الفصل 18
⟢ الفصلُ 18 ⟢
“القصر الإمبراطوري؟”
“أجل.”
ما إن دخلتُ الغرفة حتى طلب مني الدوق الأكبر التجهيـز للذهاب إلى القصر الإمبراطوري.
ما سبب هذه الزيارة المفاجئة إلى القصر؟
“في هذا الوقت تحديدًا؟”
فأجابني الدوق الأكبر بهدوء، وكأن الأمر يحدث كثيرًا:
“إنه شخص كثير الأسرار بطبيعته.”
شخص كثير الأسرار؟ وكون الدوق الأكبر يتحدث عنه بهذا القدر من الاحترام يعني أنه بلا شك…
‘أحد أفراد العائلة الإمبراطورية.’
حسنًا، إذا كان الأمر كذلك، فهذا منطقي. أليس هناك من يستطيع استدعاء دوق إحدى إمبراطوريات العالم في الصباح الباكر، ويأمرهبالمجيء والذهاب كما يشاء؟
‘فحتى سيرهين كان يستدعي النبلاء رفيعي المكانة للتسلية، ثم يتعمد مضايقتهم.’
أومأتُ برأسي، وبدأتُ أجهّز ملابس الدوق الأكبر واحدةً تلو الأخرى.
وبعد أن أعددتُ كل ما سيرتديه، من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه، بما في ذلك ملابسه وإكسسواراته، قال الدوق الأكبر:
“على كبيرة الخدم أن ترافقني إلى القصر الإمبراطوري أيضًا، لذا استعدّي.”
ما إن سمعتُ ذلك حتى توقفتُ عن ترتيب الإكسسوارات الموضوعة على المنضدة الجانبية، واستدرتُ نحوه على عجل.
“أنا؟ مهلاً، أنا أيضًا سأرافقك؟!”
“أجل.”
واصل الدوق الأكبر كلامه وهو يثبت أزرار أكمام قميصه عند معصمه:
“قال مساعدي إن لديه أمرًا آخر عليه تولّيه، فأذنتُ له بذلك. وبما أن المساعد سيغيب، فلا يوجد سواكِ لتقديم العون لي.”
“…….”
شعرتُ بوخزةٍ في ضميري بلا داعٍ. فلا شك أن الأمر الذي كان عليه تولّيه هو جثة الرجل الذي قتلته عند الفجر.
لكن لا بأس. أيًّا كان ما يفعله المساعد الآن، وأيًّا كانت المشقة التي يمر بها، فهذا لا يهمني.
فكلام الدوق الأكبر عن اصطحابي معه إلى القصر الإمبراطوري كان أهم بكثير بالنسبة إليّ.
فقد كان قلبي، الذي كان ينكمش أمام الدوق الأكبر وكأنه ميت، قد بدأ يخفق بلا حياء.
دقّ، دقّ، دقّ.
‘سأخرج؟ من هذا القصر؟ أنا؟’
رفعتُ عينيّ نحو الدوق الأكبر.
أكان قد أدرك ما يدور في ذهني؟ فتح الدوق الأكبر فمه وقال:
“سمعتُ أنكِ عشتِ بهدوء طوال العامين الماضيين. كنتُ أظن أنكِ ستحاولين، ولو مرةً واحدة، مغادرة الدوقيـة.”
ثم تلاشت نبرة صوته في آخر الجملة، وانزلق بصره المائل نحو عنقي. وبالنظر إلى زاوية عينيه، كان من الواضح أنه ينظر إلى قلادة الكلبالتي ألبسني إياها الدوق الأكبر.
تحسستُ بأطراف أصابعي القلادة التي استقر عليها بصره.
في الواقع، لم يعد من الممكن اعتبارها قلادةً بالمعنى المعتاد.
فقد كانت القلادة الأصلية تصدر صليلًا مزعجًا، فطلبتُ استبدالها بأخرى، لكنه أخرج الجوهرة الزرقاء منها وحدها، وثبتها على ربطة العنقالبيضاء.
وهكذا أصبحت ملتصقةً بالعنق من مكان قريب، حتى إنها بدت أشبه بطوق كلب حقيقي.
عبثتُ بالجوهرة الزرقاء بأطراف أصابعي.
شعرتُ بسطحها الأملس وأوجهها المصقولة بإتقان.
‘لا أظن أن هذا كلام يصدر ممن وضع لي طوق الكلب بنفسه كي يمنعني من الهرب، يا دوق.’
أخفيتُ أفكاري الحقيقية، وأجبته بأقصى قدر من الاحترام، مع ابتسامة لطيفة، حتى لا تتغير رغبة الدوق الأكبر في اصطحابي معه.
“كما أخبرتك، لم أفعل سوى أنني بذلتُ جهدي للوفاء بجميع وعودي لسموّك.”
“…….”
“لو كنتُ عازمةً حقًا على إتلاف هذا والهروب، لما وصلتُ أصلًا إلى منصب كبيرة الخدم، أليس كذلك؟”
وضعتُ يدي على صدري، ونظرتُ إلى الدوق الأكبر بنظرةٍ ترجوه أن يفهم صدق كلماتي.
همم، رفع الدوق الأكبر أحد حاجبيه.
وثبتت عيناه البنفسجيتان، اللتان يستحيل معرفة ما تخفيانه، على وجهي وكأنهما تستكشفان ما بداخلي.
في الحقيقة، لماذا لم أكن أرغب في الخروج؟
لم يكن الأمر أنني أردتُ الهرب من الدوقية تحديدًا.
كل ما أردته هو أن أخرج من القصر، وأعرف أخبار إمبراطورية تيناسيس، وأستفسر عن السفن المتجهة إليها.
‘فلا ضرر من الاستعداد مسبقًا.’
ولهذا كنتُ قد فكرتُ من قبل في طريقة أخرج بها من القصر خلسة.
لكن…
—“سأخبركِ مسبقًا، تحسبًا لأن تحاولي فعل شيء أحمق.”
كان معلمّي قد حذرني مسبقًا.
—“الجوهرة التي ترتدينها حول عنقك الآن مُشبعة بالسحر. إذا غادرتِ القصر من دون إذن، فستكون التجربة… صادمة جدًا على الأرجح.”
لم أكن أعرف تحديدًا ما الذي قصده بكلمة “صادمة”، لكن كان من الواضح أن الأمر يتعلق بسحر هجومي.
‘سيتفعّل فور خروجي.’
أنا أكره الألم كرهًا شديدًا. لذلك تخلّيتُ عن فكرة الهرب.
كانوا يقولون إن الحظ يحالف من يتحلى بالصبر.
فتمسكتُ بالأمل في أنني، بعد أن أكسب ثقته يومًا ما، سأتمكن أنا أيضًا من مغادرة القصر متى شئت، وصبرتُ حتى ذلك الحين.
‘وفي النهاية……لقد جاء ذلك اليوم.’
شدَدتُ قبضتي خلسةً، بعدما أسدلتُ يدي إلى الأسفل.
‘أنا فخورةٌ بكِ يا أنا.’
يا لي من فتاةٍ رائعة! شعرتُ بوخزٍ في طرف أنفي، وبدأت عيناي تترقرقان بالدموع.
لكنني ما زلتُ أقف أمام الدوق الأكبر. ما زال الوقت مبكرًا لإطلاق الألعاب النارية احتفالًا.
سارعتُ إلى ضبط مشاعري.
وفي تلك اللحظة، اقترب الدوق الأكبر مني خطوةً واحدة.
حبستُ أنفاسي للحظة.
‘لماذا؟ لماذا يفعل هذا؟’
وحين رمشتُ بعينيّ ونظرتُ إلى الدوق الأكبر، مدّ يده نحوي أخيرًا.
كنتُ على وشك دفعه بعيدًا في الحال، لكنني بالكاد تماسكتُ وانتظرتُ، حتى لامست أطراف أصابعه الجوهرة المثبتة في طوق الكلب الخاصبي.
نق… لمسة خفيفة.
‘هم؟’
شعرتُ بدفءٍ خفيف.
وبينما كنتُ أرمش بسرعة، نظر إليّ الدوق الأكبر بلامبالاة وقال:
“الآن ستتمكنين من الخروج من الدوقيـة.”
“!”
فتحتُ عينيّ على اتساعهما.
‘ما هذا……؟’
هل كان من الممكن فكّ هذا بهذه السهولة؟
‘لم يفعل سوى أن وضع إصبعًا واحدًا عليه؟’
تاهت عيناي، وأخذتا تتحركان في كل اتجاه دون أن تستقرا على شيء.
‘كيف فعلها؟’
ألم يكن هناك سحر هائل موضوع عليها؟ أم أن الأمر كان بهذه البساطة، بحيث يكفي أن يلمسه إصبع الدوق الأكبر؟ ترى، ما الآلية التييعمل بها هذا السحر أصلًا؟
مهلاً.
إذا كان السحر يُفك بهذه السهولة، فهل يعقل أنني بقيتُ مقيدةً هنا طوال عامين كاملين من دون أن أحاول حتى؟
‘لو كنتُ أعرف أن الأمر بهذه السهولة، لحاولتُ على الأقل!’
كان يجدر بي أن أستغلّ لحظة غفلة للدوق الأكبر أو نومه، وأخضعه ثم أضع إصبعه على الجوهرة. حتى لو لم أستطع قتله، ألم يكن بإمكانيشلّ حركته للحظات على الأقل؟
‘أم أن ذلك كان صعبًا أيضًا؟’
مع أنني أشعر الآن بأنني قادرة على فعل ذلك. لكن لا حاجة بي إلى المحاولة الآن أصلًا، فقد فُكّ السحر بالفعل.
ازدحم رأسي بعشرات التساؤلات والأفكار الصغيرة.
لكن فرحتي لأنني أصبحتُ قادرة على مغادرة البوابة الرئيسية للدوقية في أي لحظة، كانت أكبر بكثير من رغبتي في معرفة إجابات تلكالأسئلة.
أدرتُ رأسي نحو النافذة.
‘الآن… أستطيع الخروج من تلك البوابة…….’
كانت البوابة الحديدية السوداء لمقر الدوق الأكبر تقف خارج النافذة بهيبةٍ طاغية.
آه، يا إلهي! ما أعظم هذه السعادة!
تلك البوابة الحديدية التي طالما تمنيتُ عبورها طوال عامين، أصبح بإمكاني الآن أن أعبرها مرفوعة الرأس.
‘هذا رائع. لم أتوقع أن أتمكن من الخروج بهذه السرعة، لكن لا بأس. الآن سأستطيع الحصول على معلومات عن إمبراطورية تيناسيسأيضًا. أول ما ينبغي أن أفعله هو البحث عن نقابة المعلومات ثم—’
في تلك اللحظة، مزّق صوت الدوق الأكبر الفاتر شرود ذهني.
“لكن لمرة واحدة فقط.”
هم؟
كنتُ أحدّق في البوابة الرئيسية، لكنني أدرتُ رأسي بسرعة ونظرتُ إلى الدوق الأكبر.
مرة واحدة؟
وكأن دلوًا من الماء البارد قد سُكب فوق رأسي، عاد إليّ وعيي دفعةً واحدة.
ولعل تعبير وجهي أعجبه، إذ ارتسمت على نحوٍ خفيف ابتسامة ساخرة عند زاوية فم الدوق الأكبر، الذي كان وجهه خاليًا من التعبير قبللحظات.
“لماذا تنظرين إليّ بهذه الطريقة، يا كبيرة الخدم؟ لا تقولي إنكِ توقعتِ أن أحرركِ من كل شيء؟”
“…….”
لم أستطع أن أنكر ذلك.
عامان.
عامان كاملان قضيتُهما وأنا أكافح وأتحمل من أجل الوفاء بوعدي لذلك الدوق اللعين في هذا القصر.
وألم أصبح أخيرًا كبيرة الخدم؟
لقد أوفيتُ بوعدي للدوق الأكبر، ولذلك، في قرارة نفسي، كنتُ آمل فعلًا أن ينزع عني طوق الكلب هذا على الأقل.
عضضتُ على فكي بقوة، وتمسكتُ بعقلي بصعوبة.
نظر الدوق الأكبر إليّ طويلًا من علٍ، ثم قال:
“يا كبيـرة الخدم.”
“……نعم، يا سموّك.”
أجبتُ بصعوبة، كابحةً مشاعري.
وتابع الدوق الأكبر:
“أنا لا أحتاج إلى كبيرة خدم بارعة تكتفي بترديد الكلام المعسول أمامي. ما أحتاج إليه هو كبيرة خدم تستطيع أن تتحدث بصراحة وتعبّرعن رأيها أمامي، حتى لو كان عليها أن تضع عنقها على المحك.”
“…….”
“وبهذا المعنى، لم تفي بوعدك لي بعد.”
“…….”
لم أفِ بوعدي؟
—“تعلّمي جيدًا من نوربرت. من يدري؟ إذا أصبحتِ بارعةً إلى درجة لا أستطيع الاستغناء عنكِ، فربما أخبركِ بنفسي بالأسرار التي تريدينمعرفتها.”
أن أصبح أفضل من هذا؟
كيف يُفترض بي أن أفعل ذلك؟
‘كم عليّ أن أفعل هنا، وإلى أي مدى، حتى أصبح بارعة في نظره؟’
عامان من الصبر، وستة أشهر منذ أصبحتُ كبيرة خدم.
شعرتُ وكأن كل ذلك قد جرى إنكاره دفعةً واحدة.
أسقطتُ رأسي دون قوة، ثم أطلقتُ زفيرًا بطيئًا خرج من أعماق بطني.
هااه……
‘هذا…… مزعج للغاية، أليس كذلك؟’
أغمضتُ عينيّ بقوة، ثم فتحتهما، وسارعتُ إلى تهدئة المشاعر التي فاضت في صدري للحظة.
‘لقد تحملتُ كل هذا حتى الآن، فلا يمكنني الاستسلام في هذه المرحلة.’
رفعتُ رأسي ببطء، وثبّتُّ نظري مباشرةً في العينين البنفسجيتين اللتين كانتا تحدقان بي.
ثم رسمتُ على شفتي ابتسامةً لطيفة، كأنها مرسومةٌ بعناية.
“لا أفهم ما الذي تعنيه يا سموّك. لم أُدلِ بأي كلام معسول من قبل. وأرجو أن تدرك أن كل ما قلته لك كان نابعًا من صميم قلبي.”
فضحك الدوق الأكبر ضحكةً خافتة، وكأنه كان يتوقع مني هذا الرد.
“حسنًا. لا أعرف إلى متى ستتمكنين من إخفاء ذلك، لكن استمري حتى أقصى ما تستطيعين. سأنتظر.”
ربّت الدوق الأكبر على كتفيّ بخفة عدة مرات، ثم غادر غرفة النوم.
“…….”
ظللتُ أحدّق في ظهر الدوق الأكبر وهو يغادر غرفة النوم.
وظل صوته المتعالي، الذي بدا وكأنه يعرف كل شيء، يتردد في أذني كالصدى.
‘حسنًا، لا بأس. لنرَ إذن من منا سينتصر في النهاية.’
ثم سارعتُ إلى اللحاق بالدوق الأكبر.
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ بــوني 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.