الفصل 30
⟢ الفصلُ 30 ⟢
—”من كان المالك الأصلي لهذه الأرض؟”
وقبل أن أسمع إجابة ذلك السؤال، توقّفت العربة.
نزل الدوق الأكبر من العربة بصمت.
ومدّ يده نحوي مرة أخرى، لكنني هذه المرة أيضًا نزلت من العربة بمفردي.
لم أفعل ذلك انتقامًا منه لأنه لا يجيب عن أسئلتي.
أبدًا.
على أيّ حال، وقفنا نحن الاثنان أمام قصرٍ كبير.
كان الآن قديمًا ومتهالكًا للغاية، لكنه كان بلا شكّ مبنًى شُيّد بإتقانٍ شديد، إلى درجة أنّ عظمته وهيبته في الماضي ما زالتا واضحتين.
ظللتُ أحدّق في ذلك المبنى لبعض الوقت.
أرضٌ مُحيت من التاريخ، وعائلةٌ مُحيت، وقصرٌ مُحِي.
هل لأنني كبيرة الخدم؟
لسببٍ ما، شعرتُ بوخزةٍ في صدري وأنا أنظر إلى ذلك القصر الذي تُرك مهجورًا من دون أن يعتني به أحد.
‘لا بدّ أنّ هذا القصر كان يعجّ بالناس في يومٍ من الأيام.’
خدمٌ يتحرّكون بانشغال، وكبير خدمٍ يشرف عليهم، إلى جانب أفراد العائلة نفسها.
ولسببٍ غريب، خُيّل إليّ أنّ صورة أيامه الزاهية قد تداخلت فوق ذلك القصر العتيق.
في تلك اللحظة، دخل الدوق الأكبر إلى القصر أولًا.
وما إن هممتُ بتتبّعه إلى الداخل.
—”مـيرين! أسرعي! لقد وصلت العربة!”
—”آنستي! ستقعين إن واصلتِ الركض هكذا!”
—”لقد تأخرنا! ألا تعرفين كم مرّ من الوقت منذ آخر مرة التقينا فيها؟!”
هاه؟ ما هذا؟
أخذتُ ألتفت حولي باحثةً عن مصدر الأصوات التي سمعتها فجأة.
وبالطبع، لم يكن هناك أحدٌ آخر.
‘كان صوت امرأةٍ بالغة وفتاةٍ صغيرة.’
وخُيّل إليّ أيضًا أنّني رأيتُ طيفًا لطفلةٍ يمرّ بي على نحوٍ ضبابي.
ومن بين تلك الأصوات، كان صوت الفتاة الصغيرة مشابهًا لصوت تلك الطفلة التي سمعتها في حلمي.
‘هل تخيّلتُ الأمر؟’
أملتُ رأسي في حيرة، ثم تبعتُ الدوق الأكبر إلى داخل القصر.
وعلى خلاف مظهره الخارجي الذي بدا وكأنّه صمد بصعوبة في وجه الرياح والأمطار، كان داخل القصر بحالةٍ أفضل مما توقّعت.
وبدا وكأنّ أحدًا ظلّ يعتني به حتى آخر لحظة، إذ كان منظّمًا ونظيفًا للغاية، باستثناء طبقةٍ خفيفة من الغبار المتراكم.
“هوو—!”
نفختُ الغبار العالق على أطراف أصابعي.
“يبدو أنّه ظلّ خاليًا لفترةٍ طويلة.”
عند سماع كلامي، أومأ الدوق الأكبر برأسه.
“يأتي أفراد من عائلة الدوقية أحيانًا لتنظيفه. ومع ذلك، فقد مضى اثنا عشر عامًا على آخر مرة عاش فيها أحد هنا.”
اثنا عشر عامًا…….
لم تكن مدةً طويلة إذا ما قورنت بعمر مبنًى، لكنها كانت طويلة بما يكفي لأن تتحوّل طفلةٌ إلى شابّة.
أومأتُ برأسي وأخذتُ أتفحّص القصر ببطء.
‘لكن…….’
الأثاث والزينة لا يزالان في مكانهما.
‘فلماذا لا توجد أيّ لوحاتٍ شخصية؟’
بحثتُ بإصرار عن صورٍ أو لوحاتٍ لأعرف لمن كان هذا المنزل، لكنني لم أجد شيئًا في النهاية.
‘سيكون من الوقاحة أن أفتح الأدراج، أليس كذلك؟’
وبينما كنتُ أفكّر، وأنا أعبث بمقبض درج الطاولة الصغيرة، سمعتُ صوت الدوق الأكبر.
“ألا تتذكّرين شيئًا؟”
هذا السؤال مرة أخرى.
استدرتُ نحو الدوق الأكبر وأنـا أنظر إليه بصمت.
‘كما توقّعت، لا بدّ أنّ هناك سببًا آخر وراء إحضاري إلى هنا.’
لم يكن الدوق الأكبر شخصًا يتحرّك من دون سبب.
حتى المطعم الذي مررنا به في طريقنا إلى مقابلة كبير الكهنة كان مكانًا يحمل ذكرياتٍ لصاحبة هذا الجسد.
وهذا القصر أيضًا.
ذلك الطيف الذي رأيته للحظة عند المدخل، وصوت الفتاة الصغيرة.
ربما كانت كلّ تلك الأمور قطعًا أخرى من الأحجية ذاتها، ترتبط ببعضها.
“ألا تعتقد أنّ الوقت قد حان لتخبرني؟”
“…….”
التفت الدوق الأكبر نحوي، وتعلّقت نظراتنا ببعضها للحظة.
“يا كبيرة الخدم.”
“نعم، سموّك.”
“كلّ ما يمكنني قوله لك الآن هو.”
“…….”
“أنّه من الأفضل لكِ أن تستعيدين ذكرياتك في أسرع وقتٍ ممكن.”
“…….”
“لا فائدة من أن أخبركِ أنا أولًا. فقد تأخذين بعض التفاصيل التافهة من كلامي وتُلصقينها بما تعرفينه، فتزيدين ارتباكي. ……أليس كذلكيا كبيرة الخدم؟”
“…….”
كانت نظرة الدوق الأكبر باردة.
بل كانت أبرد وأثقل من الهواء داخل ذلك القصر، الذي خلا من أيّ دفء.
كان ذلك تحذيرًا.
‘بأنّه سيقتلني.’
لكن، وعلى الجانب الآخر، استطعتُ أن ألمح أيضًا رغبته في ألّا يقتلني.
‘لهذا السبب يأخذني خارج الدوقية ويصطحبني إلى أماكن مختلفة.’
كي يساعدني على استعادة ذكرياتي. فإذا استعدتُ ذكرياتي وأثبتُّ أنّها روحي الأصلية، فلن يضطرّ إلى قتلي.
ومن ردّة فعل الدوق الأكبر، تيقّنتُ أنّ استعادة ذكريات صاحبة هذا الجسد ستجعل خداعه أسهل.
وعندها، لن أضطرّ إلى عمل كبيرَة الخدم، وسأتمكّن من العيش براحة.
‘كما سأتمكّن من إنهاء الاستعدادات للعودة إلى تيناسيس بسرعة.’
ولكن.
لا أعرف لماذا أشعر بهذا الشعور.
هل لأنّ خداع هذا الرجل يزعج ضميري؟ أم لأنّ صاحبة هذا الجسد عزيزة على شخصٍ ما؟ أم لأنّ ذلك الشخص هو، تحديدًا، هذا الدوقالأكبر؟
“…….”
“…….”
هاه.
تجنّبتُ نظرة الدوق الأكبر وعضضتُ شفتي السفلى بإحكام.
لم يكن لديّ ما أقوله ردًّا على كلامه.
لكن ما هو مؤكّد أنّ جهود الدوق الأكبر هذه جعلت ذكريات صاحبة هذا الجسد تعود إليّ شيئًا فشيئًا.
لذلك، اكتفيتُ بالإيماء برأسي.
“سأبذل قصارى—.”
“لا أريد منك بذل قصارى جهدك.”
قال الدوق الأكبر ذلك وهو يمرّ بجانبي.
“أثبتِي أنّكِ صاحبة هذا الجسد.”
“…….”
“مرّ الدوق الأكبر بجانبي، وخرج من القصر. وظللتُ أحدّق في ظهره وهو يبتعد، وقلتُ في سرّي:
‘إيها الدوق الأكبر…… آسفة، لكن ذلك أمرٌ يستحيل عليّ إثباته، حتى لو عادت إليّ كلّ الذكريات…….’
***
عندما خرجتُ من القصر مجددًا، كانت السماء قد أظلمت بالفعل.
يبدو أنّ تهديد الدوق الأكبر لي بضرورة استعادة ذكرياتي سريعًا جعلني أنا أيضًا أشعر بالاستعجال.
لذلك، جُلتُ في أرجاء القصر كلها، لعلّني أستعيد ولو قدرًا ضئيلًا من ذكرياتي.
وبفضل خبرتي في التنقّل بين أرجاء قصر الدوقية أثناء تعلّمي لأصبح كبيرة الخدم، كان من السهل للغاية حفظ تصميم هذا القصر المتهالكومسالكه.
–”إنّ تصميمه الأساسي يشبه قصر الدوقية.”
–”أوه، إذًا كانت هذه غرفة فتاةٍ صغيرة.”
كانت الدُّمى في غرفة الفتاة الصغيرة، والكتب في المكتبة، وأدوات المائدة في المطبخ، جميعها لا تزال في أماكنها.
‘كأنّ البشر وحدهم هم من تبخّروا واختفوا.’
كان الأمر مريبًا ومخيفًا قليلًا.
وهكذا، بعد أن تفحّصتُ كلّ مكان يمكن تفحّصه، لم تخطر ببالي أيّ ذكريات في الحال.
فكان ذلك الطيف العابر الذي رأيته عند المدخل، والأصوات التي سمعتها هناك، أول ما اختبرته وآخره.
خرجتُ من القصر من دون أن أحصل على أيّ شيء يُذكر.
وحين صعدتُ إلى العربة، رأيتُ الدوق الأكبر مغمض العينين.
جلستُ بصمتٍ في المقعد المقابل له، وانطلقت العربة من جديد.
***
وبعد أن غيّرت العربة اتجاهها نحو القصر الإمبراطوري، توقّفت في الطريق عند إحدى القرى.
كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل.
توقّفت العربة أمام نُزلٍ يقع في وسط القرية.
“سنبيت هنا الليلة.”
“نعم، سموّك.”
دخلتُ النُّزل على عجل وحجزتُ الغرف.
ورغم أنّ الوقت كان متأخرًا، بقي عددٌ لا بأس به من الناس في الطابق الأول من النُّزل.
وبالنسبة إلى قريةٍ هادئة كهذه، بدا النُّزل مزدهرًا على نحوٍ لافت.
حجزتُ غرفتين متجاورتين في الطابق الثالث، ثم نقلتُ حقائب الأمتعة.
“ستستخدم هذه الغرفة يا سموّك.”
“…….”
وحرصتُ على أن تكون غرفة الدوق الأكبر مزوّدةً بحوض استحمام.
كان هذا النُّزل أيضًا يُدار من قِبل أحد أتباع عائلة دوقية بـالوت، ولذلك استطعتُ الحصول على أفضل الغرف.
فتحتُ الباب وأنا أبتسم ابتسامةً عريضة، فأومأ الدوق الأكبر برأسه ودخل غرفته.
وبينما كان يقف للحظات يتأمّل المنظر خارج النافذة، أعددتُ له ماء الاستحمام.
كان المبنى يبدو قديمًا إلى حدٍّ ما، لكن يبدو أنّهم جدّدوا ديكوره الداخلي، إذ كانت قطع الأثاث، مثل حوض الاستحمام والسرير، بحالةٍ جيدةوكأنّها جديدة.
وبعد أن انتهيتُ من إعداد ماء الاستحمام وخرجتُ من الحمّام، جهّزتُ أيضًا ملابس مريحة ليرتديها الدوق الأكبر، ورتّبتها فوق السرير.
نظرتُ إلى ظهر الدوق الأكبر، الذي كان يقف قرب النافذة، وقلت:
“سموّك، سأذهب لإحضار شيءٍ تأكله ريثما تنتهي من الاستحمام.”
عندها، استدار الدوق الأكبر وقال:
“سنتناول الطعام في الطابق الأول بعد أن أنتهي.”
“ماذا؟ لكن…….”
“استريحي حتى ذلك الحين.”
“…….”
وبعد أن رأيتُ الدوق الأكبر يدخل الحمّام، حككتُ مؤخرة رأسي واتجهتُ إلى غرفتي.
“هوووه—!”
ارتميتُ فوق السرير ممدّدةً ذراعيّ وساقيّ، وأطلقتُ زفرةً طويلة.
‘آه، ما أريح هذا!’
لم يكن السرير ناعمًا بقدر أسرّة قصر الدوقية، لكنه كان أفضل بكثير من مقعد العربة.
‘أسحب كلامي عن أنّ العربة تصلح لتكون غرفة نوم.’
مهما كان مقعد العربة باهظ الثمن وعالي الجودة، فقد أدركتُ مجددًا أنّه لا يضاهي حتى سريرًا في نُزلٍ متواضع نسبيًّا.
‘هاه…….’
ما إن استلقيتُ هكذا حتى بدأت أشعر بالنعاس.
كان سيكون أكثر راحة لو أكل الطعام الذي أحضره له، فلماذا أصرّ على النزول إلى الطابق الأول؟
لا أفهم لماذا يتكلّف الدوق الأكبر، رغم مكانته، عناءً إضافيًّا كهذا.
‘حسنًا، هذا أفضل لي. فسأتمكّن من طلب الكثير مما أشتهيه وأنا أتصفّح قائمة الطعام.’
بدأت جفوني تثقل.
‘متى سيخرج الدوق الأكبر يا تُرى…….’
كم مرّ من الوقت؟
وبينما كنتُ أرمش وأحدّق في السقف بشرود، وأقاوم موجات النعاس التي كانت تداهمني بين الحين والآخر.
طَق—.
“هم؟”
كان صوتًا خافتًا للغاية، لكنّه أزعجني على نحوٍ غير متوقّع.
نهضتُ من السرير ونظرتُ باتجاه الغرفة التي كان الدوق الأكبر فيها.
‘لا يُعقل أنّه انتهى بهذه السرعة.’
نزلتُ من السرير وانحنيتُ بهدوء، ثم وضعتُ إحدى يديّ على الأرض وأطلقتُ الهالة بحذر.
بدأت الهالة الزرقاء تنتشر على نطاقٍ واسع انطلاقًا من الأرضية الخشبية التي تلامسها راحة يدي.
كان ذلك حاجزًا استخدمته كثيرًا في قصر الدوقية.
لم يستغرق انتشار الهالة، التي امتدّت كخيوط العنكبوت حتى غلّفت المبنى بأكمله، سوى ثلاث ثوانٍ.
أغمضتُ عينيّ وركّزتُ على استشعار هالات الأشخاص الذين لامستهم الهالة.
‘……الطابق الأول يضمّ أشخاصًا يتناولون الطعام، أمّا الطابقان الثاني والثالث فيضمّان النزلاء.’
الأشخاص الذين يطبخون في المطبخ، ومن يحملون الطعام ويقدّمونه، وحتى أولئك الذين يصعدون الدرج وينزلون منه.
استطعتُ أن أشعر بأنّ كلّ واحدٍ منهم يتحرّك لغرضٍ مختلف.
ثم.
كانت هناك حركة أخرى مختلفة عن حركاتهم.
واحدة، اثنتان……. ثلاث؟
خطوات أكثر خفّةً وتخفّيًا من الآخرين، ونية قتل لم يتمكّن أصحابها من إخفائها تمامًا.
‘……إنهم مغتالون.’
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ بــوني 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.