الفصل 151
⟢ الفصلُ 151 ⟢
“يبدو أن لدى سموّ الدوق الأكبر سرًّا لا أعرفه.”
“هذا صحيح.”
“إذًا…”
كريك، كرييييك—. أخذت أُدحرج الفاكهة الموضوعة على الطبق هنا وهناك، وأمرّر الشوكة مرارًا على قاعه.
ولعل صوت احتكاك الشوكة بالطبق قد أزعجه، إذ تجعّدت ما بين حاجبي الكونت إدموند بشدّة.
وضعتُ الطبق على حاجز الشرفة، وأمسكت الشوكة بإحكام، ثم سألته:
“كيف تجرؤ الآن، أمامي… على القول إنك تعرف سموّ الدوق الأكبر أكثر مني، أيها الكونت؟”
“……ماذا؟”
اضطربت نظرات الكونت إدموند أمام التغيّر المفاجئ في نبرة صوتي وتصرفاتي.
“آه، لـ، لم أقصد ذلك. أ، أقصد أن الآنسة مخدوعة من قِبل سموّ الدوق الأكبر—.”
تقدّمتُ نحوه بخطوات كبيرة، وأمسكتُ بقبضتي الخالية من الشوكة بياقة ملابسه.
“أخ!”
“مخدوعة؟ من خدع مَن بالضبط؟ لا يوجد شخص أكثر صدقًا معي منه.”
“س، سموّ الدوق الأكبر لديه الكثير من العلاقات مع النساء، لذا—، أغخ!”
شدَدتُ الكونت إدموند نحوي بقوة، وما زلتُ ممسكة بياقته، فانجذب جسده نحوي بسهولة.
وضعتُ الشوكة التي في يدي الأخرى أسفل ذقنه، وهمستُ بهدوء بالقرب من أذنه:
“اعتبر نفسك محظوظًا أيها الكونت. لو لم يكن اليوم يومًا مميزًا بالنسبة إليّ، لاخترقت هذه الشوكة ذقنك وخرجت من الجهة الأخرى.”
“هـ، هِخ!”
شهق الكونت إدموند بخوف، وراح يلتقط أنفاسه بسرعة.
واصلتُ حديثي وأنا أضغط بالشوكة برفق على أسفل ذقنه.
“علاقات مع النساء؟ كان عليك أن تختار كذبة أكثر إقناعًا، حتى أستطيع على الأقل أن أتظاهر بتصديقها.”
“آ، آنسة…”
لو كان الأمر متروكًا لمزاجي، لركلتُ الكونت إدموند بين ساقيه دون تردّد.
لم يكتفِ بالكذب قائلًا إن الدوق الأكبر موجود في الشرفة، بل راح أيضًا ينشر شائعات باطلة تسيء إلى شرفه.
‘يمكنني تحمّل أن يشتمني، لكنني لن أتحمّل أن يشتم خطيبي.’
لكن اليوم كان يومًا ذا مغزى، فقد عادت مكانتي ومكانة عائلتي إلى موضعهما الصحيح.
نعم، بما أنه اليوم… فسأتحمّل.
حدّقتُ في عيني الكونت إدموند وقلت:
“اخرج بهدوء من قاعة الحفل، وكأن شيئًا لم يحدث، وعُد إلى منزل الكونت، أيها الكونت.”
“……هُووه.”
كان الكونت إدموند خائفًا إلى درجة أنه لم يستطع حتى الإجابة بصورة لائقة، واكتفى بصعوبة بهزّ رأسه.
“حسنًا، أيها الكونت. …حين أعود إلى قاعة الحفل، إذا ظللتُ أرى وجهك هناك، فسوف أتوقف عن التحمل أيضًا—. ها؟!”
في تلك اللحظة.
وبينما كنتُ أوجه تحذيرًا شديدًا إلى الكونت إدموند، أمسك أحدهم بخصري بقوة وجذبني إليه.
حدث الأمر في غمضة عين، فلم أتمكن حتى من المقاومة، وانسحبتُ إلى الخلف.
طَقّ—! لامس ظهري شيء شديد الحرارة، كأنه بركان ثائر.
وقبل أن أجد وقتًا لأتحقق مما كان، انساب فوق رأسي صوت منخفض للغاية، يحمل برودة مخيفة.
“هل أفسدتُ وقتك الممتع؟”
“……ماذا؟”
…الدوق الأكبر؟
هذه الرائحة، هذه الحرارة المنبعثة منه، وهذا الصوت.
كان كادريان.
‘ما هذا؟ متى أتى؟ ومن أين؟’
حاولتُ أن أستدير لأرى وجه كاردريان، لكنه كان يحتضنني من الخلف بقوة شديدة، فلم أستطع فعل ذلك.
“كادريان؟”
ناديته لأشير إليه بأن يرخِي ذراعيه، لكنه ظل يحتضنني من الخلف وأجاب:
“جئت أبحث عن خطيبتي لأنني لم أجدها، فإذا بي أراها ملتصقة برجل آخر.”
يا إلهي، “ملتصقة”؟ كلامك قاسٍ جدًا.
ربتُّ على ساعده الذي كان يحيط بخصري وقلت:
“لا، لا أعرف ما الذي أسأت فهمه، لكن الأمر ليس كذلك إطلاقًا. ذلك الكونت الأحمق استدرجني إلى هنا بالكذب—.”
“ولهذا عقدتما خلوة سرّية؟”
“خ، خلوة سرّية؟!”
“إن لم يكن الأمر كذلك، …فلن تمنعيني من قتله فورًا، أليس كذلك؟”
اتجه صوت كادريان المفعم بنية القتل نحو الكونت إدموند.
“هَـ…!”
جلس الكونت إدموند على أرضية الشرفة من شدة الخوف، وراح يرتجف.
‘أ، أنقذوني…’
كان مذعورًا إلى درجة أنه لم يستطع حتى إكمال كلمة واحدة يطلب فيها النجدة.
وكان الغضب المنبعث من كادريان خلفي واضحًا إلى حد جعل القشعريرة تسري في جسدي أنا أيضًا.
‘تبًّا! كل هذا بسبب ذلك الكونت اللعين!’
لقد أفسد لقاؤنا بعد طول غياب!
عضضتُ على أسناني بقوة، وقلت للكونت إدموند الذي كان جالسًا على الأرض، والدموع تنهمر من عينيه بصمت:
“أجل! اقتله فحسب! من الأفضل أن يموت على أن يسيء الدوق الأكبر فهمي بسببه! لا، بل سأقتله أنا!”
“دعني! سأقتله! أنا!”
وأنا لا أزال بين ذراعي كادريان، أخذت ألوّح بالشوكة التي كنت أمسكها في الهواء.
في تلك اللحظة.
ربما لأن غضبي وصل إليه.
“أُغغغ……”
فجأة، قلب الكونت إدموند عينيه، ثم انهار ببطء إلى جانبه.
وبعدها بدأ الجزء الأوسط من سرواله الأبيض الناصع يبتلّ باللون الأصفر.
ها…؟
“……”
“……”
غادرت أنا وكادريان الشرفة بهدوء، من دون أن ننطق بكلمة.
* * *
ما إن خرجتُ أنا وكاردريان معًا من الشرفة، حتى أخذ الناس ينظرون إلينا باستغراب.
لا بدّ أنهم رأوا الكونت إدموند يدخل الشرفة نفسها التي دخلتُ إليها، لكن الكونت إدموند اختفى تمامًا، وبدلًا منه خرجتُ أنا وكادريان.
كان الجميع يتساءلون عمّا حدث، لكن لم يجرؤ أحد على التقدّم وسؤالنا مباشرة.
فقد كانت هالة القتل المنبعثة من كادريان مخيفة على نحو غير مألوف.
وأخذ النبلاء الذين كانوا يختلسون النظر إليّ وإلى كادريان يتناجون.
“……ألم يمت الكونت إدموند؟”
همست إحدى الآنسات وهي تغطي فمها بمروحتها، فأومأ الرجل الواقف إلى جوارها موافقًا.
“أجل. منذ أن بدأ يفعل أشياء لا داعي لها، وأنا أشعر بأن الأمر لن ينتهي بخير.”
“وأنا أيضًا شعرت بأن هناك شيئًا مريبًا منذ أن تبعها إلى الشرفة.”
“لكن أجواء سموّ الدوق الأكبر……”
“أجل، مخيفة حقًّا……”
“بالضبط.”
لم تهدأ حِدّة كادريان، الذي كان يحتضنني، بل ظلّ غضبه الشديد ظاهرًا بوضوح.
وبوجهه القاسي، قادني إلى أحد جوانب قاعة الحفل.
وبعد قليل، توقّف كادريان عن السير ونظر إليّ بهدوء.
لم يسبق أن بدت عيناه البنفسجيتان اللتان أحبّهما باردتين إلى هذا الحدّ كما بدتا اليوم.
واجتاحت عيناه جسدي ببطء، من أعلى رأسي حتى أخمص قدميّ.
كانت موسيقى فرقة القصر الإمبراطوري تتردّد في الأرجاء، ومع ذلك، لسبب ما، شعرتُ بأن الصمت يخيّم على المكان بشدّة.
“كادريـ—.”
لكن كادريان سبقني بالسؤال.
“هل أُصبتِ في مكان ما؟”
“ماذا؟”
“ماذا فعل بكِ ذلك الوغد؟”
“……”
“مع أنني لا أرى إصابة ظاهرة للعيان.”
آه…… لم يكن قد أساء فهم الأمر؟
كانت عيناه البنفسجيتان اللتان كانتا تلمعان بالغضب قد أصبحتا أكثر هدوءًا، كغروب الشمس الذي يصبغ أوائل مساء الخريف بلون دافئ.
“ألم تكن غاضبًا؟”
“بلى، كنت غاضبًا.”
“كنتَ قد أسأت الفهم إذًا، أليس كذلك؟”
“أسأت الفهم؟”
“لقد قلت ذلك قبل قليل. قلت إنك لم تتوقع أن تجدني مع رجل آخر……”
“……”
شعرتُ بالظلم بلا داعٍ، فخفضتُ نظري إلى الأسفل وتذمّرت قليلًا.
“لم يكن الأمر كذلك فعلًا……”
كل ما في الأمر أنهم أخبروني بأن الدوق الأكبر موجود في الشرفة، لذلك ذهبتُ إليها، ثم لحق بي ذلك الوغد إلى الداخل……
وبينما كنتُ أتمتم بصوت خافت، سمعتُ صوت كادريان وقد هدأ كثيرًا.
“أعلم.”
“ماذا؟”
رفعتُ رأسي من جديد.
“تعلم؟”
“نعم.”
“إذًا، لماذا كنت غاضبًا إلى هذا الحد؟”
“……”
التزم كادريان الصمت للحظات، ثم أمسك بيدي.
“لا أعلم. مع أنني كنت أعلم أن هذا لم يكن الوضع الذي أردتِه، …لم أستطع السيطرة على غضبي.”
“……”
واصل كادريان حديثه وهو يقبّل كل إصبع من أصابع يدي واحدًا تلو الآخر.
“ولم يعجبني أيضًا أن الرجل الذي كان يقف إلى جوارك في ذلك المكان الضيق والمظلم لم يكن أنا، بل رجلًا آخر.”
ثم ابتسم كادريان ابتسامة ساخرة من نفسه، وقال إنه كاد حقًّا أن يقطع عنق الكونت.
ماذا……؟
نظرتُ إلى كادريان بعينين مفتوحتين على اتساعهما، وسألته:
“سموّ الدوق، هل كنتَ… تشعر بالغيرة؟”
“……”
لم يجب كادريان، بل ظلّ يتأمل عينيّ بصمت لبعض الوقت.
“……هذا كلّه.”
“ماذا؟ هذا كلّه؟”
“أظن أن السبب هو أن الناس لا يعرفون إلى أي حدّ أنا مهووس بكِ.”
“سموّ الدوق……”
هذا الرجل… هل كان يعرف كيف يقول كلامًا كهذا أيضًا؟
تصاعدت حرارة إلى عنقي. وكما حدث عندما تقدّم لي، شعرتُ بالحرج وبشيء من الدغدغة في آنٍ واحد، لسبب ما.
في تلك اللحظة، اقترب كادريان مني حتى التصق بجسدي.
“لذلك سأريهم.”
ماذا؟ ماذا سيريهم؟
وقبل أن أتمكّن حتى من إخراج ذلك السؤال من فمي، أمسك كادريان بطرف ذقني ورفع وجهي إلى الأعلى.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.