الفصل 37
⟢ الفصلُ 37 ⟢
‘هل يلمّح إلى أنني لا أطيع كلامه، ولا أفعل سوى التسبّب في المتاعب؟’
كان أسلوب الدوق الأكبر في الكلام يثير حفيظتي على نحو غريب.
‘لكن، هل سبق أن عصيتُ أمرًا من أوامره؟’
أخذتُ أسترجع ذكريات الأيام الماضية، لأرى إن كان هناك موقف كهذا.
‘مهما فكّرتُ، لا أجد شيئًا……؟’
أما ما حدث اليوم مع المرافقين، فلا يمكن اعتباره مشكلةً بأيّ حال.
‘لقد كان أمرًا حصلتُ على إذنٍ صريح بشأنه.’
فكل ما فعلته هو أنني أطعتُ أمر الدوق الأكبر، “لا تدعيهم يستخفّون بكِ”، على أكمل وجه.
‘فما الذي أزعجه إذن؟’
وبينما كنتُ أفكّر في الأمر، دخل الدوق الأكبر الحمّام. وتردّد صوته هادئًا من الداخل.
“على أيّ حال، لقد بذلتِ جهدًا كبيرًا. لن تكون هناك حاجة إلى استدعائك مجددًا اليوم، لذا ارتاحي أنتِ أيضًا، يا كبيرة الخدم.”
“……نعم، سموّك.”
قلتُ له أن يرتاح، ثم غادرتُ غرفته واتجهتُ إلى غرفتي.
كانت الغرفة المخصّصة لي ملاصقةً لغرفته مباشرةً، ولم تكن تختلف عنها كثيرًا.
‘كما توقّعت، القصر الإمبراطوري قصرٌ إمبراطوري.’
كان قصر الدوق الأكبر واسعًا وضخمًا إلى حدّ يجعل المرء يلعن من شدّة اتساعه، لكن القصر الإمبراطوري لم يكن أقلّ منه، بل كان يفوقه.
‘أهذه هي قوّة الإمبراطورية التي حظيت بمباركة شجرة العالم؟’
بدا لي أن القصر الإمبراطوري لإمبراطورية تيناسيس لا يرقى حتى إلى مستوى المقارنة بقصر إمبراطورية كاديا.
خرجتُ إلى الشرفة.
وحين استنشقتُ الهواء البارد، هدأ رأسي وصدري.
‘إذن، ستبدأ الاجتماعات غدًا……’
اجتماعات تتمحور حول هدنة وتحالف بين إمبراطورية كاديا وإمبراطورية تيناسيس.
قالوا إنهم لا يعرفون كم من الوقت سيستغرق الوصول إلى قرار.
‘تحالف……’
رغم أنني كبيرة خدم عائلة الدوق الأكبر الآن، فقد كنتُ قد واجهتُ الدوق الأكبر بالسيف في ساحات المعارك مدة خمس سنوات كاملة.
أي إن المشاعر التي بيننا ليست شيئًا يمكن تسويته ببساطة بمجرّد هدنة أو تحالف.
‘على أيّ حال، إذا أصبحنا حليفين، فلن نعود عدوّين بعد الآن.’
لن أضطرّ إلى قطع رأسه، ولن أضطرّ إلى شتمه من خلف رأسه لأنني أراه مستفزًّا.
‘فهل ينبغي أن أعدّ هذا أمرًا جيّدًا، أم أمرًا مؤسفًا؟’
كنتُ أودّ أن نحسم المنافسة بيننا مرةً واحدة على الأقل……
‘هذا مؤسف قليلًا.’
لا بدّ أن تأتي فرصةٌ ما يومًا ما. حسنًا…… وإن لم تأتِ، فلا حيلة في ذلك.
“هاااه……”
أسندتُ جسدي إلى الدرابزين، ورفعتُ نظري إلى سماء الليل. كانت السماء الصافية، الخالية من سحابة واحدة، تتلألأ بعدد لا يُحصى منالنجوم.
وبدت كأنها جواهر ذهبية انسكبت فوق مخمل أسود.
وقفتُ غارقةً في التفكير لبعض الوقت، تحت ضوء النجوم الذي بدا وكأنه سيتساقط نحوي في أيّ لحظة.
وهكذا مرّت ليلتي الأولى في القصر الإمبراطوري.
***
في اليوم الثاني منذ دخول الدوق الأكبر إلى الاجتماعات.
استمرّت الاجتماعات ليلًا ونهارًا، ولم يكن الوصول إلى نتيجة أمرًا سهلًا.
وبعد أن أصبحتُ صديقةً لطاهي القصر الإمبراطوري خلال يومين فقط، تمكّنتُ من تذوّق جميع الأطباق التي كان يفتخر بإعدادها.
وها أنا اليوم أيضًا أتجه إلى قاعة الطعام.
كانت قاعة الطعام والمطبخ مفتوحين في أيّ وقت، حتى يتمكّن النبلاء والمرافقون المشاركون في الاجتماعات من تناول الطعام متى شاؤوا.
وبفضل ذلك، كنتُ أستطيع الجلوس في أقرب مكان إلى الطاهي ريكسون، والحصول بسرعة على ما أشتهي من الطعام.
ومن ناحية أخرى، كان كل مرافق يدخل قاعة الطعام يكتشف وجودي، ثم يجلس بعيدًا عني.
ولعلّ ما حدث في صالة الاستراحة في اليوم الأول قد انتشر خبره، إذ لم يظهر أحد لافتعال شجار معي أو النميمة عليّ.
‘آه، ما أشدّ مللي.’
كنتُ قد تجوّلتُ في القصر الإمبراطوري حتى حفظتُ هيكله وجغرافيته عن ظهر قلب، وحتى رائحة العشب في الحديقة أصبحتُ أملّ منها.
‘في قصر الدوق الأكبر، كنتُ أركض هنا وهناك بلا توقف، حتى إنني لم أكن أشعر بمرور الوقت.’
يبدو أن الترفّه هكذا ليس ممتعًا على الإطلاق.
“ما بكِ يا آنسة فريا؟”
وضع طاهي القصر الإمبراطوري ريكسون طبقًا أمامي.
“فكّري في مشكلاتك وأنتِ تأكلين أيضًا.”
“نعم، شكرًا، سأستمتع بالطعام.”
كان على الطبق الذي وضعه ريكسون قطعةٌ من فطيرة الخوخ.
وبين قشرة الفطيرة الذهبية ذات الشبكة المخبوزة حتى صارت مقرمشة، كان الخوخ الرطب المغطّى بشراب سكّر شفاف يبدو شهيًّا للغاية.
قطعتُ طرف القطعة المدبّب بسكّيني، ورفعته مستويًا.
عندها.
“ماذا تفعلين وحدكِ، يا كبيرة الخدم؟”
“همم……؟”
رفعتُ نظري، فإذا بوليّ العهد المتلألئ يجلس أمامي، وينظر إليّ.
‘يا إلهي! لقد أفزعني!’
ارتددتُ إلى الخلف بجذعي بسرعة، وقد انتفضتُ من شدة المفاجأة.
“سـ، سموّ وليّ العهد؟!”
نظرتُ إلى وليّ العهد بملامح لا تصدّق، حتى إنني نسيتُ إلقاء التحية عليه.
لكن وليّ العهد ابتسم ابتسامةً مشرقةً، وكأن تعبير وجهي ذاك مسلٍّ له.
كانت تلك الابتسامة الشبيهة بالقناع التي رأيتها في الوليمة.
“هل تلك لذيذة؟ هل يمكنني أن أتذوّق قضمةً منها؟”
“……”
لم تكن هناك مشكلة، فالشوكة لم تكن قد لامست فمي أصلًا.
‘لكن أن أُطعِمَ وليّ العهد الفطيرة بيدي، وأنا كبيرة خدم عائلة الدوق الأكبر… ……هل هذا مقبول؟’
وضعتُ الشوكة بهدوء، وابتسمتُ ابتسامةً مجاملةً.
“لا يمكنني ذلك، سموّك. سأطلب من ريكسون أن يحضّر لك قطعةً جديدةً.”
نظرتُ نحو المطبخ. وفي تلك اللحظة، التقت عيناي بعيني ريكسون.
تبادلنا نظراتٍ صامتة، ثم أومأ كلٌّ منا برأسه إيماءةً قصيرة.
“هاها.”
ضحك وليّ العهد ضحكةً قصيرةً وهو يراني أفعل ذلك.
فنظرتُ إليه، ثم التقطتُ الشوكة مجددًا، وأدخلتُ قطعة الفطيرة إلى فمي وكأن شيئًا لم يحدث.
‘ظهر فجأةً، وطلب طلبًا غريبًا، ومع ذلك لا يبدو مكروهًا… لا بدّ أن الفضل يعود إلى ذلك الوجه.’
كان وليّ العهد يتمتّع بملامح شديدة الوسامة. وكنتُ أنا أيضًا لافتةَ المظهر، حتى إن وجهي كان يجذب أنظار الناس، لكن اجتماعنا معًاجعل ذلك التأثير مضاعفًا بصورةٍ هائلة.
أخذ خدم القصر الإمبراطوري والمرافقون التابعون للعائلات الأخرى، الذين مرّوا بالقرب منا، يختلسون النظر إلى طاولتنا.
‘بعد أن تخلّصتُ من شائعة، يبدو أنني على وشك أن أكتسب شائعةً أخرى.’
ترى، هل ستنتشر هذه المرة شائعةٌ تقول إنني أدفّئ سرير وليّ العهد؟
تنهدتُ، ثم أرسلتُ نظرةً إلى الطاهي ريكسون، الذي كان يتفرّج علينا.
ففهم ريكسون سريعًا، وأومأ برأسه، ثم أحضر على عجل قطعةً من فطيرة الخوخ.
“سموّك، لقد أعددتُ لك قطعةً خاصةً هنا.”
التقت عيناي بعيني ريكسون. أومأتُ برأسي شكرًا، فأومأ هو أيضًا، وكأنه فهم ما أردتُ قوله.
“واو.”
أبدى وليّ العهد إعجابه بإيجاز، ثم التقط الشوكة وقطع الفطيرة.
“شكرًا لك، ريكسون.”
“لا داعي للشكر. هناك المزيد مُعَدًّا، فأخبرني إن لم يكفِك.”
“حسنًا.”
أومأ وليّ العهد برأسه، ثم تناول الفطيرة. وحين انشغل بأكلها وهدأ، أخذتُ أنا أيضًا أتناول فطيرتي على مهل.
ملأت الرائحة المنعشة والحلوة فمي ورأسي.
عندها التقت عيناي بعيني وليّ العهد، الذي كان يأكل الفطيرة بأدبٍ وهدوء.
كان ينظر إليّ بعينين يقظتين، وحين التقت أعيننا، أخذت شفتاه تتحرّكان، وكأنه يريد أن يكلّمني بشيءٍ آخر.
فسارعتُ بالكلام قبل أن يفتح فمه.
“سموّك.”
“نعم، يا كبيرة الخدم؟”
“أرجو أن تتحدّث إليّ براحةٍ أكبر. حين تكلّمني بصيغة الاحترام، أشعر بالقلق من نظرات الآخرين، ولا أستطيع التصرّف على طبيعتي.”
“لم أكن أعلم أنك تهتمّين بنظرات الآخرين.”
“ليس لأنني أهتمّ بسمعتي، بل لأنني أخشى أن أسبّب ضررًا لعائلة الدوق الأكبر.”
“آه.”
ضحك وليّ العهد وهو يلقي نظرةً خاطفةً حوله.
“حسنًا، لا بأس. ليس الأمر صعبًا إلى هذه الدرجة. إذن… هل يمكنني أن أناديكِ فريا؟”
فكّرتُ أن ذلك أفضل من أن يظلّ يناديني “يا كبيرة الخدم”.
“نعم، نادني هكذا.”
“حسنًا، يا فريا. أنتِ أول كبيرة خدم توبّخني لأنني أتحدّث إليها بصيغة الاحترام.”
“أفلا تتحدّث بصيغة الاحترام حتى مع كبار خدم العائلات الأخرى؟”
“هاه؟ لا؟”
“ماذا؟”
“كيف يمكن لكبير خدم عائلةٍ أخرى أن يتحدّث معي؟”
يا للجرأة.
آهاهاهاها.
دوّى ضحك وليّ العهد البريء في أرجاء قاعة الطعام.
“لكن، لماذا أنا……”
وحين سألته بملامح لا تصدّق، أجاب وليّ العهد على الفور:
“لأنكِ جميلة؟”
“……”
هذا الوغد، إنه مهووس بالمظهر إلى حدٍّ لا يُطاق.
واصل وليّ العهد حديثه.
“وفوق ذلك، أنتِ أول كبيرة خدم امرأة في إمبراطوريتنا. بل قد تكونين الأولى في القارّة بأسرها. أول كبيرة خدم امرأة لم تدخل الأكاديميةحتى. ألا يثير هذا فضول أيّ شخص؟”
“……”
وحين عبستُ، ضحك وليّ العهد.
“وفوق كلّ شيء، أنتِ من أتباع كادريان.”
“……”
ابتسم وليّ العهد ابتسامةً خفيفةً، وأخذ ينظر إليّ نظرةً عميقةً.
فصرفتُ نظري عنه قليلًا، وارتشفتُ الشاي من الفنجان الذي أحضره ريكسون.
وبعد أن ظلّ وليّ العهد صامتًا لبعض الوقت، يفكّر بجدّية، قال بصوتٍ بدا وكأنه اتخذ قرارًا مفاجئًا:
“حسنًا! فريا، سأجعلكِ أول صديقةٍ لي من كبار الخدم!”
“……عفوًا؟”
صديقةٌ فجأةً؟ يا له من وليّ عهدٍ عجيب، لا يأتي كلامه في أوانه أبدًا.
لم أعد أرغب في مواصلة الحديث معه، فنهضتُ.
“لا بدّ أن سموّ الدوق الأكبر قد عاد إلى غرفته الآن، لذا سأذهب أنا أيضًا.”
“هاه؟ سترحلين؟”
“نعم.”
أجبتُ بإيجاز، ثم استدرتُ.
عندها.
“ماذا تفعلان أنتما الاثنان الآن؟”
كان الدوق الأكبر يقف أمامي، وينظر إليّ وإلى وليّ العهد بالتناوب، بعينين تشتعلان حدّةً.
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ بــوني 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.