الفصل 55
⟢ الفصلُ 55 ⟢
حين فتحتُ عيني، وجدت نفسي في مكان غريب.
وبينما كنت ألتفت حولي متسائلة أين أنا، لمحت انعكاس صورتي على زجاج النافذة.
كان شعرها الأشقر البلاتيني المرتب بعناية ينسدل حتى أسفل خصرها ويتمايل بخفة، بينما كانت عيناها الزرقاوان، اللتان تشعّان ذكاءً،تلمعان على نحو لافت.
لعلها لم تتجاوز العاشرة من عمرها.
كانت الفتاة الصغيرة الرقيقة مألوفة لي بشكل كبير، لأنها كانت تلك الطفلة التي أراها دائمًا في أحلامي.
‘يبدو أنه حلم.’
كان هذا أول حلم أراه منذ وقت طويل.
فمنذ أن بدأت أتناول الدواء الذي أحضره لي الدوق الأكبر، لم أحلم طوال فترة من الزمن، لكنني اليوم كنت أحلم لسبب ما.
‘لكن……’
كان هناك شيء غريب.
ففي العادة، كنت أشاهد الأحداث من الخارج، كما لو أنني أتفرج على مسرحية تُعرض فوق خشبة، أما اليوم فقد فتحت عيني داخل جسدهذه الفتاة.
لم أكن أستطيع تحريك جسدها أو التحدث بإرادتي، لكنني كنت أستطيع رؤية العالم وسماع ما يدور فيه من خلال عينيها.
نظرت الفتاة إلى انعكاسها في النافذة، ثم دارت حول نفسها دورة كاملة.
انتشرت فستانها المزدان بالكثير من الكشاكش والشرائط برقة، ثم استقر منسدلًا بهدوء.
ابتسمت الفتاة برضا وهي تنظر إلى هيئتها في المرآة.
“إنه مثالي.”
وأخيرًا، سوّت أطراف فستانها بمهارة، ثم بدأت تمشي بخفة عبر الممر الرخامي، متأملة المشاهد الجميلة المحيطة بها.
كانت ثريّا تتدلى من السقف المرتفع، تتراقص فيها عشرات القطع الكريستالية، وعلى جانبي الممر الأبيض الناصع، كانت مصابيح زجاجيةشفافة بإطارات ذهبية تضيء الطريق.
وعلى الجدار الأيمن للممر، امتدت نوافذ فخمة شاهقة حتى السقف، ومن خلفها ظهرت حديقة رائعة، مشذبة بعناية.
‘هذا المكان……’
كان القصر الإمبراطوري لإمبراطورية كاديا.
لم يكن المشهد مختلفًا كثيرًا عما رأيته عندما رافقت الدوق الأكبر إلى القصر الإمبراطوري.
واصلت الفتاة سيرها بخطوات خفيفة.
‘هل هي في طريقها للقاء فتى بعدما تأنقت بهذا الشكل؟’
لكن لماذا القصر الإمبراطوري؟
لم يستمر هذا التساؤل طويلًا قبل أن أجد إجابته.
‘إنها في طريقها إلى قاعة المأدبة.’
وما إن دخلت الفتاة قاعة المأدبة حتى اندفع الناس نحوها، وكأنهم كانوا في انتظار وصولها.
ولأن هذا كان حلمًا، ربما، فقد غطى وجوه أولئك الأشخاص شيء يشبه الدخان الأسود، فلم أستطع معرفة هوياتهم.
حتى بعد دخولها قاعة المأدبة، ظلت الفتاة تتلفت حولها. بدا أنها تبحث عن شخص ما.
وفي أثناء ذلك، بدأ شبان من أبناء النبلاء، بدءًا من أصغرهم وصولًا إلى أرباب العائلات، يقتربون منها.
لكن الفتاة لم تتعامل مع أيٍّ ممن تحدثوا إليها، واكتفت بأداء الحد الأدنى من المجاملة.
وبدا تصرفها متعاليًا، إلا أن المحيطين بها كانوا يتقبلونه وكأنه أمر طبيعي، لسبب ما.
‘إذًا فهي تنتمي إلى عائلة ليست عادية.’
وبينما كنت أحاول استنتاج عائلة هذه الفتاة، اقترب أشخاص آخرون منها.
“آنسة بلانكر، لقد بدأت عائلتنا مؤخرًا مشروعًا في مجال المناجم، وكنت أود أن……”
“لو تكرمتِ بالاستماع قليلًا إلى حديثنا عن التجارة أيضًا……”
هاه!
سخرت في صمت.
‘ما الذي يتحدثون عنه مع طفلة أصلًا؟’
الأعمال؟ التجارة؟!
وكما كان متوقعًا، أجابت الفتاة بفتور ثم غادرت المكان.
عندها اقترب منها شاب نبيل آخر وتحدث إليها.
“تشرفت بلقائك، آنسة بلانكر. هل تسمحين لي بأن أرقص معك في الرقصة القادمة؟”
“آنسة بلانكر، سمعت أنهم زرعوا أزهارًا جديدة في حديقة القصر المنعزل. ما رأيك أن نذهب لمشاهدتها معًا؟”
آنسة! آنسة! آنسة بلانكر!
‘آه، لقد سئمت!’
لعل السبب هو أنني كنت أسمع كل ذلك وأختبره معها، وأنا داخل جسدها.
‘أستطيع أن أشعر بأنها هي أيضًا سئمت من الأمر.’
استسلمت الفتاة عن البحث عمّن كانت تبحث عنه، ثم غادرت قاعة المأدبة.
“لقد قال حديقة القصر المنعزل، أليس كذلك؟”
تذكرت كلام أحد أبناء النبلاء الذي اقترح عليها أن تذهب لرؤية الأزهار التي زُرعت حديثًا.
لم تكن ترغب في الذهاب معه، لكن يبدو أنها كانت تحب مشاهدة الأزهار.
خرجت الفتاة من قاعة المأدبة، وبدأت تسير في الممر المؤدي إلى القصر المنعزل.
“بالمناسبة، أين ذهب كادريان بحق خالق السماء؟”
‘صحيح. إذًا كانت تتلفت حولها طوال هذا الوقت لأنها كانت تبحث عن الدوق الأكبر.’
والآن بعد أن فكرت في الأمر، كانت هذه المرة الأولى التي لا يظهر فيها الدوق الأكبر في طفولته في الحلم.
‘لطالما كان إلى جانب هذه الطفلة، فأين ذهب اليوم؟’
في تلك اللحظة، شعرت بطاقة تتبع الفتاة خفيةً من حولها.
‘نحو خمسة أشخاص؟’
وبما أنني لم أشعر بأي نية عدائية، فلا بد أنهم فرسان حراسة.
أن يكون لها حرس مرافق حتى داخل القصر الإمبراطوري، حيث لا يُسمح بحمل الأسلحة، بل وحتى في مكان تقام فيه مأدبة حافلة فيأوجها……
‘قالوا إنها آنسة بلانكر، أليس كذلك؟’
كنت أفتخر بأنني، بعد أن درست إمبراطورية كاديا طوال هذه الفترة، حفظت أسماء جميع العائلات النبيلة الموجودة هنا عن ظهر قلب.
لكنني لم أسمع قط باسم عائلة بلانكر.
‘وهذا يعني……’
أنها العائلة التي مُحيت من التاريخ، تلك التي أخبرني عنها الدوق الأكبر ذات مرة.
أي أن عائلة بلانكر هي العائلة التي كانت تحكم إقليم كينترو، النائم داخل الحاجز.
صحيح أنني قلت إنني لن أحمّل الأحلام أي معنى، لكن بعدما راودني حلم واضح إلى هذا الحد من جديد، لم يعد بإمكاني تجاهل الأمركما أشاء.
‘وفوق ذلك، إنه واضح إلى درجة أنه لا يبدو كالحلم أصلًا.’
وهذا ما يجعلني أشك في أنه ربما يكون جزءًا من ذكرياتي.
فلنعترف بالأمر.
‘هذا ليس مجرد حلم.’
والحلم السابق كان كذلك أيضًا.
صحيح أنني لم أستطع تقبّل عدم العثور على الأحرف الأولى المحفورة على ساعة الجيب أو على صندوق الذكريات، لكن…
‘لقد مضى وقت طويل جدًا، لذلك لا يمكنني استبعاد احتمال أن تكون بعض المتغيرات قد طرأت.’
كم من الوقت مشيت؟
بدأ باطن قدمي يسخن، ثم أخذ يؤلمني تدريجيًا.
“واو، لقد وصلت!”
ولعلها استنتجت أنه لا يوجد أحد في الحديقة، فقفزت الفتاة الصغيرة بحيوية إلى داخل حديقة القصر المنعزل.
كانت مرحة على نحو يفوق التصور.
وكأنها لا تكترث إطلاقًا بكل تلك الآداب والتقاليد التي يفترض أن تتحلى بها الآنسة النبيلة.
ما إن دخلت الفتاة الحديقة حتى أخذت تتجول على طول الطريق وتستمتع بمشاهدة المكان، إلى أن عثرت على مساحة عشبية مستوية،فجلست عليها بلا تردد.
ثم خلعت حذاءها ورمته جانبًا، واستلقت على العشب وهي تمد ذراعيها على اتساعهما.
“آه…… ما أريح هذا.”
قهقهت الفتاة وهي تشعر بالخفة والراحة.
أغمضت عينيها للحظة ثم فتحتهما، وأخذت تحدّق شاردة في سماء الحديقة. وفي الوقت نفسه، راحت تحرك أطراف قدميها اللتين تغطيهماجوارب بيضاء ناصعة.
“لا أفهم أصلًا لماذا تُقام المآدب. لا متعة فيها، ولا أشعر بالمرح.”
وفوق كل شيء، كادريان ليس هنا.
وبينما كانت تتمتم متذمرة، جاء صوت آخر من أحد أطراف الحديقة.
“بفضل إقامة المآدب، يتحول الأعداء أحيانًا إلى حلفاء، كما تنكشف خلالها سوء التفاهمات المتشابكة كخيوط الغزل.”
“!”
نهضت الفتاة فجأة. ثم أسرعت إلى حذائها الذي كانت قد خلعته ووضعته بجانبها، وانتعلته على عجل.
“مـ… من أنت؟”
ردًا على سؤال الفتاة، خرج صبي صغير من بين الشجيرات.
“لم أقصد إخافتك. لقد رأيتك قبل قليل عندما كنت أحيّي جلالة الإمبراطور. هل تتذكرينني؟”
ما إن رأت الفتاة الصبي الذي انحنى بأدب لتحيتها، حتى بدأت تتراجع بحذر.
كان شعور غريب من النفور والقلق يتصاعد في صدر الفتاة.
أما أنا أيضًا، فلم أستطع إخفاء صدمتي. شعرت وكأن أحدهم أمسك بحنجرتي وأطبق عليها بقوة، حتى ضاق نفسي تمامًا.
‘أنت… أنت، كيف……؟’
كان مظهره أصغر بكثير من الصورة التي أتذكرها عنه، لكنني تعرّفت إليه في الحال.
فالصبي الذي ظهر أمامي لم يكن سوى سيرهين، ولي عهد إمبراطورية تيناسيس.
‘سيرهين……!’
كيف لك أن تكون هنا……!
تلاشت الصرخة التي عجزت عن إخراجها من فمي وتبعثرت في أعماقي.
***
حين فتحت عيني، رأيت من جديد مشهد الدوقية أمامي.
لكن السقف الذي رأيته لم يكن السقف المألوف الذي اعتدت رؤيته.
‘أين أنا؟’
نهضت مذعورة بسرعة وأخذت ألتفت حولي.
ثم…
“هاه!”
شهقت من شدة المفاجأة.
“سـ… سموّك؟!”
فقد كان الدوق الأكبر جالسًا بجواري مباشرة، يراقبني في صمت.
أخذ قلبي يخفق بعنف.
لكن سواء أكنتُ مندهشة أم لا، فقد مدّ الدوق الأكبر إليّ كوبًا من الماء، وقال بوجه خالٍ من التعبير كعادته:
“……اشربي أولًا، ثم نتحدث.”
“آه، حسنًا……”
شربت الماء الذي ناولني إياه جرعة تلو الأخرى.
ولعله رأى أنني شربت ما يكفي، فبادر الدوق الأكبر إلى الكلام.
“هل تنوين الموت قبل أن تستعيدي ذاكرتك؟”
“……ماذا؟”
آه، صحيح. لقد فقدت الوعي……
لكن ماذا؟ هل يقول إنني أنوي الموت؟
‘وكأنني فقدت الوعي لأنني أردت ذلك!’
حدث الأمر فجأة ومن دون أي إنذار، فماذا كان يفترض بي أن أفعل؟!
‘حقًا، يا له من أسلوب في الكلام!’
رمقت الدوق الأكبر بنظرة حادة للحظة، ثم أدرت رأسي بعيدًا.
‘لكن لماذا أنا في غرفة نوم الدوق الأكبر، وليست غرفة نومي؟’
واصلت ارتشاف الماء وأنا أفكر.
‘وفوق كل شيء، لقد استيقظت من الحلم في أكثر لحظة غموضًا.’
فالصبي الذي رأيته في النهاية كان سيرهين بلا شك.
فشعره الذهبي وعيناه الجوهريتان الحمراوان، اللتان لا يملكهما سوى أفراد العائلة الإمبراطورية في إمبراطورية تيناسيس، كانا دليلًا علىأن ذلك الطفل هو سيرحهسن.
ثم إن المشاعر التي شعرت بها الفتاة وهي تنظر إلى سيرحين…
كانت النفور والخوف.
هل شعرت بغريزتها أن هذا الطفل خطير؟
‘لا…… ليس هذا هو المهم الآن.’
فهذا يعني أن صاحبة هذا الجسد التقت بسيرحين عندما كانت طفلة.
‘لماذا؟’
كيف؟ كيف تمكن ولي عهد دولة معادية من دخول القصر الإمبراطوري لإمبراطورية كاديا؟
تشابكت الأفكار في رأسي.
وفي تلك اللحظة، ألقى الدوق الأكبر كلمة واحدة، جعلت قلبي يهبط من شدة الصدمة.
“سيرحين.”
“……ماذا؟”
“كيف تعرفين اسم سيرحين؟”
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ بــوني 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.