الفصل 54
⟢ الفصلُ 54 ⟢
حين تحسّستُ ما حول أنفي، علِق الدم الأحمر بأطراف أصابعي.
“هاه؟ لماذا…؟”
وبينما كنت أحدّق شارد الذهن في يدي الملطخة بالدماء، صرخت سيلي مذعورة:
“ماذا أفعل؟! يا كبيرة الخدم! مـ… منديل! استخدمي هذا المنديل، يا كبيرة الخدم!”
“وااااه!”
ناولَتني سيلي منديلها، ثم انفجرت بالبكاء.
ولكي أطمئن سيلي، ضغطتُ المنديل على أنفي وقلت:
“لا بأس يا سيلي. اهدئي. لن أموت بسبب نزيف من الأنف فحسب…”
لكن قبل أن أتمكن من إكمال جملتي، التي كنت أقول فيها إن نزيف الأنف لن يقتلني، دار رأسي بشدة.
‘ماذا يحدث…؟’
وبدا كلامي الذي قصدتُ به طمأنة سيلي بلا معنى، إذ أخذ المشهد من حولي يتلاشى بسرعة. هززتُ رأسي برفق من جانب إلى آخر محاولًااستعادة وعيي والتركيز.
لكن هذه المرة، فقدت ساقاي قوتهما أيضًا. شعرتُ وكأن شيئًا ما قد اندفع من الأرض، ثم التفّ حول جسدي وأخذ يسحبني إلى الأسفل.
‘لماذا يحدث لي هذا…؟’
سأسقط إن استمر الأمر هكذا…!
كانت تلك آخر فكرة خطرت لي، قبل أن أسقط كما أنا على التراب في أرضية الحديقة.
وانقطعت ذاكرتي عند تلك اللحظة تمامًا.
***
في غرفة نوم كادريان.
كان كادريان ينظر إلى فريا الراقدة على سريره، وقد شحب وجهها بشدة وهي تتأوه من الألم.
وسأل طبيبه الخاص، رانوس، الواقف خلفه، وهو يضغط على أضراسه بغضب:
“ماذا حدث لها؟”
ارتجفت كتفا رانوس أمام صوت الدوق الأكبر الذي كان أخفض من المعتاد.
“فــ… في الحقيقة، لا يوجد سبب واضح—”
“تقول لا يوجد سبب؟ لقد أصيبت بنزيف من الأنف وسقطت أمام أعيننا! كيف لا يكون هناك سبب؟!”
أمام غضب الدوق الأكبر الذي دوّى كالصاعقة، أخذت يدا رانوس ترتجفان.
كان يُشاع أصلًا أن الدوق الأكبر رجل قاسٍ ووحشي، لكن رانوس، رغم قضائه عقودًا طبيبًا خاصًا لكادريان، لم يسبق له أن رأى منه ذلكالجانب.
أما اليوم، فقد أدرك أخيرًا كيف يتغير الدوق الأكبر حين يغضب حقًا. هكذا إذن يكون الغضب المرعب الذي كان يسمع عنه في الحكايات.
ابتلع رانوس ريقه عدة مرات، ثم فتح فمه بصعوبة وأجاب:
“أ… أظن أن السبب على الأرجح هو تراكم الإرهاق.”
ماذا؟
استدار كادريان ونظر إلى رانوس.
“الإرهاق؟ أتقول إنها تقيأت دمًا وفقدت وعيها لمجرد الإرهاق؟!”
ماذا؟ تقيأت دمًا؟
أمال رانوس رأسه قليلًا وهو ينظر إلى فريا الراقدة على السرير.
‘ألم يقولوا إنها مصابة بنزيف من الأنف؟’
فإذا كان الحديث عن تقيؤ الدم…
لكن حتى لو كان في تعبير الدوق الأكبر بعض المبالغة، بدا أن عليه تصحيح قوله بشأن “مجرد الإرهاق”.
ابتلع رانوس ريقه بصعوبة، ثم راقب تعابير وجه كادريان بحذر.
“سـ… سموّك. قيل إن الإرهاق أصل كل داء. صحيح أنني لا أعرف جدول أعمال الآنسة فريا بالكامل، لكن جميع أفراد الدوقية يعرفون أنهاكانت تتولى أعمال الدوقية على حساب ساعات نومها.”
“……”
لم تكن فريا تنام حتى ساعة واحدة كاملة في اليوم. كانت تستيقظ أبكر من أي شخص آخر، وتخلد إلى النوم متأخرة عن الجميع.
وربما كانت تعرف عن شؤون الدوقية أكثر من أي شخص آخر فيها.
“وفوق ذلك، أليست تتدرب على فنون السيف بعد انتهاء أعمال الدوقية؟”
حين علم رانوس بذلك، سبق أن ذهب إلى فريا وحاول إيقافها.
فقد حذرها من أن جسدها سيتضرر في النهاية إن لم تمنحه الراحة الكافية.
لكن فريا بدأت تُجهد جسدها وتخضع نفسها للتدريب بصورة أشد قسوة. كانت تبدو أحيانًا كشخص يطارده شيء، وأحيانًا أخرى كشخصيطارد شيئًا بنفسه.
‘ترى كم كان الأمر قاسيًا عليها، وهي مضطرة إلى العيش تحت المراقبة داخل هذه الدوقية، دون أن تتذكر شيئًا ودون أن يكون فيها شخصتعرفه؟’
كان رانوس يشعر بضيق شديد حين يرى فريا تجلد نفسها بهذه القسوة. فقد كانت تذكّره بابنته التي رحلت قبله.
أولعل هذا هو السبب؟
لقد بدت له فريا مثيرة للشفقة على نحو مؤلم.
وربما كان معظم خَدَم الدوقية يشعرون بالمشاعر نفسها التي كان يشعر بها.
خفض رانوس طرف عينيه وقال:
“سموّك… أظن أن هذا ربما يكون صراع الآنسة فريا للبقاء على قيد الحياة في هذا المكان الذي يُعرف باسم قبر كبيرة الخدم.”
فلو كانت إنسانة عادية، لما تمكنت من تحمّل كل هذا على الإطلاق.
وأضاف رانوس كلامه، ثم انحنى برأسه:
“صحيح أنها تمتلك الهالة، لكن إرهاق جسدها إلى هذا الحد أمر شاق حتى على الفرسان الذين تلقوا تدريبًا طويلًا.”
لقد استمر جدول فريا المرهق طوال عامين، منذ أن كانت خادمة وحتى الآن.
عامان كاملان قضتهما في جدول أعمال يعجز الآخرون عن تحمله لشهر واحد، بل لأسبوع واحد فحسب.
وإذا لم يمنعها أحد الآن، فمن المؤكد أنها ستواصل العيش بهذه الطريقة مستقبلًا أيضًا.
حوّل رانوس نظره نحو فريا، وقد غمر عينيه أسى عميق.
“……يمكن القول إن مجرد صمودها حتى الآن أقرب إلى المعجزة، سموّك.”
حتى لا يندم لاحقًا، أخرج رانوس كل ما رآه وعايشه وشعر به طوال الفترة التي عرف فيها فريا، دفعة واحدة.
‘حتى لو وبّخني الدوق الأكبر بشدة، فلا مفر من ذلك.’
المهم أولًا أن أنقذ حياة شخص.
‘صحيح أن الآنسة فريا لم تكن تستمع إلى كلامي، لكن إذا تدخل الدوق الأكبر بنفسه، أفلا تهتم قليلًا أكثر بصحتها؟’
ظل رانوس مطأطئ الرأس، وأغمض عينيه بقوة.
كم من الوقت مضى؟
بعد صمت طويل، فتح الدوق الأكبر فمه أخيرًا.
“رانوس.”
“نعم، سموّك.”
“حضّر الدواء الذي تحتاج إليه كبيرة الخدم.”
“عفوًا؟”
بدلًا من التوبيخ العنيف الذي كان رانوس قد استعد له، سمع صوت الدوق الأكبر الهادئ، فرفع رأسه بسرعة.
كان الدوق الأكبر جالسًا على الكرسي بجوار السرير، يحدّق في فريا بصمت.
“من الآن فصاعدًا، ستكون أنت المسؤول عن صحة كبيرة الخدم.”
“أ… أنا؟”
“نعم. عاملها كما تعاملني.”
“……”
اتسعت عينا رانوس قليلًا، ثم انحنى برأسه وأجاب:
“سأنفذ أمرك، سموّك.”
“وحضّر لها دواءً يعيد إليها عافيتها في أسرع وقت.”
“نعم! سموّك!”
خرج رانوس من الغرفة مسرعًا. وما إن غادر حتى ازداد الهدوء في غرفة النوم.
ولم يكن يُسمع سوى أنين فريا الخافت، وهي لا تزال عاجزة عن استعادة وعيها تمامًا.
فتح كادريان فمه للحظة ثم أغلقه. كانت لديه أشياء كثيرة يريد قولها، لكنه حين حاول الكلام شعر وكأن الكلمات قد انحبست في حلقه.
مدّ يده بحذر ووضعها فوق ظهر يد فريا، التي كانت خارجة من تحت الغطاء.
كانت يدًا صغيرة وناعمة.
“مع أنك تأكلين بهذا القدر، كيف ما زلتِ…؟”
لماذا هي صغيرة إلى هذا الحد؟
تمتم كادريان بذلك بصوت خافت، عاقدًا حاجبيه.
ثم تذكّر فجأة ما قاله رانوس قبل قليل.
–”أظن أن هذا ربما يكون صراع الآنسة فريا للبقاء على قيد الحياة في هذا المكان الذي يُعرف باسم قبر كبيرة الخدم.”
كان يعلم.
فقد كان يراقبها كل يوم، ولم يكن بوسعه ألا يلاحظ.
ومع ذلك، رغم معرفته، تظاهر بالجهل.
كان جزء منه يتمنى أن تنهار من تلقاء نفسها بعدما تستنزف قواها، وجزء آخر كان يأمل أن تكشف طبيعتها الحقيقية بعدما تواصلاندفاعها وحدها إلى هذا الحد.
لكن فريا تحمّلت، ثم تحمّلت، وفي النهاية انهارت.
لم يكن يعرف إن كان يمكن القول إنها انهارت من تلقاء نفسها.
لقد جاء الظرف الذي طالما تمنّاه، فلماذا يشعر قلبه بهذا السوء؟
‘سواء قبل أن تفقد ذاكرتها أو بعد أن فقدتها……’
كانت فريا الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يبدد سكينة كادريان.
وفي تلك اللحظة.
ارتجفت جفنا فريا قليلًا، ثم ارتفعا ببطء. أخذت عيناها الزرقاوان، اللتان ظهرتا من تحتهما، تتفقدان المكان للحظات، وما إن عثرتا علىكادريان حتى أشرقت فيهما علامات الارتياح. ثم انحنى طرفا عينيها بلطف.
“كادريان……”
“……”
أمسكت فريا بإصبع كادريان السبابة بإحكام، ثم أغلقت عينيها من جديد وكأنها قد اطمأنت.
خفّ أنينها تدريجيًا، وأصبح تنفّسها أكثر انتظامًا مما كان عليه في البداية.
اهتزت عينا كادريان البنفسجيتان اهتزازًا خفيفًا.
ظلّ يمد إليها إصبعًا واحدًا، وهو يحدّق بصمت في وجه فريا التي عادت إلى النوم.
‘إنها تفعلها مجددًا……’
فمن طريقتها في مناداته باسمه، ومن عادتها في الإمساك بإصبع السبابة بإحكام، بدت له فريا في طفولتها متداخلة مع فريا الحالية.
وكان الأمر كذلك في اليوم الذي حضر فيه اجتماع كبار النبلاء أيضًا. ففي ذلك اليوم، فقدت فريا وعيها وسقطت هي الأخرى.
وفي ذلك الوقت، كانت قد تمتمت بكلمات أشبه بكلام النائم:
–”كادريان! أيها الأحمق!”
حتى وهي فاقدة للوعي، كان صوت توبيخها مدويًا إلى درجة يصعب معها التصديق.
لقد شعر حقًا وكأن فريا الصغيرة من الماضي قد عادت إلى الحياة.
تمامًا كما الآن.
‘لم يصلني أي تقرير بأنها فقدت وعيها أثناء غيابي في الحملة.’
إذًا……
هل يمكن أن يكون فقدان الوعي بهذه الطريقة ظاهرة تحدث كلما بدأت ذاكرتها بالعودة إليها؟
هزّ كادريان رأسه.
صحيح أنه كان قد ضغط عليها وهددها كي تستعيد ذاكرتها في أسرع وقت ممكن، لكنه لم يكن يتمنى أن تنهار في كل مرة تستعيد فيهاجزءًا من ذاكرتها.
‘أليس من الأفضل لها ألّا تتذكر شيئًا على الإطلاق؟’
فبدلًا من أن تعود إلى عائلة بلانكر، التي قد تنجرّ مجددًا إلى الصراعات السياسية، أليس من الأفضل لها أن تعيش بسلام، حتى لو لمتستعد أيًا من ذكرياتها؟
غرق كادريان في أفكاره وهو ينظر إلى فريا التي كانت تقبض بإحكام على إصبعه.
ومرّت لحظات قصيرة على هذا الحال.
“أوه……”
فجأة أطلقت فريا أنينًا متألمًا.
“فريا……”
رفع كادريان منشفة مبللة بالماء ومسح بها العرق الذي غطّى وجه فريا.
وفي تلك اللحظة، اشتدت قبضة فريا على إصبع كادريان السبابة.
ثم أطلقت، بصوت مخنوق، اسمًا واحدًا كما لو كانت تطحنه بين أسنانها.
“سيرهين……!”
سيرهين؟
ضيّق كادريان عينيه.
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ بــوني 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.