي وتعلقت به.
[كبيرة الخدم! لقد رأيتكِ وأنتِ تسقطين! هل أنتِ بخير؟! هل يُعقل أن تتجولي هكذا بهذه السرعة بعد أن أُغمي عليكِ؟!]
“نعم، أنا بخير.”
وضعتُ السلة والهدايا والأغراض المختلفة التي تلقيتها فوق المكتب، ثم توجهتُ إلى السرير. وبعدها ارتميتُ عليه وكأنني سأسقط من شدةالتعب.
[كبيرة الخدم!]
نادَتني كتلة الفرو بقلق بعدما فزعت لرؤيتي. فأجبتها ووجهي مدفون في الغطاء:
“أنا بخير. سأرتاح هكذا قليلًا فحسب.”
عندها فقط، خيّم الهدوء من حولي.
تلك الأصوات القلقة التي كانت تجبرني على الراحة، وتلك الأيدي الحذرة والحنونة التي كانت تعبّر عن اهتمامها بي…
اختفى كل شيء.
لقد كان ذلك هو الصمت الذي تمنّيته طوال الوقت.
ومع ذلك، ولسبب ما، بدأت عيناي وطرف أنفي يؤلمانني من شدة التأثر.
لم أتمنَّ شيئًا كهذا قط…
كل هذا الدفء، وهذا الحنان، وهذه العاطفة الرقيقة…
كانت أشياء تفوق استحقاقي بكثير، أنا التي لا أستطيع حتى أن أكشف عن أي شيء يخصني بكل صراحة.
‘ليتني حقًا…’
لو كنتُ أنا صاحبة هذا الجسد، كم كان ذلك سيكون رائعًا……
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ بــوني 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.