الفصل 35
⟢ الفصلُ 35 ⟢
‘من هيئتهم، يبدو أنهم مساعدين أو فرسان حرس.’
يبدو أنني كبير الخدم الوحيدة هنا.
كان ما يقارب نصف المرافقين جالسين بمفردهم في المقاعد المخصّصة لعائلاتهم، منشغلين بما يتعيّن عليهم فعله.
‘أما الباقون، فيبدو أنهم مجتمعون مع من تربطهم بهم معرفة.’
كانت المشاعر التي يمكنني استشفافها من نظراتهم إليّ تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية:
الاستياء، والفضول، واللامبالاة التي استحوذت على معظمهم.
لم يكن الجو سيئًا كما توقعت.
‘كنت أتوقّع أن ينهشني الجميع، لذا فإن الأمور على هذا النحو تبعث على الامتنان.’
تجاهلت نظراتهم باستخفاف، وسرت عبر وسط صالة الاستراحة حتى وصلت إلى مقاعد عائلة الدوق الأكبر بالوت.
ظلت الأنظار تلاحقني طوال الطريق. وحتى بعد أن وجدت مقعدي، بدا أنهم يتبادلون الهمسات فيما بينهم.
‘لنرَ. لا بد أن ذلك الوغد قد صعد إلى الطابق الثاني أيضًا…’
كانت صالة الاستراحة أصغر من قاعة الولائم في الطابق الأول، لكن كثرة المرافقين فيها جعلت العثور على شخص واحد يستغرق وقتًا لابأس به.
‘آه، ها هو هناك.’
التقت عيناي بعيني أحدهم.
ذلك الوجه الذي لمحته في قاعة الولائم بالطابق الأول.
حين عثرت عليه، كان هو أيضًا يحدّق بي، وكانت عيناه تلمعان كما لو أنه اكتشف لعبة غريبة.
‘لم يتغيّر.’
تلك النظرة اللعينة.
قد لا يكون قادرًا على التعرّف عليّ، لكنني عرفت هويته في الحال.
‘ذلك الطبيب المجنون.’
كان الطبيب الذي خدم إلى جانب سيرهين في إمبراطورية تيناسيس، دريك فيلهايل.
‘اختفى عن الأنظار منذ ثلاث سنوات قبل موتي، فإذا به قد دخل إمبراطورية كاديا.’
حين رأيت دريك قبل قليل في قاعة الولائم بالطابق الأول، كان برفقة ربّ عائلة كونت دوفين.
تحقّقت مرة أخرى من العائلة التي ينتمي إليها، بعدما تأكّدت من اللافتة المرسوم عليها شعار العائلة فوق الطاولة التي كان يجلس إليها.
نسر يحمل درعًا على ظهره.
‘إنها عائلة كونت دوفين فعلًا.’
سبق أن سمعت عن عائلة كونت دوفين من العجوز.
–”حين مات الابن الأكبر، الوريث الواعد، آلت وراثة منصب ربّ العائلة في النهاية إلى الابن الثاني. ومنذ ذلك الحين، بدأت العائلة فيالانحدار. فقد كان الابن الثاني وغدًا لا يملك من القدرات إلا القليل، بينما تعجّ نفسه بالطمع.”
أذكر أن تقييم العجوز له كان لاذعًا للغاية.
وكان قد قال إن هناك شائعة أيضًا تفيد بأن الابن الثاني هو من قتل أخاه الأكبر.
‘على أي حال، يبدو أنه انضم إلى ذلك الوغد.’
كان دريك وغدًا دنيئًا وقاسيًا للغاية.
‘أو لعلّني أقول إنه لا يرى الناس بشرًا.’
كان يعتبرهم مجرّد عينات تجارب، لا أكثر، قادرة على إنجاح تجاربه.
ولهذا، كانت نظرته إليّ تبدو أحيانًا مقزّزة ومثيرة للاشمئزاز.
‘ربما كان سيستخدمني عيّنةً لتجاربه لو لم يكن سيرهين موجودًا في خضمّ الأمر.’
لم يكن من المعقول أن ينضمّ شخص مثله إلى أي عائلة من دون أن تكون لديه خطة.
‘لا بد أن هناك سببًا لانضمامه إلى عائلة كونت دوفين.’
ما عساه يكون؟
واصلتُ السير، متجاوزةً دريك.
وبما أن مقاعد عائلة الدوق الأكبر بالوت كانت في أقصى الطرف، فقد اضطررت إلى تجاوز مقاعد عائلة كونت دوفين، ثم واصلت السير قليلًاوأنا أدير ظهري إليه.
وحين وصلت إلى مقاعد العائلة، جلست على الأريكة في الاتجاه الذي يتيح لي رؤية المرافقين الآخرين بوضوح.
كان من المزعج قليلًا أن يكون دريك أمامي مباشرة، لكن…
“فولكين! ما الذي تنظر إليه بهذا التحديق؟ هل أنت مهتم أيضًا بتلك المرأة؟”
جلس أحد المرافقين التابعين لعائلة أخرى إلى جانب دريك، ووضع ذراعه حول كتفه.
‘فولكين؟’
يبدو أنه اسم مستعار يستخدمه هنا.
أدرت نظري عنهم.
يتظاهرون بالهمس، لكنهم لا يخفضون أصواتهم؟ كان واضحًا أنهم يتعمّدون لفت الانتباه.
تلك المرأة كذا، وكونها امرأة كذا…
كان هذا النوع من المواقف يتكرر كثيرًا في إمبراطورية تيناسيس أيضًا.
ولعلّه كان الثقل الذي كان عليّ تحمّله بعدما أصبحت فارسة، ثم حارسةً شخصيةً لوليّ العهد، وأنا امرأة.
‘بغضّ النظر عن الجنسية، أمثال هؤلاء موجودون في كل مكان.’
وبالمقارنة مع أولئك الفرسان الذين كانوا يحتقرونني في إمبراطورية تيناسيس، كان هؤلاء المرافقون ألطف بكثير.
عندها…
“كبير خدم امرأة؟ هل العالم على وشك الانهيار؟ أليس كذلك يا فولكين؟”
رفع الرجل الذي كان يضع يده على كتف دريك صوته أكثر من ذي قبل.
“……”
آه، حسنًا. إذن أنتم أيضًا لستم لطفاء تمامًا، أليس كذلك؟
تظاهرت بأنني لم أسمع، وعقدت ساقًا فوق الأخرى، ثم أسندت ظهري بعمق إلى الأريكة.
وحين لم أبدِ أي رد فعل، أخذت حدة الكلمات الموجّهة إليّ تتصاعد تدريجيًا.
“يا لها من فضيحة للإمبراطورية. يكاد المرء يخشى أن تعلم الإمبراطوريات الأخرى بالأمر.”
“يا لها من وقاحة. أن تتجرّأ على الظهور في مكان كهذا. ألا تعلم أن ذلك يلطّخ سمعة عائلة الدوق الأكبر؟”
“لو كانت تملك عقلًا يفكّر بهذه الطريقة، فهل كانت ستقبل منصب كبير الخدم أصلًا؟”
آهاهاهاها. أخذ المرافقون يضحكون بالتناوب.
‘آهاهاهاها!’
فضحكت في داخلي معهم.
أهذا ما تسمّونه إهانة؟
‘يا لهم من ظرفاء.’
رفعت إبريق الشاي الذي كان مُعَدًّا مسبقًا فوق الطاولة، وسكبت الشاي في فنجاني.
تدفّق الشاي الذهبي في خريرٍ خفيف، حتى امتلأ الفنجان.
واستمرّت الإهانات الظريفة بعد ذلك.
“ترى، ألن يصبح كبير الطهاة في قصر الدوق الأكبر، وحتى مسؤول الإسطبلات، امرأةً أيضًا؟”
“هناك أعمال تليق بالنساء، وأعمال تليق بالرجال.”
ثم بدأ محور الإهانات يتغيّر تدريجيًا.
“ومن قال إن الأمر يقتصر على الفرسان؟ أيّ رجل سيكتفي بجعل امرأة بهذا الوجه وبهذه القوام كبيرَ خدمٍ فحسب؟ لعلّ مهنتها الحقيقيةليست كبير الخدم أصلًا.”
“ماذا تقصد؟”
“أقصد أنه قد تكون لها مهنة أخرى في الحقيقة. أما منصب كبير الخدم، فليس سوى غطاء.”
“أوه! يبدو هذا منطقيًا! الآن فهمت. تُرى، ألهذا السبب رفض الدوق الأكبر كل تلك الزيجات المناسبة التي عُرضت عليه طوال هذه المدة؟”
“صحيح، ما دام قد أبقى امرأةً كهذه إلى جانبه، فكيف يمكن أن تستهويه أيّ من النبيلات الأخريات؟”
“……”
لقد تجاوزوا الحدّ أخيرًا.
فلم يكتفِ أولئك القوم بإهانتي، بل أخذوا يسيئون إلى الدوق الأكبر أيضًا.
وحين أدرك بعض المرافقين ذلك، التزموا الصمت فجأة.
–”لا تدعيهم يستخفّون بكِ.”
تردّد صوت الدوق الأكبر في ذهني.
طَقّ—. وضعت الفنجان، ثم رفعت نظري ببطء.
ارتجف المرافقون المجتمعون حول دريك، وتقلصت أكتافهم حين التقت أعينهم بعينيّ.
أملت رأسي ببطء إلى أحد الجانبين، وعقدت ذراعيّ أمام صدري، ثم تمتمت قائلة:
“لا تملكون الشجاعة للثرثرة أمام الدوق الأكبر، لكن كون كبير خدم عائلة الدوق الأكبر امرأةً يثير حفيظتكم بشدة.”
“……”
تبًّا.
“يا لكم من حمقى.”
“مـ، ماذا؟!”
لم يكن صوتي مرتفعًا جدًا، لكن يبدو أنهم سمعوني بوضوح، لأن القاعة كانت هادئة للغاية.
وعلى إثر كلامي، نهض بعضهم من الأرائك دفعةً واحدة، وقد احمرّت وجوههم.
واصلت حديثي بهدوء:
“آه، هل سمعتموني؟ يبدو أنني رفعت صوتي أكثر مما ينبغي وأنا أكلّم نفسي. كنتم جميعًا تتحدّثون إلى أنفسكم بهذا القدر من ارتفاعالصوت، فظننت أنني أستطيع فعل الشيء نفسه.”
“……هـ، هل جُننتِ؟”
أملت رأسي متسائلةً.
“هل كونِي امرأةً مهمّ إلى هذه الدرجة؟ حسنًا، قد يكون مهمًّا، لا بأس. لكن يبدو أن جماعتكم وحدها هي التي لا تستطيع كبح جماح نفسهاعن التذمّر في هذا المكان.”
“……”
عندها فقط، بدأ المرافقون الثلاثة أو الأربعة المجتمعون حول دريك يلتفتون إلى ما يحيط بهم.
أما المرافقون الذين لم يكن لديهم تجاهي سوى الفضول أو اللامبالاة، فقد نظروا إليهم بازدراء بسبب تصريحاتهم المتجاوزة للحدود، أو هزّوارؤوسهم وكأنهم يرونهم مثيرين للشفقة.
فصرخ أحد المرافقين الذين احمرّت وجوههم حتى كادت تنفجر:
“نـ، نحن قلقون من أن تتضرّر سمعة عائلة الدوق الأكبر وسمعة سموّه! نعم، هذا كل ما في الأمر! كنا قلقين فحسب!”
يا للعجب.
ضحكتُ ضحكةً خفيفة.
“كون كبير خدم عائلة الدوق الأكبر امرأةً يشوّه سمعة العائلة؟ بعد أن تفوّهتم بتلك النكات الوضيعة، يبدو أن سمعة عائلاتكم نفسها لاتستحقّ القلق، أليس كذلك؟”
“ماذا قلتِ؟!”
“ثم إنني…”
رفعتُ أحد طرفي فمي مبتسمةً، وواصلت حديثي:
“إذا كنتم قلقين إلى هذا الحدّ على سموّ الدوق الأكبر، فهل تجرؤون على تكرار تلك التصريحات أمامه مباشرةً؟ يمكنني أن أهيّئ لكم المكانبنفسي.”
“……ماذا؟”
“لماذا؟ ألا تستطيعون؟ هل تريدونني أن أقولها بالنيابة عنكم؟ ‘يا سمو سموّ الدوق الأكبر، كيف تجرؤ على تعيين امرأة في منصب كبيرالخدم؟ هل فقدت صوابك؟ بسببك هُويَت شرف العائلات العريقة إلى الحضيض! آه، أحقًّا أبقيتها إلى جانبك لأن الليل كان موحشًا؟ أوه، ياله من ذوق غريب! هاهاها.’ هل أبلّغه ذلك؟”
فارتبك المرافق، وأخذ يتلعثم.
“لـ، لا، أنا لم أقل إلى هذا الحدّ—.”
“أنا.”
قاطعته، ثم خفضت رأسي قليلًا وقلت:
“سأنقل ذلك بنفسي، نيابةً عنكم، يا سادة المرافقين التابعين للماركيز دويلِت، وكونت سترون، وكونت مايلو.”
ما رأيكم؟ أأعجبكم الأمر؟
عندها بدأت وجوه المرافقين الذين ناديتُ عائلاتهم بأسمائهم تشحب حتى صارت شاحبةً كالثلج.
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ بــوني 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.