الفصل 27
⟢ الفصلُ 27 ⟢
طلب هدنة وتحالف في آنٍ واحد؟
‘لو كان سـيرهين حيًّا، لما فعل شيئًا كهذا أبدًا.’
لم يكن هناك سوى احتمالين.
إمّا أن سـيرهين قد مات حقًّا، أو أنّه قد جُنّ.
توقّفتُ عن السير ووقفتُ في منتصف الممر.
‘سـيرهين، ……مات؟’
ما إن راودتني تلك الفكرة حتى انقبض صدري.
لم يكن سـيرهين سيّدًا سخّرني سيفًا له فحسب، بل كان أيضًا صديقًا حميمًا رافقني لسنوات طويلة.
ولم تكن فكرة موته مُستساغةً لديّ أبدًا.
‘لا. هذا غير صحيح.’
هززتُ رأسي وطردتُ من ذهني تلك الافتراضات التي لم يُتأكَّد منها بعد.
لا داعي لأن أستبق الأحداث وأشعر بالكآبة منذ الآن.
‘فلا شيء مؤكّد حتى الآن.’
وفوق كلّ ذلك، لم يكن سـيرهين شخصًا يموت بهذه السهولة.
ذات يوم، ظهر سـيرهين أمامي وجسده متهالك ومُدمّى بالكدمات والجراح، فقال لي حين رآني أقلق عليه:
—”ألا ترين أنّه لا يُعقل أن أموت قبلك وأتركك وراءي؟”
أجل. ذلك الرجل كان من ذلك النوع.
‘ذلك الرجل الذي سينجو ويظهر أمامي مهما حدث.’
لذا، فلنكفّ عن القلق بلا داعٍ بشأن موت سـيرهين أو جنونه.
وبدأتُ أسير في الممر من جديد.
* * *
“أن يطلب هدنة ويقترح تحالفًا في الوقت نفسه…… تُرى، هل حدث شيء في إمبراطورية تيناسيس؟”
سأل إيدغار بوجهٍ جاد، فهزّ كـادريان رأسه.
“لا يمكننا معرفة شيء حتى الآن. سنعرف عندما ندخل القصر الإمبراطوري.”
لم تتضمّن الرسالة سوى تفاصيل موجزة بشأن طلب التحالف.
ولن نتمكّن من معرفة التفاصيل إلا بعد أن يبدأ الاجتماع رسميًّا.
“يبدو أنّ اجتماعًا طويلًا آخر على وشك البدء.”
“أجل، على الأرجح.”
اجتماع النبلاء الكبار.
في إمبراطورية كـاديا، كان يُختار من كلٍّ من فصيل الإمبراطور وفصيل النبلاء وفصيل المعبد خمس عائلات، تُمنح حقّ المشاركة في اجتماعالنبلاء الكبار.
وكانت الشؤون المصيرية للإمبراطورية تُناقَش وتُقرَّر في ذلك الاجتماع، كما كانت القضايا المهمّة، مثل التحالفات، تُحسم فيه أيضًا.
لذلك، لا بدّ أنّ كبار النبلاء من مختلف أنحاء الإمبراطورية كانوا في طريقهم الآن إلى القصر الإمبراطوري في العاصمة.
مرّر إيدغار أصابعه على طرف ذقنه وقال:
“سموّك، يبدو لي أنّ جلالة الإمبراطور سيقبل اقتراح التحالف هذا.”
“أجل، إذ لا يوجد سبب وجيه لرفضه.”
خاضت إمبراطورية كـاديا الحروب لسنوات طويلة من أجل السيطرة على منطقة النزاع في ريمارت.
وكلّما طال أمد الحرب، كان شعب الإمبراطورية هو من يعاني أكثر.
ذلك لأنّ تكاليف تجنيد الجنود وإبقائهم في الخدمة كانت تُغطّى في نهاية المطاف من قوة عمل الشعب وضرائبه.
وفوق ذلك، كلّما استمرت الحرب، ازداد عدد العائلات التي فقدت آباءً أو أبناءً أو إخوةً وأخوات، وبدأ الهيكل الاجتماعي يهتزّ نتيجة لذلك.
ولم يكن من الممكن أن تكون العائلة الإمبراطورية غافلة عن مشاعر الكآبة والسلبية التي اجتاحت الإمبراطورية بأكملها.
لكن، وفي ذلك التوقيت بالذات، طلبت إمبراطورية تيناسيس هدنة، واقترحت إلى جانبها تحالفًا أيضًا.
ومن الواضح أنّ إمبراطور كـاديا سيعدّ ذلك فرصةً.
“أي إنّها فرصة لإنهاء الحرب وتهدئة قلوب شعب الإمبراطورية، وفي الوقت نفسه انتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب من تيناسيس، أليسكذلك؟”
“صحيح. ويمكن القول أيضًا إننا كسبنا حليفًا نواجه معه السحرة السود.”
فتح كـادريان درج مكتبه وأخرج منه كيسًا جلديًّا.
كان ذلك ما تلقّاه من كبير الكهنة في اليوم الذي ذهب فيه إلى المعبد مع فـريا قبل مدة.
مدّ كـادريان الكيس الجلدي إلى إيدغار.
“تفقّد ما بداخله.”
“حاضر، سموّك.”
فتح إيدغار الكيس الذي أعطاه إياه كـادريان وتفقّد محتوياته.
كان يظنّ أنّ بداخله شيئًا متعلقًا بتحالف إمبراطورية تيناسيس، لكن شيئًا مختلفًا تمامًا عمّا توقّع خرج منه، فاتّسعت عينا إيدغار بدهشةً.
“ورقة شجر؟”
كان ما أخرجه إيدغار من الكيس ورقةً واحدة.
بدت الورقة، المغطّاة بالخضرة، نضرةً وكأنّها لم تنفصل عن الغصن منذ وقت طويل.
وكان طرف عنق الورقة المقطوع رطبًا، بينما امتدّت عروقها بقوة، في دلالةٍ على مدى صحّتها.
عرقٌ ذهبيّ يعبر منتصف الورقة الخضراء الداكنة، وعروقٌ دقيقة ورهيفة تتفرّع على جانبيه انطلاقًا منه.
وكان النمط الذي صنعه تناغم الخطوط المستقيمة والمنحنية غامضًا إلى حدّ يُذكّر باللغات القديمة.
وبفضل العروق التي كانت تلمع بهدوء كضوء النجوم في سماء الليل، بدت الورقة بأكملها وكأنّها مغطّاة بمسحوق الذهب، تتلألأ ببريقٍ خافت.
هزّ إيدغار الورقة ذهابًا وإيابًا بخفّة وقال. وعلى عكس حركته الطائشة، كان تعبير وجهه وصوته جادّين.
“إنها ورقة من شجرة العالم.”
“أجل. هل رأيتها من قبل؟”
عندها هزّ إيدغار رأسه.
“لم أرها بنفسي من قبل. لكنني كنت أعرف شكلها تقريبًا من خلال الكتب القديمة المحفوظة لدى القبيلة.”
كان إيدغار من أفراد قبيلة ماركاتس.
وكانت قبيلة ماركاتس، وهي قبيلة من أنصاف البشر الذئاب، قبيلةً رحّالة، وبفضل تنقّلها في أنحاء القارة من دون الاستقرار في مكانٍمحدّد، استطاعت أن تكتسب معارف متنوّعة.
تفحّص إيدغار الورقة قليلًا، ثم مال رأسه في حيرة.
“لكن هذا غريب يا سموّك. ألم تقل إنّ شجرة العالم الحالية قد توقّف نشاطها وبدأت تموت؟”
“صحيح.”
“لا أستطيع فهم كيف نمت ورقة بهذه الصحّة على شجرة توقّف نشاطها. أيمكن أن تكون مزيفة؟”
“بما أنّ كبير الكهنة هو من أعطاني إياها، فلا شكّ في أنّها ورقة من شجرة العالم.”
“إذًا، هل هذا يعني أنّ شجرة العالم بدأت تستعيد عافيتها؟”
استحضر كـادريان كلمات كبير الكهنة للحظات، ثم أومأ ببطء.
“……يُقال إنّ الأوراق بدأت تنمو عليها منذ عامين بالضبط.”
“!”
رفع إيدغار حاجبيه عند سماع جواب كـادريان.
“سـ، سموّك. إن كان ذلك منذ عامين، أفليس ذلك هو الوقت الذي استيقظت فيه تلك الآنسة؟”
“…….”
وكان الشخص الذي يقصده إيدغار هو فـريا.
“إذًا، ألا يوجد أيّ سببٍ آخر للـ، للشكّ؟!”
ونادرًا ما كان إيدغار يتلعثم في كلامه، لكنّه فعل ذلك هذه المرّة. ثم تابع كـادريان حديثه.
“قال كبير الكهنة إنّ روحها تحمل آثارًا للسحر الأسود.”
“……ماذا؟”
أطبق إيدغار شفتيه بإحكام، ثم فتح فمه ببطء.
“لكن عندما أحضرنا كرةً بلورية من المعبد وتحقّقنا من الأمر، لم يظهر أيّ تفاعل للسحر الأسود. فكيف يُقال الآن فجأة إنّ الأمر يتعلقبالسحر الأسود؟”
“بحسب ما قاله كبير الكهنة، فإنّ الأثر لم يكن سوى نتيجة تماسّ عابر، لكن ذلك أيضًا يمكن اعتباره دليلًا على ارتباطها بالسحر الأسود.”
عندها، رفع إيدغار الورقة على عجل وقال:
“سموّك! هذا هو الدليل الحقيقي! هذه الورقة التي نراها بأعيننا أهمّ من مجرد كلمةٍ واحدة من كبير الكهنة!”
“هووف.”
أطلق إيدغار زفرةً طويلة محاولًا تهدئة حماسه.
“ثم إنك قلت إنّها مجرد آثار عالقة، أليس كذلك؟ أليست مثل الغبار الذي قد يعلق بالمرء لمجرد أن يمرّ بشيءٍ في الطريق؟!”
“الغبار الذي يعلق بك أثناء سيرك في الطريق والسحر الأسود العالق بالروح أمران ينتميان إلى مجالين مختلفين تمامًا. إنّك ذكي، لكنك اليومتقول كلامًا غبيًّا على غير عادتك.”
“آ، أجل…… أعلم ذلك، لكن…….”
تلاشى صوت إيدغار في نهاية كلامه.
‘صحيح. ماذا لو كانت حقًّا روحًا أخرى عبث بها ساحرٌ أسود، كما قال سموّه؟’
ما زالت هناك أمورٌ مريبة أكثر من اللازم كي يثق بفـريا ويقبل بها دون تردّد.
وشعر إيدغار أنّه بات يفهم سبب عجز كـادريان عن الوصول إلى اليقين.
نظر إيدغار إلى الورقة بأسًى.
‘لو كانت ذاكرتها سليمة فحسب…….’
لو لم تفقد فـريا ذاكرتها، لما ساوره كلّ هذا القدر من الشك.
وفي وضعٍ تتكاثر فيه الظروف التي تدعو إلى الارتياب، لم يكن من الممكن أن تمحو ورقة واحدة جميع تلك الشكوك.
‘صحيح أنّ عودة شجرة العالم إلى الحياة دليلٌ قاطع على أنّ روح تلك الآنسة قد استيقظت، لكنه ليس دليلًا على أنّها استيقظت داخلجسدها الأصلي.’
وبدا أنّ كـادريان يرى أنّ هذه النقطة تحديدًا تتطلّب التعامل معها بحذر.
سأل إيدغار بحذر:
“أرجو ألّا تكون قد اتخذت قرارك بالفعل، أليس كذلك؟”
كان إيدغار يسأل عن مصير فـريا وما سيُتَّخذ بحقّها.
فتح كـادريان فمه ببطء، وكأنّ كلماته ثقيلة.
“أنوي أن أعرضها على شخصٍ آخر أخيرًا.”
“آه……!”
أطلق إيدغار تأوّهًا، إذ بدا وكأنّه أدرك من يكون ذلك الشخص.
“بما أنك قلت إننا سنمرّ بقصر الدوق الأكبر بعد انتهاء هذه الحملة على أيّ حال، فسأؤجّل الأمر حتى ذلك الحين.”
“نعم، سموّك!”
“هووه.”
أطلق إيدغار زفرةً وكأنّه تنفّس الصعداء.
في تلك اللحظة، رفع كـادريان الرسالة التي كانت فوق المكتب.
“وأيضًا.”
“نعم؟”
هزّ كـادريان الرسالة أمام إيدغار كي يراها بوضوح، وقال:
“يبدو أنّ القصر الإمبراطوري يحدّد عدد المرافقين بمرافقٍ واحد.”
“آه…….”
في العادة، كان النبلاء الذين يدخلون القصر الإمبراطوري يصطحبون معهم مرافقين. وقد يكون ذلك المرافق فارسَ حراسة، أو مساعدًا، أوتابعًا.
وكان من المتّبع أن يُرسَل إلى القصر الإمبراطوري مسبقًا بيانٌ بمعلومات المرافق الذي سيرافقهم قبل الدخول إليه.
مدّ كـادريان الرسالة إلى إيدغار وسأله:
“هل ستذهب؟”
“ماذااا؟!”
قفز إيدغار من مكانه فزعًا، وحدّق في الرسالة كما لو كانت شيئًا قذرًا، ثم صرخ:
“لا أريد!”
كان من الأمور المعتادة أن يرافق المساعدُ المسؤولَ الذي يخدمه عند دخول القصر الإمبراطوري.
لكن يبدو أنّ إيدغار كان يكره ذلك الأمر المعتاد بشدّة.
“لا أريد أن أتسبّب…… في إزعاجٍ لسموّك مرةً أخرى.”
قال إيدغار ذلك بصوتٍ منخفض وكئيب، وقد أطرق ببصره نحو الأرض.
هزّ كـادريان رأسه وهو ينظر إليه.
في الحقيقة، لم يكن إيدغار يحبّ مقابلة أفراد العائلات النبيلة الأخرى.
فالأحكام المسبقة التي خلّفها أولئك الذين كانوا يستعبدون أنصاف البشر في الماضي لم تختفِ تمامًا بعد.
وفي إحدى المرّات، فقد إيدغار السيطرة على نفسه وثار في القصر الإمبراطوري، بعدما أصرّ بعض النبلاء الذين كانوا يهينونه ويسخرونمنه على ذكر اسم كـادريان أيضًا.
بل إنّ ربّ إحدى العائلات النبيلة أُصيب بجروحٍ بالغة بسبب تلك الحادثة.
ورغم أنّ كـادريان تمكّن من تهدئة الموقف بطريقةٍ ما، فإنّ أحد مناجم عائلة دوقية بـالوت انتقل في نهاية المطاف إلى عائلة الشخص المصابتعويضًا عن الحادثة.
ومنذ ذلك الحين، تجنّب إيدغار قدر الإمكان الظهور في الأماكن التي يجتمع فيها النبلاء.
أومأ كـادريان برأسه.
“لا حيلة إذًا. يمكنني اصطحاب ألين أو الكونت نـوربرت بدلًا منك.”
عندها، اقترب إيدغار منه بسرعة وقال:
“لماذا لا تصطحب كبيرة الخدم بدلًا من ذلك؟”
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ بــوني 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.