الفصل 149
⟢ الفصلُ 149 ⟢
“……والآن، أتمنى أن تكون سعيدًا يا صاحب السمو.”
“…….”
عندما سمع كادريان صوت الكونت نوربرت وقد ازداد هدوءًا، نظر إليه.
ظلّ الكونت نوربرت يحدّق بهدوء في عيني كادريان اللتين كانتا تنظران إليه.
سيدي الذي ظلّ يحارب الوحدة طوال سنوات طويلة.
كان سيدي قد عاش وحيدًا، محتضنًا ذلك الفراغ في قلبه، عاجزًا عن نسيان خطيبته في طفولته.
لقد صُدمت حين علمت أن خطيبته التي قيل إنها ماتت كانت في الحقيقة على قيد الحياة، لكنني كدت أسقط من شدة الصدمة عندما علمت أن تلك الخطيبة هي فريا.
لكن…
في الوقت نفسه الذي شعرت فيه بالدهشة، شعرت بالارتياح أيضًا.
لأن خطيبة سيدي الصغيرة، التي ظلّ ينتظرها وينتظرها طوال ذلك الوقت، كانت على قيد الحياة.
وفوق ذلك…
لأن تلك الخطيبة كانت فريا.
كان الكونت نوربرت قد أمضى وقتًا لا بأس به مع فريا، وهو يعلّمها شؤون الدوقية الكبرى.
في البداية، كان قد تعامل معها عازمًا على طردها، لكن كلما أمضى معها وقتًا أطول، ذاب تلقائيًا ذلك العزم القاسي الذي عقده في نفسه.
‘صحيح أنني وبّختها كثيرًا وانتقدتها مرارًا، لكن لا بد من الاعتراف بصبرها وعنادها، فقد صمدت في كل مرة بدافع كبريائها وإصرارها.’
وفوق كل شيء…
تذكّر الكونت نوربرت كادريان وهو يضحك إلى جانب فريا، مُظهرًا مشاعره أمامها من دون أي تحفظ.
نعم، هذا يكفي.
‘أليس الأهم أن سموّه أصبح لديه شخص يستطيع أن يفتح له قلبه؟’
نظر الكونت نوربرت إلى كادريان، وارتسمت على وجهه ابتسامة، فانحنت عيناه المتجعدتان قليلًا.
“من الآن فصاعدًا، أتمنى من صميم قلبي، أنا نوربرت، أن تصبح سعيدًا، من دون وحدة أو عزلة… ومن دون انتظار لا موعد له. يا صاحب السمو.”
“…….”
نظر كادريان إلى نوربرت بوجه هادئ.
وكانت عيناه، اللتان عمّقتهما السنوات المتراكمة، ممتلئتين بقلق صادق نابع من إخلاصه له.
ابتسم كادريان ابتسامة خفيفة وأومأ برأسه. ثم أعاد نظره إلى خارج النافذة وأجاب عن مشاعر نوربرت:
“حسنًا، سأضع ذلك في حسباني بالتأكيد.”
اتجهت أنظار الكونت نوربرت أيضًا إلى خارج النافذة.
وبدا له أن السماء المتوهجة بدفء ألوان الغروب أجمل من المعتاد اليوم.
* * *
بدأت عربات مختلف عائلات النبلاء تصل واحدة تلو الأخرى.
أزاحت رييل ستارة نافذة العربة وألقت نظرة إلى الخارج.
“لقد غربت الشمس بالفعل، يا آنستي.”
“مع أننا لم ننطلق متأخرين أصلًا.”
بما أن عددًا كبيرًا من العربات كان قد وصل قبلنا، فقد حلّ الظلام بالفعل عندما جاء دور عربتنا.
ومن خلال الظلام، ظهر مبنى القصر الإمبراطوري بوضوح، غارقًا في أضواء ذهبية.
كانت أضواء الثريات تتسرّب من النوافذ المقوّسة التي تنسجم مع هيكل القصر الإمبراطوري، إلى جانب أصوات موسيقى هادئة.
كان القصر الإمبراطوري، الذي استعاد هيبته، يكتنفه جلال هادئ.
‘مضى وقت طويل.’
ربما هذه أول مأدبة أحضرها منذ مأدبة احتفال التحالف.
في ذلك الوقت، أظن أنني كنت متوترة للغاية، خوفًا من أن ألتقي بسيرهن.
لكن مأدبة اليوم مختلفة قليلًا.
لم يكن هناك ذلك القلق الذي شعرت به حينها، لكن كان هناك قدر من الترقب والإثارة، يكفي لجعل راحتيّ رطبتين قليلًا، وبالقدر الذي يجعل الشعور ممتعًا تمامًا.
‘شخص كان كبير خدم الدوقية الكبرى يظهر الآن في هيئة نبيلة شابة.’
لا أظن أن هناك ظهورًا أكثر درامية من هذا، حتى في أكثر المسرحيات إثارة.
قررت أن أستمتع بهذه اللحظة، وكأنني بطلة مسرحية ذائعة الصيت أقف على خشبتها.
‘وسيكون من الممتع أيضًا مشاهدة تعابير النبلاء الذين كانوا يتهامسون بالشائعات الكاذبة أمام وجهي.’
وأخيرًا، وصلت عربتنا إلى أمام القصر الإمبراطوري.
ما إن نزلت من العربة حتى شعرت بنظرات النبلاء الذين كانوا ينتظرون من دون دخول قاعة المأدبة.
لم أشعر بأنها عبء عليّ على وجه الخصوص. فلديّ الآن أمر أهم بكثير من نظراتهم الفضولية.
‘أين كادريان؟’
أخذت أبحث بعينيّ ببطء عن خطيبي الذي سألتقي به بعد غياب نصف شهر.
في تلك اللحظة.
صمت جميع النبلاء الذين كانوا يرتدون أزياء فاخرة ويتبادلون الأحاديث، وفي الوقت نفسه تغيّر الجو المحيط بنا دفعة واحدة.
اتجهت أنظارهم جميعًا إلى مكان واحد.
إلى رجل كان يخرج من مدخل القصر الإمبراطوري.
كان ذلك أمرًا لا مفرّ منه.
فقد حبس الناس الذين كانوا ينظرون إليه أنفاسهم أمام هالة الرجل التي طغت حتى على فخامة القصر الإمبراطوري.
كان مظهره المستقيم والمنضبط، الخالي من أدنى اضطراب، آسرًا.
وكأن شيئًا حوله لم يكن موجودًا، كان الرجل يحدّق بي وحدي، ويتقدم نحوي.
لطالما شعرت بذلك، لكن لا بد أن هذا الرجل قد وُلد ليخضع كل ما في العالم لسيطرته ويعتلي عرشه فوقه.
تدلّت عباءة سوداء مطرّزة بشعار ذهبي على كتفيه، وكانت تتمايل مع خطواته.
“كادريان…….”
واااه…
انفلتت مني ضحكة خاوية رغماً عني.
بصراحة…
ليس لأنه رجلي، بل لمجرد أن رؤيته يخرج من القصر الإمبراطوري جعلته يبدو كوجود أثمن من أفراد العائلة الإمبراطورية، بل لا.
بدا لي وكأنه وجود أثمن من أفراد العائلة الإمبراطورية أنفسهم.
‘ربما كان من حسن حظي أننا كنا منفصلين حتى موعد زواجنا.’
وإلا لكنت اقتحمت حجرة الدوق الكبرى خلسةً في نهاية المطاف.
لا يمكنني أن أُظهر للدوق تلك الغريزة العنيفة لديّ……
لكن.
‘مع ذلك، سيكون من الأفضل أن نُعجّل بالزواج.’
قبل أن أمتطي حصانًا في منتصف الليل وأقتحم الدوقية الكبرى.
‘أولًا، لنتجاوز معظم الإجراءات المزعجة، ولنجعل مراسم الزفاف بسيطة وسريعة وتنتهي في أقرب وقت ممكن—.’
وبينما كان ذهني منشغلًا بخطة تقديم موعد الزفاف، فإذا بـ…
“كان ينبغي أن آتي لاصطحابك بنفسي، أنا آسف.”
كان كادريان قد وقف أمامي في غفلة مني، ومدّ يده نحوي.
“هل كان الطريق شاقًّا عليكِ؟”
نظرت إلى وجه كادريان للحظة، ثم وضعت يدي فوق كفّه الكبيرة.
همم، وأنا أمسح من ذهني بسرعة خططي الخبيثة.
“لا…… لم يكن مرهقًا إلى ذلك الحد.”
آه، صحيح. استخدام الكلام غير الرسمي في مناسبة رسمية ليس لائقًا، أليس كذلك؟
سعلتُ سعالًا خفيفًا ونظرت إليه من جديد.
“ثم إنني أعرف أكثر من أي شخص آخر أن سموّك مشغول. ولستُ ضيّقة الأفق إلى هذا الحد.”
شعرت بالرضا عن نفسي بلا سبب، إذ ظننت أن إجابتي كانت تليق بسيدة نبيلة إلى حدٍّ كبير.
عندها ابتسم كادريان من دون أن يصدر صوتًا.
“شكرًا لكِ على تفهّمكِ وسعة صدركِ، يا آنسة.”
ورفع كادريان يدي كما لو كان يردّ على مجاملتي، ثم قبّل أطراف أصابعي.
وبعد ذلك، ظلّ ينظر إليّ مليًّا.
“اليوم……”
“…….”
“أنتِ جميلة حقًّا، يا آنسة. ……إلى درجة أنني لا أريد أن يراكِ الآخرون.”
“…….”
ومع بقاء شفتيه تضغطان برفق على أطراف أصابعي، انحنت عيناه قليلًا وهو ينظر إليّ.
شهقتُ بخفوت من دون وعي أمام تلك الابتسامة الناعمة بعينيه.
‘يـ، يا لهذا الماكر الوقح……!’
وحين ارتجفت أطراف عينيّ من الارتباك، ابتعدت شفتا كادريان الدافئتان عن أصابعي.
ابتسم ابتسامة هادئة، ثم رفع ذراعي لتلتفّ يدي حول ساعده.
“هل نذهب، يا آنسة بلانكر؟”
“……نـ، نعم، لنذهب.”
سار كلانا جنبًا إلى جنب نحو مدخل قاعة المأدبة.
ولم يكن من المستغرب أن تنهال علينا نظرات المحيطين بنا وكأنها سهام.
وحين أمسكت بذراع كادريان بقوة، سألني:
“هل أنتِ متوترة؟”
همم…… وبعد تفكير قصير، أجبته بصوت خافت:
“أظن ذلك، ……نعم.”
عندها تصلّبت ملامح كادريان، وأخذ يمسح بنظرة باردة على النبلاء المحيطين بنا.
“هل تريدينني أن أطلب منهم ألّا ينظروا إليكِ؟”
“ماذا؟”
“يمكنني أن أجعلهم جميعًا يطأطئون رؤوسهم. حالًا.”
آه، ما هذا؟
‘هل ظنّ أنني متوترة بسبب أولئك النبلاء؟’
انفجرتُ بالضحك دون قصد عندما رأيت ملامح كادريان الجادّة.
ربّتُّ على ساعده القوي مرتين وقلت:
“لا. لا تفعل ذلك. لستُ متوترة بسببهم.”
“إذًا……”
نظر إليّ كادريان بوجه بدا عليه أنه لم يفهم السبب. فرفعت عينيّ إليه، ثم همست بصوت خافت ممزوج بالضحك:
“أنا متوترة بسبب الدوق الأكبر. ……بسببك أنت.”
“…….”
“لقد اشتقت إليك كثيرًا، أيها الدوق الأكبر.”
“……فريا.”
“لذلك، ابقَ إلى جانبي طوال اليوم. وسواء استدعاك ولي العهد أم لا، فلا تفكّر في الذهاب إليه.”
“…….”
ما إن انتهيت من كلامي حتى مرّر كادريان يده برفق على ظهر يدي الموضوعة فوق ساعده، وأجاب:
“سأفعل…… سأبقى إلى جوارك.”
“نعم. عليك أن تفعل ذلك بالتأكيد، أيها الدوق الأكبر.”
إذا كنت لا تريد أن تراني وأنا أتسلّق سور الدوقية الكبرى خلسةً.
أخفيتُ أفكاري الخبيثة والخطيرة، وابتسمت له ابتسامة مشرقة.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.