الفصل 49
⟢ الفصلُ 49 ⟢
عندها، انطلق صوت شهقةٍ مكتومة بين العاملين الذين كانوا مطأطئي الرؤوس.
كان ردّ فعلهم يقول بوضوح، لقد انكشف الأمر الذي كان لا بدّ أن ينكشف.
رفعتُ ظهري ونظرتُ إلى السير أنيت.
‘واو.’
حين رأيتها عن قرب، خرجت مني آهة إعجاب تلقائيّة.
إذا كانت والدة الدوق الأكبر، فلا بدّ أنها تجاوزت الأربعين الآن، لكنها لم تكن تبدو كذلك إطلاقًا.
بل كانت تبدو في أوائل الثلاثينيات على الأكثر.
مع أنهم قالوا إنها ليست من مستخدمي الهالة، فإنها حافظت على شبابها إلى هذا الحد.
وفوق جمالها، لم أستطع منع نفسي من الانبهار ببنيتها الجسدية أيضًا.
هل كان هذا هو سبب خفقان قلبي حين رأيتها تمتطي حصانها وتقترب من بعيد؟
كانت تلك هي البنية الجسدية للفارسة التي لطالما اعتبرتها مثاليّة، طولٌ فارع، وكتفان قويّان، وساعدان وفخذان متينان.
ومع امتلاكها كلّ تلك الصفات، كيف أمكنها أن تبدو رشيقةً وخفيفة الحركة بدلًا من أن تبدو ضخمةً وثقيلة؟
هل تبدو تماثيل الأبطال المنصوبة في المعبد على هذا النحو؟
كانت بنيتها الجسدية تستحقّ فعلًا أن يُقال عنها بإعجاب: هذا جنون!
‘كيف يكون هذا ممكنًا؟ كيف يبدو جدول تدريبك اليومي؟! وكيف تحدّدين نظامك الغذائي؟!’
كان لديّ الكثير من الأسئلة التي أرغب في طرحها، لكن أنظار الجميع كانت متّجهةً نحوي.
وبينما كنت أكبح بصعوبةٍ احترامي المتأجّج لها، قلتُ بصوتٍ هادئ:
“تشرفتُ بلقائكِ، يا سير أنيت. أرحّب بكِ في قصر الدوقية الكبرى. أنا كبيرة الخدم، فريا.”
“أنتِ……!”
رغم تحيّتي المثاليّة، شاب صوت السير أنيت غضبٌ لا أعرف سببه.
‘لا، بل أعرف السبب.’
خادمة غير متزوّجة، بل والأسوأ من ذلك، كبيرة خدمٍ امرأة غير متزوّجة.
لا بدّ أن هذا هو ما أثار استياء السير أنيت.
رسمتُ على وجهي ابتسامةً وديعةً قدر استطاعتي.
‘أنا لا أهتمّ بالدوق الأكبر. حقًّا، يا سير أنيت.’
نظرتُ إليها بصدق، لكن نظرتها إليّ ظلّت ممتلئةً بالغضب.
ارتجف فكّ السير أنيت القويّ.
‘آه…… لا أريد أن تكرهني…….’
يبدو أن انطباعي الأول قد فشل فشلًا ذريعًا.
وبينما كنت أبتلع حزني، تدخّل الدوق الأكبر.
“أمّي.”
“…….”
عندها صوبت السير أنيت نحو الدوق الأكبر نظرةً باردةً كحدّ السيف.
“كادريان. هل أنت حقًّا……”
“……هناك الكثير من العيون التي تراقبنا. لندخل ونتحدّث أولًا.”
“…….”
كتمت السير أنيت غضبها وأومأت برأسها.
ثم التفتت إليّ للحظة.
‘همم؟’
استغربتُ في تلك اللحظة؛ إذ كانت نظرتها إليّ الآن مليئةً بالذنب أكثر من الغضب.
‘ما الأمر……؟’
وبعد أن تبادلا النظرات للحظات، اتجهت السير أنيت والدوق الأكبر إلى المبنى الرئيسي.
ظللتُ أنظر إلى ظهريهما وهما يبتعدان.
‘تلك النظرة…….’
كنت أفهم سبب غضبها حين رأتني للمرة الأولى.
لكن النظرة التي وجّهتها إليّ في المرة الثانية كان من الصعب فهمها.
‘لقد رأيتُ نظرةً كهذه من قبل.’
آه…… تذكّرت.
حين رأاني الدوق الأكبر للمرة الأولى، وحين رآني مساعده للمرة الأولى. كانت تلك هي النظرة نفسها التي وجّهاها إليّ آنذاك.
لقد نظرت إليّ السير أنيت بالطريقة ذاتها أيضًا.
‘السير أنيت تعرف هي الأخرى.’
تعرف مَن تكون صاحبة هذا الجسد.
وهكذا، ازداد عدد الأشخاص الذين يعرفون هويّة صاحبة الجسد شخصًا آخر.
***
“كادريان!”
صرخت أنيت، التي دخلت إلى غرفة العمل، في وجه كادريان.
“كيف جعلتَ تلك الفتاة كبيرة خدم؟ كيف فعلتَ ذلك؟!”
“…….”
رغم غضب أنيت، لم يفتح كادريان فمه.
لقد تلقّت في الرسائل خبر استيقاظ تلك الفتاة، وفقدانها ذاكرتها، وتشغيلها خادمةً.
حتى حينها، كادت تركض إليها فورًا من ساحة المعركة من شدّة صدمتها.
والآن أصبحت كبيرة خدم أيضًا!
“راتبها أعلى.”
“ماذا قلتَ؟! أتسمّي هذا كلامًا؟!”
يا إلهي! عنقي يؤلمني!
أمسكت السير أنيت مؤخرة عنقها وترنّحت، فأسندها إيد وأجلسها على الأريكة، ثم قال:
“سموّه لم يفعل ذلك لأنّه يرغب فيه أيضًا…… أرجوكِ، اهدئي—.”
“إيد! أنت أيضًا! إذا جنّ صاحبك وبدأ يفعل أشياء عبثيّة، فعليك أن تمنعه ولو كلّفك ذلك حياتك!”
“ماذا؟ لـ، لكن لماذا أضحّي بحياتي……؟”
“ماذا قلتَ؟!”
“أعتذر، أعتذر بشدّة.”
وبعد أن تدخّل إيد دون داعٍ، فانصبّ عليه الغضب، انحنى بأدبٍ وانسحب من غرفة العمل.
وهكذا لم يبقَ فيها سوى أنيت وكادريان.
“حسنًا، فلنسمع خطّتك العظيمة تلك. هل تنوي إبقاء تلك الفتاة كبيرة خدم إلى الأبد؟”
“لأنها تريد ذلك.”
“ماذا؟ تريد ذلك؟ وأنت تُبقي ذلك الطوق حول عنقها؟ هل يمكنك أن تقول إنك لم تُجبرها؟!”
عرفت أنيت الأمر فور أن رأت الجوهرة المثبّتة في الشريط الذي ترتديه فريا.
فقد أدركت أنها ترتدي حجرًا سحريًّا يحتوي على سحر التقييد الذي تستخدمه عائلة الدوق الأكبر.
دَوّى صوت ارتطامٍ هائل—!
ولأنها لم تستطع السيطرة على غضبها، ضربت أنيت الطاولة الموضوعة أمامها.
فانشقّت الطاولة إلى نصفين بصوتٍ حادّ—!
“آه…….”
وضع كادريان يده على جبينه، وأطلق زفرةً طويلة.
“أمّي…….”
“كادريان. لقد قلتُ لك ذلك في رسائلي مرارًا. سواء وُجدت آثار السحر الأسود أم لم توجد، يجب أن تُعامَل تلك الفتاة بوصفها خطيبتك.”
فحتى لو فقدت ذاكرتها، فإنها كانت، بوجودها وحده، جديرةً بأن تبلغ مكانةً ينظر إليها الجميع بإجلال.
“وفوق كل شيء، هل نسيتَ أنني ظللتُ أصلّي عشرة أعوام، راجيةً ألّا تموت، وأن تظلّ حيًّا فحسب؟”
“…….”
حين التزم كادريان الصمت، دفنت أنيت وجهها بين كفّيها وتمتمت:
“يا إلهي. أن تُعامَل آخر وريثة لعائلة بلانكر كخادمة…… كيف سأواجه أفراد عائلة بلانكر بعد موتي…….”
“…….”
وبعد أن هدأ غضب أنيت إلى حدٍّ ما، فتح كادريان فمه.
“لم يكن السبب آثار السحر الأسود وحدها.”
عندها رفعت أنيت رأسها، وعادت عيناها الذهبيتان تمتلئان بغضبٍ محتدم.
“إذًا؟ عليك أن تفكّر جيدًا قبل أن تتكلّم. وإذا كان عذرك لن يقنعني، فلا تذكره من الأساس.”
ورغم كلمات أنيت الغاضبة، فتح كادريان فمه من جديد.
كانت تعابير وجه أنيت تتبدّل لحظةً بعد لحظة وهي تستمع إلى حديثه.
تارةً تبدو غير مصدّقة، وتارةً تلمع الدموع في عينيها، وتارةً تعقد حاجبيها بأقصى ما تستطيع من الغضب.
وفي النهاية، حين انتهى كادريان من حديثه، عادت أنيت تدفن وجهها في كفّيها.
***
‘لا أشعر بالنعاس.’
كانت أنيت عاجزةً عن النوم، فتذرّعت في الغرفة ذهابًا وإيابًا.
بعد وصولها إلى قصر الدوقية الكبرى، انشغلت بالحديث مع كادريان حتى حلّ الليل المتأخّر.
ثم عادت إلى غرفة نومها القديمة، وسدّت جوعها بشيءٍ بسيط، واغتسلت أيضًا.
‘أن تُعِدّ فريديكا ماء الاستحمام لي…….’
كادت أنيت، التي كانت تراقب ذلك من الخلف، تمسك مؤخرة عنقها من جديد، لكنها تمالكت نفسها.
كانت أنيت تنادي فريا باسمها الحقيقي، فريديكا.
‘كانت تكره اسمها لأنها تقول إنه يشبه أسماء الصبيان.’
ولهذا كانت تعرف أنهما، فريديكا وكادريان وحدهما، قد ابتكرا اسم محبب لا يناديها به سواهما.
لكن أن تفقد الفتاة ذاكرتها، ثم تتذكّر الاسم المحبب وحده……؟
هل كان ذلك أيضًا من تأثير السحر الأسود؟
‘هل يُعقل حقًّا أن تكون روحٌ أخرى قد دخلت جسد تلك الفتاة……؟’
هل يمكن للسحر الأسود أن يفعل شيئًا كهذا أيضًا؟
–”لهذا انتظرتُ قدومكِ يا أمّي. أريد أن أسمع رأيكِ أيضًا، ثم أتخذ قراري.”
قرار.
كانت الكلمة التي خرجت من فم ابنها ثقيلةً للغاية.
‘لا بدّ أنه ظلّ يفكّر في الأمر طويلًا بمفرده.’
كان ابنها قد انتظر عشر سنواتٍ وحيدًا، وهو يرى خطيبته التي لم تستيقظ.
ولهذا، لم يكن من الصواب أن تُعامَل فريديكا التي عادت إلى الوعي بهذه الطريقة.
لكنها لم تستطع كسر عناد كادريان.
فهو الشخص الذي يعرف فريديكا أكثر من أيّ أحد.
‘ماذا عساي أفعل…….’
تذكّرت أنيت فريديكا التي التقت بها للحظات.
‘أكان آخر لقاءٍ بيننا قبل خمسة أعوام؟’
كان الطريق المؤدّي إلى الطابق الخامس مفتوحًا لأنيت، التي كانت دوقةً كبرى في السابق، أيضًا.
وقبل أن تسلّم منصب ربّ العائلة إلى كادريان، كانت أنيت تدخل الطابق الخامس وتخرج منه كثيرًا.
‘كم صلّيتُ بحرقةٍ، راجيةً أن تفتح عينيها ولو مرةً واحدة.’
هل استجابت السماء لذلك الدعاء؟ لقد عادت حيّةً بصعوبة، فما هذا الآن؟
‘قد تكون روحًا أخرى؟’
آه…… ما الذي يريده الحاكم من وراء كل هذا؟
جلست أنيت على حافة السرير كما لو أنها انهارت.
‘إذا كان صدري يتمزّق بهذا القدر، فكيف يكون حال كادريان؟’
وبعد أن فكّرت أنيت قليلًا، قرّرت في النهاية أن تثق بكادريان.
‘سأبقى في قصر الدوقية الكبرى وأراقب الأمر.’
حتى أعثر على دليلٍ قاطع يثبت أن الروح التي تسكن جسد تلك الفتاة هي روح فريديكا!
في تلك اللحظة، أثار صوتٌ خافت انتباه أنيت.
‘تشه. لقد بدأوا مجددًا.’
أيّها الأوغاد الذين يستحقّون الموت.
‘يبدو أنهم لم يسمعوا حتى بخبر وصولي إلى قصر الدوقية الكبرى.’
وبعد أن أدركت أن قاتلًا مأجورًا قد ظهر، أمسكت أنيت بسيفها الطويل الذي يساوي طولها تقريبًا، وخرجت إلى الخارج.
‘لم يكن مزاجي جيدًا أصلًا، وهذا مناسب…….’
كانت تنوي أن تفرّغ غضبها فيه، لكن أثر القاتل اختفى فجأة.
بل اختفى أمامها مباشرةً.
‘ما الأمر؟’
خرجت أنيت مسرعةً إلى الممر، لكنها مهما نظرت حولها، لم تستطع الإحساس بطاقة القاتل.
سارت في الممر بحثًا عن أثره المختفي، ثم شعرت في لحظةٍ ما بأن هواء المكان قد تغيّر.
‘……حاجز.’
بحسب علم أنيت، لم يكن هناك سوى ثلاثة أشخاص قادرين على نشر حاجزٍ بهذه المتانة في قصر الدوقية الكبرى.
كادريان، وقائد فرسان الحرس جايدن، ونائب القائد السير ألين.
‘هل تدخّل كادريان بنفسه؟’
كانت تظنّه في الطابق الخامس، لكنه يبدو أنه أدرك الأمر بمهارة وخرج.
انتظرت أنيت حتى ينتهي كل شيء ويُرفع الحاجز.
مرّت لحظات قليلة.
ثم تغيّر هواء المكان من جديد.
لقد رُفع الحاجز.
وبمجرّد أن رُفع، انتشرت رائحة دمٍ نفّاذة.
“كاد…….”
مهلاً.
توقّفت أنيت قبل أن تنادي كادريان.
فالشخص الواقف في الظلال الكثيفة، حيث تسلّل ضوء القمر بخفوت، لم يكن كادريان.
كان جسدها النحيل لا يساوي نصف جسد كادريان، أما نصل السيف الفضي الرشيق الذي تحمله في يدها، فكان يليق بها تمامًا.
‘ليست كادريان؟’
وبالطبع، لم تكن جايدن ولا ألين أيضًا.
لا يُعقل……
“فري–……، كبيرة الخدم……؟”
عندها أدارت المرأة التي كانت واقفةً وهي تدوس على عنق القاتل الملقى على الأرض رأسها.
“هل أنتِ السير أنيت؟”
جاءها صوتٌ جميل ورقيق إلى حدٍّ لا يليق بقاتلةٍ وحشيّة.
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ بــوني 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.