الفصل 23
⟢ الفصلُ 23 ⟢
بعد وصول كادريان إلى الدوقية الكبرى، أرسل فريا ثم توجّه إلى غرفة عمله.
لكن حتى بعد أن جلس في غرفة العمل، لم يستطع أن يركّز في الأوراق أو يمسك بها بيده.
كان السبب هو الحديث الذي دار بينه وبين كبير الكهنة.
—”لا يمكنني القول إنه لا توجد أيّ آثار لطاقة السحر الأسود.”
—”…….”.
-“إنها خافتة جدًا، لكنني شعرتُ بوجود أثر للسحر الأسود حول الهالة القوية.”
قال كبير الكهنة إنه شعر بأثر السحر الأسود في فريا.
وما إن سمع كادريان ذلك حتى اضطربت طاقته بعنف للحظة. فسارع كبير الكهنة إلى متابعة حديثه.
—”أيها الدوق الأكبر، استمع إلى كلامي حتى النهاية. من المؤكد أن الهالة القوية هي جوهرها الحقيقي. أما السحر الأسود الذي شعرتُ به،فلم يكن سوى قدر ضئيل منه لامس سطح تلك الهالة، ثم علق بها أثناء ذلك.”
سواء أكان قد لامسها، أم علق بها، فالمحصلة واحدة.
كان ذلك يعني أن أثر السحر الأسود ما يزال عالقًا في روح كبيرة الخدم.
—”يبدو أنك تقول إن روحًا أخرى قد تكون دخلت إلى جسدها بسبب ساحرٍ أسود.”
عند سماع كلام كادريان، تنهد كبير الكهنة.
—”بالطبع، ليس الأمر وكأنني أرى كل شيء وأعرف خفاياه. لكنني متأكد من أمر واحد: الروح التي تسكن جسد كبيرة الخدم ليست روحًاالتهمها السحر الأسود. ألم تشعر أنت بذلك أيضًا، أيها الدوق الأكبر؟ ولهذا أنت أكثر حيرةً، أليس كذلك؟”
—”…….”.
وبينما كان يقول ذلك، ناول كادريان كيسًا جلديًا صغيرًا.
—”كان ذلك قبل عامين، أليس كذلك؟ عندما استيقظت تلك الآنسـة.”
تفحّص كادريان محتويات الكيس.
-“……ما هذا؟”
—”في ذلك الوقت، وجدنا ذلك عند طرف غصن شجرة. ورغم أن عددها قليل جدًا، ولا يتجاوز أصابع اليد……”
—”…….”.
—”هل حصلتَ بهذا على إجابةٍ كافية إلى حدٍّ ما؟”
ظلّ كادريان يسترجع في ذهنه الحديث الذي دار بينه وبين كبير الكهنة، ثم نهض من مقعده.
فقد رأى أنه ما دام عاجزًا عن التركيز، فمن الأفضل له أن يغفو قليلًا.
مشى كادريان بخطوات لا سريعة ولا بطيئة. وأثناء سيره في الممر، ظهر أمامه الدرج المركزي، فصعده.
كان الدرج يصل من الطابق الثالث، حيث توجد غرفة العمل، إلى الطابق الرابع.
وعندما وصل كادريان إلى الطابق الرابع، توقف للحظات في الممر، ونظر إلى الممر الذي تقع فيه غرفة فريا.
‘إنها لا تعرف شيئًا عمّا يجول في خاطر الآخرين.’
تذكّر صورتها وهي تغفو متمايلة في العربة، محتضنةً القطة السوداء بين ذراعيها.
أطلق كادريان زفرةً خفيفة، ثم توجّه مباشرةً إلى الطابق الخامس.
وما إن صعد إلى الطابق الخامس حتى سدّ بابٌ حديدي أسود الطريق أمامه، مهيبًا بحضوره الثقيل.
لكن كادريان مدّ يده كما لو أن الأمر مألوف له. ووضع كفّه فوق الشعار الموجود في منتصف الباب الحديدي الأسود الحالك.
واختفى الشعار الغائر، المزخرف والغامض، في لحظة تحت كفّه الكبيرة.
ثم، كووو غوووووم—.
مع دويّ هائل، انفتح الباب الحديدي إلى الجانبين.
فالباب الحديدي الذي بدا وكأنه لن ينفتح مهما حدث، انفتح بسهولة بالغة ما إن لامسته يد كادريان.
وحين اختفى الباب الحديدي للطابق الخامس، اختفى أيضًا الممر المظلم الذي كان يُرى من بين القضبان الحديدية، وانكشف أمامه عالممختلف تمامًا.
لقد تفعّل سحر يصل هذا المكان بفضاء آخر.
سَرَق.
ما إن خطا كادريان خطوة إلى الداخل حتى وطئت قدماه العشب.
مضى متبعًا طريقًا حجريًا تتخلله الحشائش على نحو متباعد.
وبعد مسافة قصيرة، ظهرت شجرة ضخمة.
كانت شجرةً عالم وهمية أُنشئت داخل فضاء وهمي، صُنع بدوره بواسطة السحر.
ولعلها بدت كذلك لأنها شجرة عالم مصطنعة، لكنها كانت، بخلاف الشجرة العالم الحالية التي ذبلت وجفّت بعد أن فقدت جميع أوراقها،شامخةً مهيبةً تعجّ بالعظمة.
فقد أُعيد تجسيدها كما كانت تمامًا في أوج صحتها وجمالها.
كانت جذورها الغليظة الممتدة عميقًا في باطن الأرض، وجذعها الهائل، يبدوان غامضين كما لو أنهما متصلان بكل أشكال الحياة في العالم.
وعلى أغصانها الممتدة بقوة حتى بدا أنها ستغطي السماء بأسرها، نمت أوراق كثيفة نابضة بالحياة، تبعث بريقًا ذهبيًا.
وكلما داعبتها الرياح، اهتزّت الأوراق وأصدرت حفيفًا خافتًا، كأنه سيمفونية تعزفها الطبيعة.
ثم…
تحت الظلال التي رسمتها تلك الأوراق، كان هناك سرير مزين بأوراق الشجرة العالم وبتلات أزهار مختلفة الألوان والأشكال.
وكانت أشعة الشمس الذهبية، كلما هبّت الرياح من حين إلى آخر، تتسلل عبر الفجوات بين الأوراق وتنسكب كأنها شظايا من الضوء،متناثرةً فوق السرير.
ظلّ كادريان واقفًا للحظات يتأمل ذلك المشهد، ثم عاد وسار إلى داخل ظلّ شجرة العالم.
“……”
وصل كادريان إلى جوار السرير مباشرةً، وظلّ ينظر إليه بصمت.
كان السرير فارغًا.
كانت أغطية السرير البيضاء الناصعة مرتبةً بلا أدنى فوضى، ولم يبقَ فيها أي أثر يدل على أن أحدًا كان يقيم هنا.
ومع ذلك، كانت نظرات كادريان الموجهة إلى السرير الفارغ تتجه نحو شخصٍ ما كان قد استلقى عليه ذات يوم.
—”فريديكا. انزلي من فوق الشجرة. ماذا ستفعلين إن أصابكِ مكروه؟”
—“لا أحبّ هذا الاسم! لا أحبّه لأنه يبدو كاسم صبي!”
قالت الفتاة إن اسمها طويل جدًّا، وإنها لا تحبّه لأنه يشبه أسماء الصبية.
—“إنه اسمٌ ثمين اختاره لكِ الحاكم.”
—“أعرف. ولهذا لا أقول شيئًا أمام الآخرين.”
—”……”.
—“لكنني لا أحب أن تناديني أنت أيضًا، يا كادريان، بذلك الاسم!”
كانت الفتاة ذات الملامح الهادئة، كزهرةٍ نمت بعناية في حديقة، تخفي في داخلها جانبًا شديد القوة والخشونة، كحصانٍ بريّ نشأ في البريةعلى اقتلاع الحشائش البرية وأكلها.
ولعلّ الأصح أن نقول إنها لم تكن تشبه أفراد عائلة بلانكر.
فقد كانت عائلة بلانكر تتلقى اختيار الحاكم جيلًا بعد جيل، وتتناغم مع الشجرة العالم، فتحميها وتصونها.
وربما كان اعتقادي بأن الطفل الذي يختاره الحاكم لا بد أن يكون هادئًا ومطيعًا مجرّد تحيّزٍ مني، هكذا فكّر كادريان.
—“انزلي أولًا.”
—“اختر لي اسمًا محببًا.”
—“……اسمًا محببًا؟ أنا؟”
—“نعم. إذا وعدتني بأن تختار لي اسمًا، فسأنزل.”
—”……”.
—”لن أطلب منك أن تناديني به أمام الآخرين. ليكن اسمًا محببًا لا يعرفه سوانا، أنا وأنت. أليس كذلك؟ كادريان.”
كانت عينا الفتاة، وهي تلحّ عليه بلطف، لا تزالان ماثلتين أمامه بوضوح.
وما إن وعدها بأن يختار لها اسمًا محببًا، حتى قفزت الفتاة بخفة من فوق الشجرة.
—“ما رأيكِ بهذا؟”
—“خطرت لك الفكرة بهذه السرعة؟ ليس اسمًا غريبًا، أليس كذلك؟”
—“أتذكر أنني قرأت عنه ذات مرة في أحد الكتب القديمة. هناك مدينة قديمة ترقد الآن في أعماق البحر، وقد كان الحاكم يعتزّ بتلك المدينةاعتزازًا شديدًا، حتى إنه أرسل إليها إبنته. وقد أصبحت ابنة ذلك الحاكم ملكةً لتلك المدينة—.”
-“بدأت تطيل الشرح مجددًا. حسنًا، لا يهم، أخبرني بالاسم فقط. ما هو؟ أيّ اسم اخترت؟”
—”……..”.
مرّر كادريان يده بهدوء على السرير الخالي، ثم نطق بدلًا من نفسه في ذكرياته:
“فريا.”
الاسم المحبب الذي اختاره كادريان، ولم يكن أحد يناديها به سواه.
وقد سبق له أن سأل فريا، التي قالت إنها تتذكر الاسم المحبب ذلك على أنه اسمها الحقيقي:
—“هل تعلمين ما الذي يعنيه أن تكوني أنتِ من تعرفين ذلك الاسم؟”
وكما كان متوقعًا، لم تتذكر هي شيئًا.
شعر وكأن الأمل الضئيل الذي تعلّق به قد انهار أمام عينيه.
كان يظن أن كل شيء سيعود إلى ما كان عليه، ما إن تستيقظ تلك الشخصيّة.
لكن كلمة واحدة، وهي أنها فقدت ذاكرتها، جعلت كل شيء غامضًا.
بل وصل به الأمر إلى حدّ أنه لم يعد قادرًا حتى على التأكد من أن ما بداخلها هو روح فريا الحقيقية.
كان الزمن الذي توقّف عند كادريان قبل اثني عشر عامًا لا يزال متوقفًا.
* * *
كانت إمبراطورية كاديا وإمبراطورية تيناسيس في الأصل أرضًا واحدة.
كانت شجرة العالم تحرس تلك الأرض بقوة، وكان الجميع ينعمون بأيامٍ رغيدة في ظلّ حمايتها.
لكن لا وجود لسلامٍ أبدي.
كانت شجرة العالم تقع في أقصى الطرف الجنوبي الغربي من الخريطة، ومع مرور الوقت، أخذ الاختلال الاقتصادي بين المناطق القريبة منالشجرة العالمية والمناطق البعيدة عنها يتفاقم.
وبسبب ذلك، نشأت مشاعر السخط بين النبلاء بعضهم ضد بعض، وبين مواطني الإمبراطورية بعضهم ضد بعض، بسبب السيطرة على تلكالموارد التي لا تنضب.
وفي النهاية، تحوّل ذلك السخط المتراكم إلى حربٍ كبرى، وانقسمت البلاد التي كانت موحّدة إلى دولتين مستقلتين.
إمبراطورية كاديا وإمبراطورية تيناسيس.
فانقسمت البلاد إلى إمبراطورية تحظى بحماية شجرة العالم، وإمبراطورية لا تحظى بها.
أما العائلة التي ظلت تحرس تلك شجرة العالم جيلاً بعد جيل، كي تبقى خالدة، فهي عائلة الماركيز بلانكر.
وكانت عائلة الماركيز بلانكر معروفة بأنها تحمي شجرة العالم، وفي الوقت ذاته تنال حمايتها.
ولم يكن أحفاد تلك العائلة مكبّلين بمكانتهم بوصفهم ماركيزات. فقد كانوا أرفع قدرًا من أي عائلة نبيلة أخرى، وكانوا يحظون باحترامٍ يفوقحتى احترام كبير الكهنة في المعبد، بل واحترام أفراد العائلة الإمبراطورية أنفسهم.
لكن عائلة بلانكر، التي كانت تتمتع بكل ذلك، مُحيت من التاريخ قبل اثني عشر عامًا، بعد أن دخل وريثها الوحيد في سباتٍ عميق.
ومنذ ذلك الحين أيضًا، بدأت شجرة العالم تذبل.
فريديكا بلانكر.
صاحبة هذا السرير الخالي.
في ذلك الوقت، كان كادريان خطيب فريا.
ورغم أن الخطوبة كانت مجرّد وعدٍ فرضه الكبار من جانب واحد، لم يكن كادريان يكرهها.
فمنذ اليوم الذي رأى فيه فريا للمرة الأولى، كان قد منحها قلبه بالفعل.
جلس كادريان متكئًا على السرير، وأخرج ساعةً جيبية من جيبه الداخلي.
طَقّ—.
ظهر على أحد جانبي غطاء الساعة الجيبية الذهبية الحرفان الأولان من اسمي فريا وكادريان، محفورين بخطّ دقيق للغاية.
بل وحتى شكل القلب الموجود بينهما.
نظر كادريان إلى ذلك القلب، فضحك ضحكةً خافتة دون أن يشعر.
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ بــوني 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.