الفصل 38
⟢ الفصلُ 38 ⟢
لعلّ الاجتماع الطويل قد أنهكه، إذ كانت المسافة بين حاجبي الدوق الأكبر معقودةً بشدّة.
آه، لقد أخطأت.
‘كان ينبغي أن أنهض فور ظهور وليّ العهد، وأتوجّه إلى الدوق الأكبر…’
وجود وليّ العهد هنا يعني أن الاجتماع قد انتهى منذ وقتٍ طويل. كنتُ أنوي مجاراته قليلًا ثم الانصراف، لكن يبدو أنني استغرقتُ وقتًاأطول مما توقّعت.
أخرجتُ بهدوء الكرسي المقابل لوليّ العهد، وأعددتُ مكانًا للدوق الأكبر كي يجلس، ثم تراجعتُ خطوةً إلى الخلف بسرعة.
“سأحضر الشاي، سموّك. تفضّلا وتحدّثا.”
“…….”
لكن الدوق الأكبر لم يجلس، بل اكتفى بالتحديق في وليّ العهد.
‘ما هذه الأجواء؟’
كان الجو باردًا إلى حدّ أنني شعرتُ بأن الهواء في قاعة الطعام قد تجمّد تمامًا، بل إن البرودة كانت تتسرّب منهما بلا انقطاع.
عندها استدار الدوق الأكبر وقال:
“أنا متعب.”
آه! إذن كان يريد أن يرتاح!
أسرعتُ في اتّباعه.
“سأُعدّ ماء الحمّام، سموّك.”
“…….”
ومع ذلك، لم أنسَ أن ألتفت إلى وليّ العهد خلفي، وأنحني مودّعةً إيّاه.
وحين أدرتُ رأسي مجددًا، كان الدوق الأكبر قد ابتعد مسافةً كبيرةً بالفعل.
يا له من رجلٍ طويل الساقين بلا داعٍ!
“همم.”
طَقّ.
وضع ريكسون على الطاولة كوبًا من شاي العسل المثلّج.
“تفضّل واشرب كوبًا باردًا، سموّك.”
“حسنًا.”
كان أرثر، الذي بقي وحيدًا في المكان الذي غادرته فريا والدوق الأكبر، يسند ذقنه إلى يده حين فتح فمه وقال:
“ريكسون.”
“نعم، سموّك.”
“ألم يبدُ الدوق الأكبر منزعجًا منذ قليل؟”
“هاها…… كيف لي أن… أجرؤ على…”
تلعثم ريكسون، وكأن السؤال أوقعه في حرج.
مال أرثر رأسه قليلًا.
إذن لقد كان منزعجًا فعلًا. لقد انزعج ذلك الوغد حقًّا.
كان أرثر واحدًا من قلّةٍ من أصدقاء كادريان المقرّبين القادرين على ملاحظة التغيّرات الطفيفة في مشاعره، حتى خلف ملامحه الخالية منالتعبير.
فقد كان تقطيب ما بين حاجبيه دليلًا لا يحتاج إلى تفسير، وكذلك التغيّر الدقيق في عضلة فكّه التي تنتفخ قليلًا حين يضغط على أضراسهبقوّة.
‘دليل على انزعاجه.’
مع أنه ليس من النوع الذي يُظهر مشاعره بهذه الطريقة.
على أيّ حال…
“ستحدث فوضى عارمة إن علمت الأميرة الثالثة بالأمر. بل تُرى، هل وصل الخبر إلى مسامعها بالفعل؟”
فمنذ أن نزلت فريا من العربة، كانت الفوضى قد بدأت، ولذلك كان من المؤكّد أن قصتها قد بلغت أذن الأميرة الثالثة.
في تلك اللحظة.
“ماذا عنّي؟”
“…….”
جاءه صوتٌ مألوف من خلفه.
تبًّا.
تمتم أرثر بصوتٍ خافت داخل فمه، ثم استدار ببطء. فوجد فتاةً ذات ملامح دقيقة تشبه الدمى، وشعرٍ ذهبي يبدو حلوًا كالعسل، واقفةً هناك.
كانت الأميرة الثالثة، إيلّاريس، التي لم يتبقَّ على حفل بلوغها سنّ الرشد سوى بضعة أشهر.
نهض أرثر من كرسيّه، ورسم على وجهه ابتسامةً مصطنعةً. كانت تشبه القناع الذي اعتاد أن يرتديه وهو يتعامل مع الناس في الولائم.
“أختي العزيزة، ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟ ألم تكوني تقولين إنكِ تكرهين المجيء إلى مطعم الجناح المنعزل، حتى لو كان ذلك آخر ما تفعلينه،لأن رائحته كريهة؟”
فقد كانت تحتقر هذا المكان دائمًا، وتصفه بأنه موضعٌ يعجّ بالأشخاص الوضيعين.
وكما كان متوقّعًا، رفعت إيلّاريس مروحتها لتغطّي ما تحت أنفها، وقطّبت ما بين حاجبيها بأقصى ما تستطيع.
“أخي. ألم تكن تتحدّث عنّي منذ قليل؟”
“هل فعلتُ ذلك؟”
هاها.
ضيّق أرثر عينيه وهو يبتسم. ولعلّ وجهه المبتسم كان منفّرًا لها، إذ دفعت إيلّاريس كتفه بقوّة.
“تنحَّ.”
“…….”
وبعد أن ظلّت إيلّاريس تحدّق طويلًا في نهاية الممر، سألت:
“……أهي تلك المرأة؟”
“ماذا؟”
أشارت إيلّاريس بذقنها إلى كادريان وفريا البعيدين جدًا، ثم سألت:
“أهي تلك المرأة؟ أقصد كبيرة الخدم الذي أحضره دوقنا.”
دوقنا؟
سخر أرثر في داخله.
كيف تجرؤ امرأةٌ لم تستطع حتى أن تجذب إليه نظرةً واحدة، على أن تقول عنه دوقنا؟
‘لو سمعها كادريان، لسحب سيفه فورًا.’
قبض أرثر يده خفيةً عن إيلّاريس، وظلّ يحدّق فيها.
كانت عينا إيلّاريس تشتعلان بحدّةٍ أكبر من المعتاد.
“ليست شخصًا يستحقّ أن تشغلي بالكِ به. إنها مجرّد كبيرة خدم في عائلة الدوق الأكبر.”
“…….”
عندها اتّجهت نظرة إيلّاريس الباردة إلى أرثر.
“أنت تقول ذلك دائمًا يا أخي. لكن هل تعلم؟ من بين الأشياء التي قلتَ إنها تافهة ولا تستحقّ الاهتمام، لم يكن هناك شيءٌ واحدٌ تافهًا فعلًا.”
“…….”
“لماذا؟ أذلك لأن كلّ شيءٍ يتحطّم عندما ألمسه؟”
“إيلّاريس. لم أقصد ذلك—”
“كفى، يا أخي. لا داعي لأن تختلق الأعذار هكذا. فأنا أيضًا أعرف كيف أتحقّق من الأمور بنفسي.”
استدارت إيلّاريس فجأةً، وغادرت قاعة الطعام.
ظلّ أرثر ينظر إليها، ثم عاد إلى الجلوس على كرسيّه.
‘يبدو أن فوضى أخرى ستندلع قريبًا.’
وأطلق زفرةً خافتة، وهو ينظر إلى الاتجاه الذي اختفى فيه كادريان وفريا.
***
“سموّك، هل تناولتَ الطعام؟”
“…….”
“سمعتُ أنهم كانوا سيقدّمون لك الطعام على نحوٍ منفصل داخل قاعة الاجتماع، لكنني سألتُ للاطمئنان فحسب.”
“…….”
“لا بدّ أنك متعب، فهل أُعِدّ لك كلّ شيء كي تستحمّ؟”
“…….”
خلال اتّباعي لكادريان، طرحتُ عليه الأسئلة مرارًا.
لكن كادريان لم يُجب، بل ظلّ يمشي فحسب.
‘ما الذي دهاه بالضبط؟’
كتمتُ بصعوبةٍ الغليان الذي يتصاعد في داخلي، وضغطتُ على أضراسي بقوّة.
“أم تفضّل أن تخلد إلى النوم فورًا؟”
“…….”
لم يُجب أيضًا. وظلّ الدوق الأكبر ملتزمًا الصمت حتى دخل غرفة نومه في الجناح المنعزل، وعندها فقط استدار نحوي.
“أنتِ……!”
“……نعم؟”
كان صوته أخفض من المعتاد، لكن ذلك لم يغيّر حقيقة أنه صوتٌ عميقٌ عذب.
وحين رمشتُ بسرعة، رافعةً نظري إليه، ابتلع مشاعره مرّةً، ثم فتح فمه مجددًا.
“هل تنوين مصادقة جميع من اجتمعوا في القصر الإمبراطوري؟”
“…….”
“لقد قلتُ بوضوح إنكِ لستِ بحاجةٍ إلى مخالطة المرافقين، فلماذا ذهبتِ إلى ذلك المكان؟”
“……ذلك لأنني كنتُ هناك—”
“وفوق ذلك، كان سموّ وليّ العهد يناديكِ باسمكِ.”
“آه، ذلك—”
“هل أصبحتما مقرّبين إلى درجة أن يناديكِ باسمكِ؟”
“لا، سموّك. الأمر—”
“متى؟”
“…….”
“هل كنتِ تلتقين به كلّما غبتُ عن المكان؟”
“…….”
كان الدوق الأكبر يقذف أسئلته نحوي بلا توقّف، ولم يمنحني حتى فرصةً للإجابة.
‘ما الأمر؟ ما سوء الفهم الجديد الذي جعله يتصرّف هكذا؟’
أخذتُ أسترجع في ذهني ما الخطأ الذي ارتكبته تحديدًا.
همم.
‘لا أفهم شيئًا إطلاقًا.’
لو طُلب منّي أن أجد خطأً ارتكبته بصفتي كبيرة خدم، فلن أجد شيئًا، على الأقل داخل هذا القصر الإمبراطوري.
‘لكن ما الذي يحدث إذن؟’
هذه الأجواء، وهذا الموقف…
‘إنهما مألوفان بطريقةٍ ما.’
شعرتُ بإحساسٍ غامض بأنني مررتُ بهذا من قبل.
في تلك اللحظة—
نغزة—!
‘آه، رأسي…….’
داهمني صداعٌ مفاجئ، فرفعتُ يدي دون وعيٍ وأخذتُ أفرك جبيني.
“……ما بكِ؟”
“لا شيء، سموّك. إنه أشبه بمرضٍ مزمن. يصيبني الصداع من حينٍ إلى آخر…….”
‘وخاصةً عندما أكون معك.’
ابتلعتُ هذه الكلمات قبل أن تخرج.
وفي تلك اللحظة، عاودني الصداع.
نغزة—!
آه…… أشعر وكأن أحدًا يغرز إبرةً في رأسي……
‘لماذا يحدث هذا؟’
كان ذلك في اللحظة التي شعرتُ فيها بالحيرة. اشتدّ الصداع أكثر، ثم بدأت رؤيتي تضطرب وتغدو ضبابيةً فجأة.
مددتُ يدي نحو المنضدة الصغيرة القريبة مني، وقد انتابني الذعر، لكن يدي انزلقت هي الأخرى، وفقدتُ توازني.
‘آه—! سأقع!’
أغمضتُ عينيّ بقوّة. وفي تلك اللحظة—
“فريـــا!”
انطلق صوت الدوق الأكبر مذعورًا، ثم توقّف جسدي الذي كان يهوي نحو الأرض فجأةً في نقطةٍ ما.
شعرتُ وكأن شيئًا صلبًا قد أمسك بي. وفي الوقت نفسه، اختفى الصداع.
فتحتُ عينيّ ببطء، لكن رؤيتي ظلّت ضبابية.
تحرّك شيءٌ قاتم أمام مجال رؤيتي المشوّش، وبدا لي أنه وجه الدوق الأكبر.
يبدو أنه أمسك بي حين كدتُ أسقط.
دقّ، دقّ، دقّ.
سمعتُ صوت قلب الدوق الأكبر من صدره الملامس لأذني.
وأربك أنفاسه التي غدت أكثر خشونةً قليلًا رأسي. كما شعرتُ برائحته المألوفة أقوى من ذي قبل فجأةً.
لم أكن أرى شيئًا، لكن ذلك جعل حضوره يبدو أكثر وضوحًا.
كان جسده صلبًا بدلًا من أن يكون ليّنًا، بفضل تدريبه المتقن. ومع ذلك، اجتاحني بين ذراعيه شعورٌ بالأمان لم أستطع تفسيره.
أفلا يكون ذلك هو السبب؟ فقد توقّف الصداع، لكن رأسي ظلّ يترنّح بضبابية، وبدأ جفناي يثقلان معه.
‘إنه دافئ.’
ولعلّ ذلك كان بسبب حرارة جسد الدوق الأكبر المرتفعة على نحوٍ مذهل؛ إذ إن بقائي بين ذراعيه جعلني أشعر وكأنني غاطسةٌ تمامًا في ماءٍساخن.
انخفضت جفناي ببطء.
وسرعان ما شعرتُ بجسدي بأكمله يسترخي تحت وطأة ارتياحٍ عميق، وفي الوقت نفسه أخذ الظلام يزحف سريعًا أمام عينيّ.
وفقدتُ وعيي كما أنا.
***
—”لماذا أنت غاضب؟”
سمعتُ صوت الفتاة الذي كنتُ أسمعه دائمًا في أحلامي.
لكن هذه المرّة، لم يكن صوت الفتاة وحده هو المسموع. فلأوّل مرة، سمعتُ معه صوت فتى.
—”أليسَ هذا اسم محبب أطلقتُه عليكِ؟”
وبحسب توقّعي، كان من المرجّح جدًا أن يكون ذلك الفتى هو نفسه الذي لم يكن يُظهر وجهه قطّ في أحلامي.
تابع الفتى كلامه بنبرةٍ بدا فيها مستاءً.
—”لماذا يعرف ذلك الشاب النبيل ذلك الاسم؟ ألم يكن اسم محبب لا يعرفه سوانا، أنا وأنتِ؟”
—”ليس الأمر كذلك. لم أكن أنا من أخبره، بل—”
—”متى أصبحتِ مقرّبةً من ذلك الشاب النبيل إلى هذه الدرجة؟ هل كان ذلك عندما ذهبتُ إلى الإقليم الجنوبي؟”
—”كادريان، اهدأ أولًا—”
—”هل يعرفه شخصٌ آخر أيضًا؟ الإسم الذي أطلقتُه عليكِ. أعني ذلك الاسم الذي كان ينبغي ألا يعرفها سوانا.”
—”قلتُ لك إن الأمر ليس كذلك! كادريان! أيها الأحمق!”
***
هاه—!
فتحتُ عينيّ على اتّساعهما.
ظلّت صرخة الفتاة الأخيرة ترنّ في أذنيّ، وكأنها ما زالت تتردّد حتى بعد أن استيقظتُ من الحلم.
فركتُ أذنيّ، وأخذتُ أتذكّر الحلم الذي رأيته للتو.
‘ماذا… ماذا كان ذلك؟’
كادريان؟
لقد نطقت الفتاة التي كنتُ أسمع صوتها في الحلم باسم كادريان لأول مرة.
‘أحقًّا كان الفتى الذي يظهر في الحلم هو الدوق الأكبر؟!’
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ بــوني 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.