الفصل 21
تعديل: كاهم أعظم>>كبير كهنة.
⟢ الفصلُ 21 ⟢
كان داخل المعبد هادئًا في الغالب.
وحتى أثناء تنقّلي برفقة كبير الكهنة، لم أكن أكاد أرى أيًّا من الكهنة الآخرين.
‘أبهذا الحال، أليس هذا مجرد مقرّ إقامة خاص بـ كبير الكهنة؟’
راودتني هذه الفكرة وأنا أحدّق في ظهر كبير الكهنة.
كان شعره الفضي، المنسدل حتى أسفل خصره، يلمع كالماء المقدّس داخل الكأس المقدّسة.
‘أترى أجواءً كهذه تحيط بجميع من يتولّون منصب كبير الكهنة؟’
غامضة وعجيبة… ومع ذلك، لا أدري، فلم أشعر برغبة في التقرب منه.
في الواقع، لم يسبق لي أن التقيت بـ كبير كهنة حتى في إمبراطورية تيناسيس.
بل الأدق أنني لم أقترب من المعبد أصلًا.
عادةً، عندما يُحدَّد موعد لحملة عسكرية، تتوجّه فرقة فرسان الإمبراطورية إلى المعبد قبل مغادرتها لتنال البركة.
لكنني لم أفعل ذلك ولو مرة واحدة.
‘ربما أكون الوحيدة بين فرسان إمبراطورية تيناسيس التي لم تدخل المعبد قط.’
قد يكون عدم إيماني بالإله أحد الأسباب، لكن السبب الأكبر كان كراهية سيرهين الشديدة للمعبد.
—”كاهنو المعبد يكرهون البشر الذين يعيشون وهم ملطخون بالدماء مثلنا. وخصوصًا أنتِ يا سيـا. لا تقتربي منهم إطلاقًا إن كنتِ لا تريدينأن تُصنَّفي مهرطقة ويُطاردوكِ باعتباركِ ساحرة.”
مهرطقة، مطاردة الساحرات.
مجرد سماع هذه الكلمات كان مرعبًا.
—”سيـا، أتظنين أنني لم أكن لأعرف أن آثار الحروق على وجهكِ لم تكن نتيجة حادث فحسب؟ لقد تجاوزت الأمر لأنكِ أنتِ. حتى لو كان دمالمتمردين يجري في عروقكِ، فأنتِ بالفعل صديقتي. ……لكن هل سيفكر المعبد بالطريقة نفسها؟”
—”……”.
أجبته بأن هذا يكفي. فقد فهمت، ولن أقترب من المعبد أو الكهنة، لذا فليتوقف عند هذا الحد.
‘حين أفكر في الأمر بهدوء، إنه فعلًا غريب الأطوار.’
كان بإمكانه قول الأمر بطريقة ألطف، فلماذا كان عليه أن يخيفني بتلك الصراحة المفرطة؟
ارتجفتُ قائلًة “أوه” وأنا أتذكر نظرات سيرهين الحادة وصوته البارد.
كم من الوقت مضى ونحن نسير؟ بعد أن واصلت السير، وجدت نفسي قد وصلت إلى مدخل القاعة الكبرى في المعبد.
كان باب القاعة الكبرى مصنوعًا من مادة تشبه الرخام الأبيض الناصع، ولأن سقف القاعة كان مرتفعًا، كان الباب نفسه شاهق الارتفاعأيضًا.
ولعل ذلك هو السبب، إذ كان صوت فتح الباب ثقيلًا للغاية.
“كبيرة الخدم.”
التفت الدوق الأكبر نحوي قبل أن يدخل القاعة الكبرى. فتوقف كبير الكهنة عن السير معه والتفت هو الآخر.
قال الدوق الأكبر إن لديه حديثًا مع كبير الكهنة.
“انتظري هنا. وإذا شعرتِ بالملل حقًا، فلا بأس أن تذهبِ للركض واللعب في الحديقة التي رأيناها في طريقنا.”
“……”
أحسبني جروًا لا يميّز بين السماء والأرض.
رسمت على وجهي ابتسامة مصطنعة، واكتفيت بإحناء رأسي قليلًا بدلًا من الإجابة.
وعندما رفعت رأسي مجددًا، التقت عيناي بعيني كبير الكهنة أيضًا. فاكتفيت بإمالة رأسي قليلًا لتحيته.
وبمجرد أن دخل الرجلان إلى القاعة الكبرى، أُغلق الباب تلقائيًا.
كُرررررر—.
كان صوت إغلاق الباب مدويًا إلى درجة أنه هزّ سكون المعبد.
.’……’
اعتدلت في وقوفي، ثم قررت أن أبقى واقفة بجانب الباب في انتظار الدوق الأكبر.
دقيقة، خمس دقائق، عشر دقائق……
‘يبدو أن الحديث قد طال.’
ألقيت نظرة خاطفة على باب القاعة الكبرى الفخم، ثم تحركت بخفة.
‘الحديقة. لنذهب إلى الحديقة.’
إنها أول نزهة لي خارجًا منذ عامين.
وليس الدوق الأكبر إلى جواري لمراقبتي، بل إنه منحني إذنًا حتى للركض واللعب، فما الذي يدعو إلى التردد أكثر؟
استحضرت في ذهني مدخل حديقة المعبد الذي رأيته في الطريق إلى القاعة الكبرى، وأسرعت في السير نحوه.
هيهي.
* * *
<حديقة الحاكـم>
‘يا له من اسم بسيط للحديقة.’
وكأنها حديقة داخل المعبد، لا بد أن يكون اسمها كذلك.
ظللت للحظة أحدّق في اللافتة التي كُتب عليها اسم الحديقة.
بدا الأمر كما لو أنهم قطعوا قطعة من خشب نظيفة إلى حدٍّ ما، وكتبوا عليها الاسم، ثم أحدثوا ثقبًا فيها على نحو عشوائي وربطوا بها حبلًاوعلّقوها عند المدخل.
‘ألا يضيفون عادةً زخارف ذهبية فاخرة، وينقشون عليها نقوشًا أيضًا؟’
وبينما كنت أفكر في ذلك، تذكرت كبير الكهنة.
ذلك الوجه الذي لا يبدو عليه أي طمع أو رغبة في أمور الدنيا، والابتسامة الوادعة التي تعلو محيّاه.
راودني لسبب ما شعور بأن كبير الكهنة ربما صنع هذه اللافتة بنفسه.
أبعدت نظري عن اللافتة ودخلت الحديقة.
“أوه.”
أطلقت تعجبًا قصيرًا. فما إن تجاوزت مدخل الحديقة حتى تبدّل الفصل في لحظة.
فحتى قبل لحظات كنت في قلب شتاء طويل قارس، أما الآن فقد امتلأ المكان بدفء الربيع الواضح.
‘يمكنني أن أصدّق حتى لو قيل لي إنني في عالم آخر.’
لا بدّ أنهم ركّبوا جهازًا للتحكم بدرجة الحرارة.
ففي قبو النبيذ ومستودع أوراق الشاي في الدوقية، كانت هناك أيضًا أجهزة مشابهة للتحكم بدرجة الحرارة والرطوبة.
سرت على مهل بين الأزهار المتنوعة العطرة.
متى كانت آخر مرة شعرت فيها بالطبيعة هكذا؟
أخذت نفسًا عميقًا ثم زفرت، مستمتعة بحريتي التي لم يتبقَّ منها سوى القليل.
ثم، فجأة…
‘مـهلاً.’
توقفت عن السير وفكرت بملامح جادة.
‘أليست هذه، بطريقة ما، فرصة الهرب التي قد لا تتكرر أبدًا؟’
لا السير ألين ولا إيد، اللذان أرسلهما الدوق الأكبر، موجودان هنا، ولا توجد مراقبة مباشرة من الدوق الأكبر.
أنا الآن حرة تمامًا، ولا أحد يراقبني أو يضيّق عليّ.
هممم……
لكنني سرعان ما تخلّيت عن فكرة الهرب.
‘الدوق الأكبر ليس أحمق.’
لا بد أنه اتخذ احتياطاته حتى تحسبًا لكل الاحتمالات التي قد أهرب فيها.
وخاصة قلادة الكلب.
أخذت أنكز الجوهرة الزرقاء في قلادة الكلب بطرف إصبعي “نق، نق”، ثم واصلت التجول في الحديقة.
‘فهو الرجل الذي يستطيع أن يقيّدني ثم يحررني بلمسة إصبع واحدة.’
لا ينبغي أن أستخفّ به.
في الحقيقة، لم يكن هناك ما يدعو إلى التسرّع في التفكير.
لقد أمضيتُ عامين كاملين بالفعل في قصر الدوق الأكبر. وبما أن المكان كان شاسعًا للغاية، فلم أشعر بأنني محتجزة فيه على وجهالخصوص.
‘حتى عندما كنت في تيناسيس، لم أكن أخرج إلا إلى القصر الإمبراطوري وساحات المعارك.’
ثم إن سيرهين كان أشدّ في مسألة احتجازي.
فلم يكن سيرهين يحتمل أن أختفي عن ناظريه.
كان يصرّ على إبقائي ضمن مجال رؤيته إلى حدّ يجعلني أتساءل كيف كان يعيش من دوني.
‘……لا بد أنه بخير، أليس كذلك؟’
لا بد أن الصدمة كانت كبيرة عليه، فقد متُّ أمام عينيه مباشرة.
ومع ذلك، كنت أتساءل إن كانت صدمته، مهما بلغت، ستصل إلى ما شعرتُ به أنا، صاحبة الموت نفسها.
ولعل السبب هو أنني حظيتُ ببعض الوقت لنفسي بعد غياب طويل، فقد بدأت أفكار لم أعتد التفكير فيها تتزاحم في رأسي وتشوّشني.
في تلك اللحظة.
[آآآغغ، هذا يؤلمني بشدّة……]
ماذا؟
عند سماعي صوتًا مفاجئًا، أخذتُ ألتفت حولي.
‘ألم أكن وحدي؟’
لكنني لم أرَ هيئة إنسان، ولم أشعر بوجود أحد.
هل سمعتُ خطأً؟ هل وصلتُ الآن إلى مرحلة أبدأ فيها بسماع أصوات وهمية أيضًا؟
ولأنني لم أجد مصدر الصوت الذي سمعته قبل قليل، استأنفتُ السير في الحديقة.
لكن بعد ذلك مجددًا.
[أولئك البشر الأوغاد…… سألعنهم. سألعنهم حتى بعد موتي، وحتى إن لم يبقَ مني سوى روحي، سألعنهم ليتعسوا.]
عاد الصوت إلى مسامعي. كان قوله إنه سيلعنهم حتى بعد موته مخيفًا إلى حدٍّ ما.
‘من أنت، بحقّ خالق السماء؟’
اقشعرّ جلدي حتى ساعدي. والأسوأ أن المكان الذي كنت فيه هو المعبد؛ ذلك المعبد الذي يُقال إنه يقع على الحدود بين الأموات والأحياء.
‘لا يُعقل…… أنني أسمع الآن صوت أحد الموتى؟’
شعرتُ بقشعريرة باردة تسري حتى مؤخرة عنقي بلا سبب.
لكن الخوف شيء، والفضول شيء آخر.
‘مع ذلك، عليّ أن أعرف من أين يأتي هذا الصوت.’
فأنا لا أستطيع مقاومة فضولي حين يثير شيء اهتمامي، ولذلك أسرعت في السير داخل الحديقة بحثًا عن مصدر الصوت.
[آآغ، هذا يؤلمني……]
“……”
[ألن أموت حقًا إذا استمر الأمر هكذا؟ ……لا أريد ذلك. أريد أن أعيش.]
.”……”
[كنت أظن أنني سأعيش إذا أتيت إلى المعبد، فمن كان يتوقع أن يكون بين أولئك الكهنة المجانين شخص كهذا أيضًا……]
.”……”
ظلّ الصوت الخافت جدًا يثرثر بلا توقف.
كان الصوت يشبه صوت طفل، لكن أسلوب كلامه كان يبدو كأنه لشخص بالغ ممتلئ بالسخط على الدنيا.
[حتى السماء قاسية ولا ترحم…… لا أريد أن أموت بعد…… أوووه، يبدو أن التنفس نفسه أصبح صعبًااا……]
بدأت القوة تخبو من صوته تدريجيًا، كما لو كانت شمعة توشك على الانطفاء.
‘لقد كان يقول إنه يتألم منذ قليل.’
ترى أين أُصيب؟
وبينما كنت أفكر في ذلك، لمحت شيئًا في زاوية الحديقة، فتوقفت عن السير.
تحت ظل شجرة ضخمة، كان هناك شيء بالكاد يُرى ما لم تدقّق النظر إليه.
‘فحم؟’
كان الشيء مستديرًا وأسود حالكًا، ومن مسافة بعيدة بدا وكأنه مجرد كتلة من الفحم.
لكن عندما اقتربتُ منه قليلًا، استطعت أن أدرك أنه حيوان ذو فراء أسود.
‘وحش……؟’
ولأنني لم أصدّق ما رأيته، أخذتُ أتلفّت حولي من جديد.
‘هل كان صاحب ذلك الحيوان قريبًا؟’
فلا يمكن أن تكون كتلة الفراء الصغيرة، التي لا يتجاوز حجمها قبضة اليد، هي التي تحدثت.
اقتربتُ من تلك الكتلة ذات الفراء.
وعندها…
[صوت خطوات؟ ……وما هذا أيضًا؟]
في لحظة، رفعت كتلة الفراء التي كانت متكوّرة على نفسها رأسها ونظرت إليّ.
والتقت عينانا مباشرة.
[لا أظن أنها من الكهنة أيضًا.]
ما إن لاحظتني كتلة الفراء حتى نفشت فراءها وأبدت حذرًا شديدًا مني.
كان حيوانًا ذا فراء أسود حالك بالكامل، وأذنين مدببتين، وعينين زرقاوين.
لكن أكثر ما لفت الانتباه كان العلامة على جبينه؛ فقد كان الفراء الأبيض الموجود على جبينه وحده على شكل نجمة.
ولم تكن مجرد علامة تشبه النجمة على نحو تقريبي، بل كانت نجمة واضحة المعالم إلى حدٍّ مذهل.
حدّقتُ في علامة النجمة للحظات، ثم عدت أتفحّص بقية جسده.
‘إنه مصاب.’
كان فراؤه قد تساقط في مواضع متفرقة من جسده، كما بدت عليه جروح ممزقة في جلده.
اقتربتُ خطوة أخرى لأتفقد حالته، فإذا به يفتح فمه ويكشف عن أسنانه البيضاء الحادة، مهددًا إياي بصيحة حادة:
“كِهيااااااخ!”
“……”
يا له من سريع الغضب.
تجاهلتُ تهديده وتقدمتُ أكثر، فإذا بتحذير وحش مفترس شرس ينطلق في وجهي.
[لا تقتربي، أيتها البشرية! لم أمت بعد. أترين؟ مخالبِي؟]
[إن اقتربتِ أكثر فسأمزقكِ بها! هل فهمتِ؟! سيكون هذا مؤلمًااا جدًا، أقول لكِ!]
مدّ ذلك المخلوق أصابع كفّه، التي كانت أشبه بكرات من القطن المستديرة، وكشف عن مخالبه الحادة وهو يصرخ:
“مياو! مياو! ميااااو!”
كانت قطة.
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ بــوني 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.