الفصل 26
⟢ الفصلُ 26 ⟢
—”كُن عيني.”
—[عينيكِ؟]
أشرتُ بأطراف أصابعي بالتناوب إلى عينيّ وإلى عيني كتلة الفراء.
نعم، هذا ما كنتُ أفكر فيه. كنتُ أنوي، بالتزامن مع ضمّ كتلة الفراء إلى أتباعي، أن أستخدمها مصدرًا للمعلومات.
فأنا، العالقة داخل الدوقية الكبرى، كنتُ بحاجة إلى كائن يتنقّل بين الداخل والخارج ويكون عينيّ. وكانت كتلة الفراء هي ذلك الكائن.
‘عليّ أن أستعيد صحّتها أولًا، وأن أزيد وزنها قليلًا.’
فهي الآن هزيلة للغاية، حتى إن مظهرها لا يسرّ الناظرين.
أشعر بوخز الضمير لمجرّد التفكير في أن أطلب منها القيام بأيّ شيء.
ولعلّ هذه فرصة جيدة.
فمن ذا الذي سيشكّ بأن قطًّا يفهم كلام البشر، ثم ينقل ذلك الكلام إلى شخص آخر كما سمعه تمامًا؟
‘لو كانت هذه حربًا، لكانت أكثر فائدة.’
فلو أرسلتُ كتلة الفراء إلى معسكر العدو، لتمكّنت من استخراج المعلومات التكتيكية أيضًا.
لكن الوقت لم يحن بعد للشعور بخيبة الأمل.
ففي الواقع، لم تكن هذه الدوقية الكبرى مختلفة عن ساحة المعركة بالنسبة إليّ.
فالعدو أمام عينيّ، ومعقله هنا. وإن لم يكن هذا المكان ساحة حرب، فما عساه يكون؟
نظرتُ إلى كتلة الفراء من علٍ بعينين ممتلئتين بالتطلّع.
‘باستخدام كتلة الفراء هذه، سأتمكّن من سماع الأحاديث التي يتبادلها الدوق الأكبر مع مساعده، أو الشائعات التي يتناقلها الناس سرًّافي الأزقّة الخلفية.’
ابتسمتُ ابتسامة ودودة.
“حسنًا. هل هناك شيء تشتهيه على نحو خاص؟”
هممم.
وبعد أن فكّرت كرة الفراء قليلًا، أجابت:
[اللحم! اليوم أريد لحم الضأن، يا كبيرة الخدم!]
“…….”
قد لا يكون ذلك المخلوق قطًّا حقًّا.
* * *
إمبراطورية تيناسيس، القاعة الكبرى في المعبد.
كان وليّ العهد سيرهين يقف شارد الذهن، محدّقًا في التمثال المقابل له.
كان التمثال يصوّر حاكمة يُقال إنها تحمي الإمبراطورية، لكن نظرة سيرهين إليها لم تحمل أيّ أثر للرهبة أو التقديس.
في تلك اللحظة، اقترب مساعده ليونيل، ووقف إلى جواره.
“ستنهار إن واصلتَ هكذا. عليك أن تتناول شيئًا، ولو وجبة واحدة.”
لكن جواب سيرهين لم يأتِ فورًا.
وبعد أن مرّت لحظات قصيرة، قال وهو لا يزال مثبتًا نظره على تمثال الحاكمة:
“أليس الموت أفضل؟”
“سموّ وليّ العهد، كيف تقول كلامًا مشينًا كهذا؟”
“ما الفائدة من أن أعيش وحيدًا؟ إنها ليست هنا.”
“سموّك…….”
تنهد ليونيل، وقد ارتسم الضيق على وجهه.
“عليك الآن أن تتوقّف… وأن تنساها.”
عندها أدار سيرهين رأسه ببطء نحو ليونيل، بعدما كان يرفع نظره إلى التمثال.
كانت عيناه الخاليتان من المشاعر، والممتلئتان بالفراغ، تبعثان على القشعريرة بطريقة غامضة.
“أنت أيضًا تظنّ ذلك؟ تظنّ أن عليّ أن أنسى تلك الفتاة؟”
“لقد مرّ أكثر من عامين. وحتى الفارسة سيا لا تريد أن تراك على هذه الحال—.”
في تلك اللحظة.
رنّ صوت معدني حادّ— وقبل أن يتمكّن ليونيل من إتمام كلامه، سحب سيرهين سيفه من غمده.
كانت حركته سريعة إلى حدّ لا يُصدّق، بحيث يستحيل أن يكون هو الشخص نفسه الذي كان يقف قبل لحظات بضعف.
وانطلقت الصرخة من مكان لم يكن متوقّعًا.
“كخ—!”
فقد سحب سيرهين سيف ليونيل، ومن دون أدنى تردّد، أطاح برأس الفارس الذي كان يرافقه.
“سموّ وليّ العهد!”
صرخ ليونيل مذعورًا.
لكن سيرهين قال بوجه خالٍ من التعبير، كما كان قبل أن يقطع رأس الفارس:
“لقد مات بدلًا منك.”
“…….”
“لأنني لا أستطيع أن أخسرك أيضًا، بعدما فقدتُ تلك الفتاة.”
“سـ، سموّك…….”
“حتى لو لم تكن بمكانتها، فأنت أيضًا شخص أعتزّ به.”
“…….”
“ولكن.”
قرّب سيرهين نصل السيف الملطّخ بالدماء من طرف ذقن ليونيل، وقال بصوت هادئ ولطيف:
“إن وضعتَ موت تلك الفتاة على لسانك مرة أخرى، فسيطير رأسك حينها. لذا، كن حذرًا دائمًا.”
“…….”
طَنّ—!
ألقى سيرهين سيف ليونيل الذي كان يمسكه على الأرض، ثم اتجه مجددًا نحو التمثال.
رفع سيرهين نظره إلى التمثال، بالملامح والنظرة نفسيهما.
“لم أطلب شيئًا عظيمًا إلى هذا الحد.”
لم أكن أريد سوى أن أبقيها إلى جواري.
كان الأمر كذلك منذ البداية.
‘منذ اللحظة التي رأيتكِ فيها للمرة الأولى، فكّرتُ في أن عليّ إبقاءكِ إلى جواري.’
وهكذا، أصبحتِ سيفي وظلّي، وحميتِ جانبي.
‘نعم. حتى تلك النقطة، كان كل شيء مثاليًا.’
لكن لماذا انتهى الأمر إلى هذا؟
‘أين حدث الخطأ؟ وما الذي سار على نحو خاطئ؟’
لا أعرف.
‘حتى لو راجعتُ الأمر مئات المرات، بل آلاف المرات، فلن أعرف. لا أفهم لماذا انتهى الأمر هكذا.’
فهذا لم يكن ضمن خطّتي.
“سيا.”
نادى سيرهين الاسم الذي يشتاق إليه بصوت خافت.
“سيــا…….”
حوّل نظره بعيدًا عن التمثال، ونظر من خلال النافذة.
كانت السماء الزرقاء الخالية من الغيوم تمتدّ في الخارج كأنها لوحة مرسومة.
سماء زرقاء تشبه تلك الفتاة.
نظر سيرهين إلى السماء، ثم قال لمساعده الواقف خلفه:
“لم يبقَ سوى ذلك المكان، أليس كذلك؟”
“……نعم، سموّك.”
“إذًا لا خيار أمامنا. علينا أن نذهب. يجب أن نذهب ونتحقّق.”
“…….”
أبعد سيرهين نظره عن السماء، ثم استدار.
“هيا يا ليونيل. علينا أن نحضرها بسرعة.”
* * *
ارتعشتُ.
‘هاه؟’
استدرتُ بسرعة إلى الخلف.
‘ما الأمر؟’
عقدتُ حاجبيّ وأخذتُ أفرك مؤخرة عنقي، فقد مرّ هواء بارد على رقبتي فجأة، من دون سبب واضح.
‘هذا غريب.’
وبينما كنتُ أمسك مؤخرة عنقي وأتفحّص ما حولي، سألني السير ألين، الذي كان يسير برفقتي:
“ما بكِ؟”
“لا شيء. أشعر بقشعريرة من دون سبب.”
بدا الذهول على وجه السير ألين.
هززتُ رأسي.
“لا، أنا بخير. أنت تعرف أن صحّتي قوية.”
ضحكتُ ضحكة خافتة.
بعد عودة السير ألين من ساحة المعركة، أصبح حارسي الشخصي مجددًا.
لكن هل عاد إيد، الذي كان يراقبني بدلًا من السير ألين، إلى مكانه السابق كمُساعد؟ لا، لم يحدث ذلك أيضًا.
فقد أصبح لديّ المعلّم، والسير ألين، بل وحتى المساعد إيد.
‘كم شخصًا يراقبني بالضبط؟’
رغم أنني أصبحتُ كبيرة الخدم، لم يقل عدد المراقبين من حولي.
‘أم أن الدوق الأكبر لا يثق بي إلى ذلك الحدّ بعد؟’
ما المنصب الذي يمكن أن يحظى بثقة أكبر من منصب كبير الخدم…؟
وبينما كنتُ غارقة في هذا التفكير العميق، وصلتُ أنا والسير ألين إلى غرفة الغسيل.
“لنبدأ بملاءات الأسرّة. افصلوها جيدًا حتى لا تنتقل الألوان.”
“حسنًا، سأنتبه إلى ذلك.”
ثم تجوّلنا بعناية في الحديقة، والحدّادة، وغرفة العلاج، والإسطبلات أيضًا.
ولأنها كانت المرة الأولى التي يرافقني فيها السير ألين منذ أن أصبحتُ كبيرة الخدم، فقد بدا عليه قدر لا بأس به من الدهشة وهو يسيرمعي.
وبعد أن ساعدنا حتى في ولادة أحد الخيول داخل الإسطبل، قال السير ألين:
“هل يقوم كبير الخدم بمثل هذه الأعمال أيضًا؟”
“لا أدري. فأنا لا أعرف ما الأعمال التي يؤديها كبار الخدم في العائلات الأخرى. لكن… أنا أفعلها.”
“…….”
“فهذا أيضًا من أعمال دوقية بالوت الكبرى.”
كان جوابًا مقنعًا إلى حدّ كبير، ولا سيّما أنني قلته أمام السير ألين، الذي عُيّن لمراقبتي.
‘هيا، اذهب وأبلغ الدوق الأكبر بسرعة.’
قل له إنك لم ترَ أو تسمع قطّ عن كبير خدم يتصرّف هكذا، وإنه يستطيع أن يطمئن إليّ الآن.
‘أريدك أن تُغرق الدوق الأكبر بذكر محاسني، أيها السير ألين.’
ابتسمتُ في سرّي برضا، ثم استدرتُ.
في تلك اللحظة، فُتح الباب الرئيسي للدوقية الكبرى، ودخلت عربة فاخرة.
وحين تعرّف السير ألين إلى شعار العربة، تمتم قائلًا:
“إنها عربة القصر الإمبراطوري.”
“القصر الإمبراطوري؟”
قال السير ألين:
“هناك راية حمراء مثبتة على العربة.”
أومأتُ برأسي.
“نعم، هذا يعني أنها تحمل خبرًا عاجلًا.”
تنقسم ألوان الرايات التي تُثبّت على عربات القصر الإمبراطوري إلى ثلاثة ألوان رئيسية.
فاللون الأحمر يعني خبرًا عاجلًا، والأزرق يدلّ على مسائل دبلوماسية أو أمور تتعلّق بمناسبات القصر الإمبراطوري، أما الأسود فيعنيإعـلان وفاة.
وحين رأيتُ العربة تتوقّف أمام المبنى الرئيسي للدوقية الكبرى، اتجهتُ نحوها. فاستقبال رسول القصر الإمبراطوري، وتسليم الرسالة إلىالدوق الأكبر، كلاهما من مهام كبير الخدم.
ومن خلفي، بينما كنتُ أسير نحو العربة، سمعتُ صوت السير ألين:
“عودي سالمة.”
التفتُّ إليه التفاتة قصيرة، ثم أومأتُ برأسي.
“حسنًا.”
شعرتُ، لسبب ما، بنذير شؤم.
“ماذا؟ تحالف؟!”
صاح المساعد إيد بغضب.
كان الخبر الذي نقله الشخص القادم من القصر الإمبراطوري يتعلّق بطلب تحالف من إمبراطورية تيناسيس.
بعد مغادرة رسول القصر الإمبراطوري، اجتمعنا نحن الثلاثة فورًا في غرفة العمل.
قال الدوق الأكبر:
“لا داعي لكل هذه الضجّة. لم يُتَّخذ أي قرار بعد.”
أومأ إيد برأسه.
“صحيح. ليس أمرًا يمكن حسمه بسهولة. لكن، يا لهم من وقحين! هل ظنّوا أننا سنرحّب بطلبهم للتحالف الآن، ونرفع أيدينا فرحًا؟!”
أطلق إيد ضحكة ساخرة.
عندها نظر الدوق الأكبر إليّ بهدوء، ثم قال:
“اخرجي.”
“……نعم، سموّك.”
أصدر الدوق الأكبر أمرًا بإخراجي أنا وحدي.
‘تشيه. كان بإمكاني الاستماع معهم.’
هل يعني هذا أن مهام كبير الخدم قد انتهت؟
لكنني أشعر بالفضول…
خرجتُ من غرفة العمل، وأنا أخفي ما يدور في داخلي.
فكّرتُ للحظة في أن ألتصق بالباب وأتنصّت، لكنني تراجعتُ عن الفكرة سريعًا.
فمن المستحيل أن يفشل الدوق الأكبر في ملاحظة ذلك.
على أيّ حال…
‘تحالف…؟’
ظلّت أفكاري مضطربة طوال الوقت الذي كنتُ أمشي فيه عبر الممر.
فالشخص الذي كان يكره إمبراطورية كاديا ويمقتها أكثر من أيّ شخص آخر، هو وليّ عهد إمبراطورية تيناسيس، سيرهين.
ومع ذلك، تحالف؟ بل إن الطلب جاء أولًا من إمبراطورية تيناسيس نفسها؟
آه.
خطرت لي فجأة فكرة عابرة.
‘هل يُعقل أن يكون سيرهين قد مات؟!’
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ بــوني 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.