الفصل 33
⟢ الفصلُ 33 ⟢
انحنيتُ برأسي انحناءةً خفيفة تحيةً له، ثم رسمتُ على شفتي ابتسامةً كنتُ قد تمرّنتُ عليها وأتقنتُها مرارًا.
وفي لحظة، حبس جميع من في قاعة الولائم، الذين كانوا يتهامسون، أنفاسهم.
“سعيدةٌ بلقائك، يا سعادة الماركيز غريفن. أنا فريا، خادمة عائلة الدوق الأكبر. أتطلّع إلى حسن تعاوننا.”
كان هذا المكان، بفضل ما مهّده لي الدوق الأكبر، بمثابة أول ظهور رسمي لي بصفتي كبيرة خدم.
لقد أُتيحت لي الفرصة، ولا يمكنني أن أضيّعها.
لعلّ الماركيز غريفن أيضًا لا يعرف عني الكثير.
كبيرة خدم لم تتخرّج حتى من أكاديمية كبيرو الخدم، وفوق ذلك، امرأة.
‘مهما كان الدوق الأكبر هو من قدّمني إليه، فلا بد أن لديه الكثير من الشكوك.’
وكأنني كنتُ أنتظر ذلك، تابعتُ حديثي:
“كيف كانت الأعشاب الطبية التي أرسلتها إليكم عائلة الدوق الأكبر في المرة السابقة؟ وهل تحسّنت حالة زوجة الماركيز؟”
“همم؟”
اتسعت عينا الماركيز غريفن.
“آه، لا تقل لي إنكِ أنتِ من أرسل تلك الأعشاب؟”
أومأتُ برأسي مرةً واحدة وأنا أبتسم.
“كنتُ أعرف قليلًا عن المرض الذي تعاني منه زوجة الماركيز. لذا تحدثتُ مع الطبيب الخاص لعائلة الدوق الأكبر، ثم وصفتُ الأعشاب الطبيةوأرسلتُها إليكم.”
عندها نظر الماركيز غريفن إلى الدوق الأكبر وسأله:
“أهذا صحيح يا سموّك؟!”
أومأ الدوق الأكبر برأسه.
“سمعتُ أنها رتّبت الأمر على هذا النحو أثناء وجودي في ساحة المعركة. لم أكن أعلم أنها تهتم حتى بشؤون أتباع عائلتي.”
“وبالطبع، فإن المال الذي استُخدم لشراء تلك الأعشاب كلّه خرج من خزينة سموّك.”
فضحكتُ بخفة، فانفجر الماركيز غريفن ضاحكًا بصوتٍ عالٍ.
“لقد كنتُ أقف أمام من أحسن إليّ ولم أتعرف إليها.”
ثم نظر الماركيز إلى الدوق الأكبر وقال:
“سموّك. لقد كانت تلك الأعشاب فعّالةً على نحو مذهل! فزوجتي، التي لم تتمكن من النهوض من سريرها طوال ثلاث سنوات، ما إن شربتمغليّ تلك الأعشاب حتى نهضت بعد يومين وخرجت للتنزّه في الحديقة!”
ثم نظر الماركيز غريفن إليّ هذه المرة.
“قال طبيب عائلتنا إن الحصول على تلك الأعشاب لم يكن سهلًا على الأرجح.”
أجبتُ بهدوء:
“في الحقيقة، تلك الأعشاب…….”
ثم تابعتُ شرحي، مضيفةً قليلًا من الكذب إلى ما كنتُ أعرفه.
في الواقع، كنتُ أعرف الكثير عن ذلك المرض وتلك الأعشاب.
‘قيل إن زوجة الماركيز طريحة الفراش منذ ثلاث سنوات.’
إذًا، التوقيت يتوافق تقريبًا.
كان المرض الذي تعاني منه زوجة الماركيز غريفن مرضًا تعمّد وليّ عهد إمبراطورية تيناسيس، سيرهين، ابتكاره.
‘وبالدقة، كان أحد أتباع سيرهين، ذلك الطبيب المجنون، هو من ابتكره.’
كان سيرهين يعلم أنه مع استمرار الحرب، بدأ الفارق بين إمبراطورية تيناسيس وإمبراطورية كاديا يتّسع تدريجيًا.
كما كان يعلم أنه إذا استمر الوضع على هذا النحو، فسيأتي يومٌ تفقد فيه تيناسيس منطقة النزاع في ريمارت.
“لا يكفيهم أنهم يطمعون في شجرة العالم، بل إنهم يطمعون حتى في ريمارت! أليسوا قومًا بلغ جشعهم عنان السماء؟ لا بد أن ذبول شجرةالعالم عقابٌ سماويّ نزل على أولئك الجشعين!”
غضب سيرهين. ثم وضع خطةً مع ذلك الطبيب المجنون.
كانت خطته أن يبدأ بإسقاط إمبراطورية كاديا من الداخل.
وفي البداية، قرروا نشر القلق والخوف بين مواطني الإمبراطورية. وأفضل وسيلة لذلك كانت وباءً معديًا لا علاج له.
“لا جدوى من نشره في الأحياء الفقيرة. سنجري التجربة على إحدى العائلات النبيلة المرموقة في إمبراطورية كاديا. يجب أن نُظهر لهم أنحتى العائلات التي تملك المال والنفوذ لا تستطيع علاج ذلك المرض.”
ويبدو أن الخطة كانت تسير تمامًا كما أراد سيرهين.
يكفي أن زوجة الماركيز غريفن أصيبت بالمرض ولم يتمكنوا من علاجه طوال ثلاث سنوات.
‘كل ذلك كان المشهد الذي أراده سيرهين.’
وحين يتأكد سيرهين من أن المرض غير قابل للعلاج، كان يخطط لإكسابه خاصية العدوى ونشره في أنحاء إمبراطورية كاديا بأسرها.
كنتُ قد رأيتُ وسمعتُ كل تفاصيل تلك الخطة عن قرب، ولم أفعل سوى الوقوف موقف المتفرّج.
‘لكن يبدو أنني أفسدتُ خطته الآن.’
لا أشعر بالندم على إفساد خطة سيرهين. ففي الأصل، كنتُ أكره ذلك النوع من التضحية العشوائية التي لا تميّز بين أحد.
‘الشعور بالذنب؟’
حسنًا، لا يمكنني القول إنني لا أشعر به مطلقًا. لكنني أيضًا لم أفعل ذلك بدافع عقلية البطل العظيمة.
في النهاية، سيكون الأصح القول إن ما دفعني إلى التحرّك بنفسي كان لأجلي أنا تمامًا.
لقد وضعتُ أساسًا لكسب ثقة الدوق الأكبر، بل وحتى ثقة أتباع عائلة الدوق الأكبر، مستفيدةً من معرفتي المتعلقة بذلك المرض.
‘وفوق ذلك، إن تحسنت حالة المريضة، فسيكون الأمر جيدًا للجميع.’
حاولتُ بهذه الطريقة تخفيف وطأة الشعور بالذنب الذي كان يثقل جانبًا من قلبي.
‘لكن الأمر لم ينتهِ بعد.’
لا تزال هناك إمكانية لحدوث شيء ما.
نظرتُ إلى الماركيز غريفن بعينين أثقلهما القلق قليلًا.
“يا سعادة الماركيز. أعتذر عن قول ذلك، لكنني كتبتُ أيضًا في الرسالة التي أرسلتُها سابقًا أن هذه الأعشاب ليست علاجًا شافيًا تمامًا.”
عندها، أومأ الماركيز برأسه بثقل.
“……أجل، أعلم. ومع ذلك، المهم أنها استطاعت النهوض من فراشها. وما دامت حالتها لا تزداد سوءًا، فأنا راضٍ بذلك.”
“…….”
كان الأمر كذلك بالفعل. فالدواء الذي يمكن تحضيره من تلك الأعشاب لم يكن كاملًا.
لأن المكوّن الأخير المطلوب لم يعد من الممكن الحصول عليه.
–”أتدرين لماذا قلتُ إن هذا المرض لا علاج له، يا سيا؟”
–”ولماذا؟ لا بد أنه شديد السُّمية إلى تلك الدرجة؟”
“هناك مكوّن لا بد من إضافته لعلاج هذا المرض شفاءً تامًّا. لكن لم يعد من الممكن الحصول عليه الآن، ولهذا السبب. من المستحيل الحصولعليه.”
“وما هو؟”
ارتسمت على وجه سيرهين ابتسامة نادرة.
نظر إليّ، وابتسم ابتسامةً مفعمةً بالنشوة، كاشفًا عن أسنانه البيضاء وكأنه مسرور للغاية.
“أوراق شجرة العالم.”
“……آه.”
“فشجرة العالم لن تُنبت الأوراق مجددًا بعد الآن. ولهذا، لن يظهر علاجٌ لهذا المرض أبدًا.”
“…….”
وكما قال سيرهين، إذا كانت أوراق شجرة العالم هي القطعة الأخيرة اللازمة لإتمام العلاج، فنعم، لن يكتمل ذلك العلاج أبدًا.
ومع ذلك، وبسبب تحسّن حالة زوجة الماركيز، سيضطر سيرهين إلى تعديل خططه المتعلقة بالوباء وتحسينها لبعض الوقت.
وبذلك وحده، كنتُ قد كسبتُ لإمبراطورية كاديا بعض الوقت.
‘حسنًا، لقد انتهيتُ من أمر الماركيز في الوقت الحالي.’
كانت عائلة الماركيز غريفن أكثر عائلات أتباع عائلة الدوق الأكبر نفوذًا.
وبما أنني كسبتُ ودّ ذلك الماركيز، فيمكن القول إنني تجاوزتُ عقبةً كبرى.
***
كان كادريان بالوت، الدوق الأكبر، ربَّ العائلة الدوقية الكبرى الوحيدة في إمبراطورية كاديا.
وكان فينسنت غريفن، الماركيز، أحد أتباع تلك العائلة الدوقية الكبرى.
كان نفوذ هاتين العائلتين في الإمبراطورية عظيمًا إلى درجة يصعب وصفها بالكلمات.
وبين هاتين الشخصيتين البارزتين، كانت تقف امرأة.
فلو كانت شابًّا من النبلاء العاديين، لما استطاع حتى أن يتفوّه بكلمة أمام هذين الرجلين، لكن تلك الشابة التي كانت كبيرة خدم بدت مرتاحةوواثقة إلى حدٍّ لافت.
فمن وقفتها المستقيمة التي لم تتزعزع ولو للحظة، إلى كل تعبير يظهر على وجهها أثناء تبادل الحديث، كانت الهيبة والوقار اللذان يفوحان منكامل جسدها يثيران الإعجاب.
ورغم أنها كانت تقف وحدها بين هاتين الشخصيتين العظيمتين، فإنها لم تبدُ غريبة عن المكان أو أقلّ شأنًا منهما.
وكان ذلك ما أزعج الكونت إيغر دوفين، فتمتم متبرّمًا:
“أتلك الفتاة هي كبيرة خدم عائلة الدوق الأكبر؟”
عندها، منعه صديقه المقرّب، الكونت فيكتور سبود، من مواصلة كلامه.
“يا إيغر، انتبه إلى لسانك. مهما كانت لا تعجبك، فهي في النهاية كبيرة خدم عائلة الدوق الأكبر، أليست كذلك؟”
ثم وبّخه قائلًا إنّه ألم يرَ كيف وبّخ الماركيز غريفن أولئك الأشخاص قبل قليل.
لكن إيغر لم يصمت بسهولة.
“يا للعجب. وهل قلتُ شيئًا خاطئًا؟ كبيرة خدم امرأة؟”
مهما يكن من أمر عدم وجود أشخاص يرغبون في تولّي منصب خادم عائلة الدوق الأكبر، فكيف يمكن أن يعيّنوا كبيرة خدم لم تتخرّج حتىمن الأكاديمية؟
نقر إيغر بلسانه وقال:
“يبدو أن عائلة الدوق الأكبر قد وصلت إلى الحضيض.”
“إيغر!”
هتف فيكتور بصوتٍ خافت وقد أصابه الذعر. لكن إيغر ظلّ مثبتًا نظره على كبيرة الخدم ثم رفع كأس النبيذ وأفرغه دفعةً واحدة.
“الآن بدأتُ أشعر بالفضول لمعرفة مدى براعة تلك كبيرة الخدم. ألا توافقني؟”
“…….”
شعر فيكتور بأن الابتسامة التي ظهرت على شفتي إيغر تنذر بشيءٍ لا يطمئن.
عندها، قال إيغر للمرافق الذي كان يقف خلفه:
“فولكين.”
“نعم، يا سعادة الكونت.”
“اذهب واعرف كل ما تستطيع عن تلك الفتاة. أين وُلدت، ومن هما والداها، وأين كانت طوال هذا الوقت قبل أن تظهر هنا. أريدك أن تعرف كلما يمكن معرفته.”
فانحنى فولكيـن برأسه.
“كما تأمر، يا سعادة الكونت.”
وأخذت نظرة إيغر، وهو يحدّق في كبيرة الخدم، تزداد قتامة.
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ بــوني 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.