الفصل 31
⟢ الفصلُ 31 ⟢
ما إن أدركتُ وجود المغتالين حتى خرجتُ من غرفتي، وأخفيتُ هالتي قدر الإمكان، ثم أسرعتُ إلى غرفة الدوق الأكبر.
أغلقتُ الباب بصمت، ثم استدرتُ.
فالتقت عيناي بعينين بنفسجيتين.
كان الدوق الأكبر.
آه.
وبينما كنتُ أوصد قفل الباب بيدي، راحت عيناي تتفحّصان الجزء العلوي من جسد الدوق الأكبر.
كان من الجيد أنه، بعدما أدرك وجود القتلة، قد خرج من الحمّام مسبقًا، لكن المشكلة أنه لم يكن يرتدي سوى سروالٍ واحد من الكتّان.
‘من الجيد أنني أحضرتُ له سروالًا مريحًا للارتداء.’
أزعجني قليلًا أنه لم يتمكن من ارتداء قميصه، لكنني واسيتُ نفسي بأن من حسن الحظ أنني لم أدخل قبل أن يرتدي سرواله.
“سموّك، يبدو أنهم ثلاثة تقريبًا.”
“حسنًا.”
أجاب الدوق الأكبر بهدوء، ثم أمسك بالسيف الذي كان مسندًا عند رأس السرير، دون أن تبدو على حركاته أي عجلة أو قلق.
ولأنه لم يتمكن بعد من تجفيف نفسه جيدًا، كانت قطرات الماء تتساقط من أطراف شعره الأسود.
وانسابت تلك القطرات على صدره وعضلات بطنه، ثم مرّت فوق ظهر يده الذي برزت فيه العروق.
كان كل ذلك يعبث ببصري.
يا له من…!
أطبقتُ على أضراسي بقوة.
لكن.
‘أنا لستُ الشخص نفسه الذي كنتُه في ذلك اليوم.’
لم تعد تلك كبيرة الخدم التي كانت ترتبك لمجرد رؤية جسد الدوق الأكبر العاري موجودة الآن. إن تلقّيتَ درسًا مرة، فعليك أن تستفيق في المرةالثانية، أليس كذلك؟
طمأنتُ نفسي بذلك وتحرّكتُ بهدوء.
نظر إليّ الدوق الأكبر للحظة، ثم رفع المصباح الموضوع فوق الطاولة الجانبية ونفخ فأطفأ شعلته.
هوووه—.
وفي لحظة، غرقت الغرفة في ظلامٍ دامس.
وووووش—.
لم يكن يتسرّب إلى الداخل سوى صوت الرياح التي تهبّ أحيانًا في الخارج عبر شقوق النافذة القديمة.
“إلى هنا.”
جذبني الدوق الأكبر من كتفي، واتخذ مكانًا في إحدى زوايا الغرفة بحيث يسهل الدفاع عنها. وانتظرنا القتلة ونحن متقاربين أكثر من ذيقبل.
شعرتُ من خلفي بحرارة جسد الدوق الأكبر. ولعله كان لا يزال يحتفظ بحرارة أعلى بكثير من المعتاد لأنه كان في حوض الاستحمام قبلقليل.
خفقان، خفقان.
كنتُ أسمع صوتًا يشبه نبضات القلب، لكنني لم أكن أعرف إن كان قلبي أم قلب الدوق الأكبر.
‘لنركّز.’
ما أهمية حرارة جسد الدوق الأكبر أو صوت نبضات قلبه؟
‘هذه أول مرة أخوض فيها قتالًا حقيقيًا أمام الدوق الأكبر بصفتي كبيرة خدم.’
لا ينبغي أن أترك أي ثغرة يمكن استخدامها ضدي.
‘وعليّ ألا أستخدم فنون السيف أو الفنون القتالية التي كنتُ أستخدمها في تيناسيس.’
في تلك اللحظة، لامس نَفَس الدوق الأكبر الساخن أذني.
“أين سيفكِ؟”
من دون أن أستدير، ظللتُ أحدّق في الباب بحدة وأجبتُ بصوت خافت:
“……ألا يبدو من الغريب أن تحمل كبيرة خدم سيفًا؟”
“كل شيء فيكِ غريب أصلًا. ولن يجعلكِ حمل سيف إضافي أقل غرابة.”
“……إن لم تكن ستؤمّن لي سيفًا، فكفّ عن إلقاء المحاضرات عليّ.”
“حسنًا. سأعطيك واحدًا، إذن.”
“ماذا؟”
حقًا؟!
كانت كلمات الدوق الأكبر مفاجئة للغاية لدرجة أنني استدرتُ بسرعة.
شهقتُ!
وذلك لأن ذقن الدوق الأكبر وشفتيه كانا أمام أنفي مباشرة.
‘إنه قريب جدًا…….’
ويبدو أن الدوق الأكبر شعر بالمسافة القريبة نفسها، إذ أبعد جسده عني قليلًا.
وعندها، اندفعت إلى أعماق رئتيّ رائحته الجسدية التي كنتُ أتجاهلها منذ قليل.
تلك الرائحة مرة أخرى.
بعد أن عشتُ وسط رجالٍ تفوح منهم رائحة العرق، كانت هذه أول مرة ألتقي فيها برجلٍ يحمل مثل هذه الرائحة.
‘لم تكن رائحة صابون، ولا عطر.’
رغم أنني لا أريد الاعتراف بذلك، فهل عليّ أن أعتبرها ببساطة رائحة جسده الطبيعية؟
أدرتُ رأسي مجددًا نحو الباب وقلت:
“……لا تنسَ ذلك الوعد.”
“…….”
لم يأتِني جواب الدوق الأكبر على الفور. ثم بعد لحظة، وضع شيئًا في يدي.
همم؟
نظرتُ إلى ما استقرّ في قبضتي.
كان مقبض سيف الدوق الأكبر الضخم.
وقال الدوق الأكبر، وهو يضع في يدي ذلك المقبض السميك والخشن الذي كان كبيرًا إلى درجة أن يده بالكاد تستطيع الإحاطة به:
“القتال بيدين عاريتين خطير. استخدمي سيفي.”
“ماذا؟”
نظرتُ إلى يدي مرة أخرى.
وبسبب المقبض السميك والطويل، بدت يدي صغيرةً وبائسة على نحوٍ خاص.
‘هل هو في كامل عقله؟ يريد مني أن أستخدم هذا؟’
في الأصل، لم يكن السيف الضخم من الأسلحة التي أستخدمها عادةً. وفوق ذلك، كان هذا السيف كبيرًا وثقيلًا إلى درجة أن الشخصالعادي سيحتاج إلى حمله بكلتا يديه.
ولم يكن من المبالغة القول إن الدوق الأكبر وحده قادر على تأرجحة سيف بهذا الحجم بيدٍ واحدة كما لو كان غصن شجرة.
نظرتُ إليه بذهول، ثم أعدتُ سيفه إلى يده وقلت:
“كيف يُفترض بي أن أتعامل مع شيء بهذا الحجم؟ حتى إن يدي لا تستطيع الإحاطة بمقبضه بالكامل.”
“لم أكن أظن أنه بهذا الكِبَر.”
“آه، لم تكن تعلم إذن. حسنًا، يجب أن أخبرك. إنه كبير. كبير جدًا. إنه أكبر شيء رأيته في حياتي.”
إنه كبييير للغاية، هل فهمت؟
“…….”
يا له من أمر.
نقرتُ بلساني، ثم أخذتُ أنقل نظري بين الباب والنافذة.
“وفوق ذلك، يكفيني أن أتخلص من أحد القتلة وأنتزع سلاحه لأستخدمه.”
فسيف القاتل الذي سيموت قريبًا سيكون كافيًا كسلاح. بل إن القتلة كانوا منتشرين من حولنا.
لذلك لم تكن هناك حاجة للقلق بشأن السلاح.
‘وإن لم أجد حلًا، فيمكنني كسر إحدى أرجل الكرسي والقتال بها، وسيكون ذلك كافيًا أيضًا.’
عندها تمتم الدوق الأكبر بصوت خافت:
“هذه طريقة لا يستخدمها في ساحة المعركة إلا الفرسان. يبدو أن كبيرة خدمنا تعرف كل أنواع الأمور.”
ارتبكتُ للحظة.
تنحنحتُ بخفة وخفضتُ صوتي وأنا أجيب:
“……حسنًا، لا بد من ذلك حين يكون الوضع طارئًا.”
على أي حال، إنه سريع البديهة في أمور غريبة حقًا.
وفي تلك اللحظة…
ساساك.
وصل إلى مسامعنا صوت احتكاك الملابس.
‘من جهة النافذة.’
وحين نظرتُ إلى النافذة ثم التفتُّ إلى الدوق الأكبر، أومأ برأسه بهدوء.
صرير—.
صدر صرير قصير من النافذة، وسرعان ما اقتحم القتلة الغرفة بسرعة.
وكانوا يدركون أصلًا أننا نكمن في انتظارهم.
كان كادريان أول من اندفع.
تحرّك ذلك الرجل الضخم بسرعة وبراعة، كبرقٍ يشقّ سماء ليلةٍ ماطرة.
آه، غغغك.
وفي لحظة واحدة، طار رأسا قاتلين.
دوووم، كراااش—!
سقطت الأجساد والرؤوس على الأرض في أوقات مختلفة، فدوّى في المكان صوتٌ صاخب.
وبالطبع، لم أبقَ مكتوفة اليدين بينما كان الدوق الأكبر يقاتل.
ولم تكن هناك حاجة أصلًا إلى انتزاع سيف أحدهم. لم يكن القتلة ضعفاء المهارة، لكن مهارة الدوق الأكبر ومهارتي كانتا تفوقان مهاراتهمبكثير.
“كح!”
أخضعتُ القاتل الأخير، ثم طرحتُ رأسه على الأرض وسألته:
“من أرسلك؟”
“…….”
ساد الصمت لوهلة، ثم أخذت رغوة ممزوجة بالدماء تتدفّق من فم القاتل.
‘اللعنة. لقد مضغ السم.’
تأكدتُ من أنفاس القاتل الأخير وهي تنقطع، ثم تراجعتُ عنه.
“أعتذر يا سموّك. كنتُ أحاول إبقاءه حيًّا لمعرفة الجهة التي تقف خلفه، لكنني…… لم أتوقع السم.”
وحين طأطأتُ رأسي، اقترب كادريان بعد أن وضع سيفه الضخم جانبًا.
“هل أُصبتِ في أي مكان؟”
“……لا. وماذا عنك يا سموّك؟”
“لا.”
أجاب الدوق الأكبر بإيجاز، ثم مرّ من جانبي وفتح النافذة.
وبعد ذلك، بدأ يلتقط أجساد القتلة المقطوعة رؤوسهم واحدًا تلو الآخر، ويلقي بها خارج النافذة.
“على أي حال، يصعب استجوابهم هنا. لهذا السبب أنا أيضًا تخلّصتُ منهم بضربة واحدة.”
“…….”
طاخ، طخ—.
كان صوت سقوط الجثث في الخارج يبعث القشعريرة في النفس.
“آه! ما هذا بحق خالق الجحيم؟!”
“وما عساه يكون؟ إنها جثة! هل هذه أول مرة ترى فيها جثة في هذه المنطقة؟! إن لم تساعدنا فابتعد من هنا!”
وصلت من خارج النافذة أصوات شجار بين صاحب النزل وبعض المارة.
وعلى أي حال، كان هذا المكان يُدار من قِبَل أحد أتباع عائلة الدوق بالوت، لذلك لم يكن هناك ما يدعو للقلق. فما إن نلقي بها حتى يتكفّلونهم بالأمر.
وقف وظهره إلى النافذة، ثم نظر إليّ.
“لا حاجة إلى المخاطرة بحياتكِ لإنقاذ أشخاصٍ اندفعوا نحونا وهم عازمون على الموت، حتى لو اضطررتِ إلى انتزاع السم من أفواههم. فعلى أي حال، سترسل الجهة نفسها قتلةً آخرين.”
من كلماته، شعرتُ بكمّ القتلة الذين جاؤوا لاغتياله حتى الآن، وبعدد الجثث التي اضطر إلى التخلّص منها.
“أريد أن أغتسل.”
“سأُعِدّ كل شيء.”
اقترحتُ عليه تغيير الغرفة بسبب رائحة الدم، لكنه رفض.
حسنًا، لم تكن رائحة الدم بهذه الدرجة لتزعج الدوق الأكبر. تمامًا كما لم تكن تزعجني.
مسحتُ الدم عن أرضية الغرفة على نحوٍ سريع، ثم جمعتُ أسلحة القتلة الملقاة على الأرض وخرجت.
وحين هممتُ بإعداد ماء الاستحمام، قال الدوق الأكبر إنه سيتولى الأمر بنفسه.
ولم يكن لديّ مانع من العودة مبكرًا للراحة، لذلك لم أُلحّ عليه مرةً ثانية.
“إذًا، استرح يا سموّك.”
“لقد احسنتي العمل.”
“نعم، يا سموّك.”
انحنيتُ برأسي انحناءة خفيفة، ثم خرجتُ من غرفة الدوق الأكبر وتخلّصتُ من الملابس التي استخدمتها لمسح الأرضية، وكذلك من الأسلحةالمتبقية.
‘أنا جائعة.’
حتى لو رأيتُ منظرًا مروّعًا يموت فيه الناس، فإن الجسد يستجيب بصدق.
كان ذلك طبيعيًا، فقد استخدمتُ الهالة وحرّكتُ جسدي.
تحمّلتُ جوعي وتبادلتُ حديثًا مقتضبًا مع صاحب النزل، ثم اتجهتُ إلى الطابق الثالث عبر الدرج.
‘لا بد أن الدوق الأكبر يستحم الآن، أليس كذلك؟’
أخرجتُ من حقيبة الأمتعة الموجودة في غرفتي ملابس جديدة ليرتديها الدوق الأكبر.
‘فقد اضطر إلى التخلّص من طقمٍ كامل بسبب ما حدث قبل قليل…….’
خطر ببالي أنه ينبغي لي شراء المزيد من الملابس التي يرتديها الدوق الأكبر قبل أن نغادر إلى القصر الإمبراطوري.
‘لقد أحضرتُ عددًا كافيًا منها، لكن لا أحد يعلم ما قد يحدث. فقد لا ينتهي الأمر بهذا الهجوم وحده.’
وقبل أن أدخل غرفة الدوق الأكبر، أصغيتُ جيدًا.
تشابوك، شراااااش—!
وصل إلى أذني الحساستين صوت ماء حوض الاستحمام وهو يفيض.
‘جيد. لا يزال يستحم.’
سأدخل بسرعة، وأضع الملابس ثم أخرج.
وبهذا التفكير، أدرتُ مقبض باب غرفة الدوق الأكبر.
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ بــوني 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.