الفصل 140
⟢ الفصلُ 140 ⟢
وقف كادريان متصلّبًا أمام باب غرفة نوم فريا.
كان قد طرق الباب عدّة مرات، ولما لم يتلقَّ أي جواب، كان على وشك أن يستدير ويغادر.
لكن في تلك اللحظة، انفتح الباب.
ومن خلال فتحة الباب، أطلّت فريا برأسها، ولم تكن قد جففت جسدها تمامًا بعد.
“الدوق الأكبر…؟”
“…….”
كان واضحًا لأيّ شخص أنها خرجت لتوّها من الاستحمام.
كان شعرها، الذي رفعته قليلًا خلف أذنيها، لا يزال مبللًا، ووجنتاها اللامعتان تتوردان بحمرة خفيفة.
وحين اندفعت إليه رائحة الصابون من خلال فتحة الباب، شعر بدوار للحظة.
عندها راحت فريا تتلفّت في الممر، ثم فتحت الباب أكثر قليلًا وتنحّت جانبًا.
“ادخل، أيها الدوق الأكبر.”
“…….”
استنشق كادريان أنفاسه بهدوء.
وحين تراجعت فريا خطوة إلى الخلف، ظهرت حالتها أمام عينيه بوضوح.
كان قميص أبيض رقيق ملتصقًا بصورة طبيعية ببشرتها الرطبة بعد أن أنهت حمّامها للتو.
وكلما أمسكت بطرف القميص بأطراف أصابعها دون اكتراث وسحبته قليلًا، كان ظلّ جسدها يظهر من خلال القماش بصورة خافتة.
ابتلع كادريان ريقه دون أن يشعر.
كان توترًا خطيرًا على نحوٍ ما.
مرّت في ذهنه للحظة فكرة أن يقول لها إنه سيأتي لاحقًا.
لكن، وبصرف النظر عن ذلك التردد، كانت ساقا كادريان قد بدأتا بالفعل بالسير إلى داخل غرفة نوم فريا.
وكأنه مسحور.
نعم، ……لا شك أنه كان مسحورًا.
* * *
دَوّى صوت إغلاق الباب، وانتشر صداه الخافت في أرجاء الغرفة.
ألقيت نظرة خاطفة على كادريان وابتسمت ابتسامة خفيفة.
‘ظننت أنه سيعود ويأتي لاحقًا، لكن ما الذي جعله يدخل؟’
إذا تذكّرت تصرفات كادريان طوال الفترة الماضية، فلم يكن من النوع الذي يدخل إلى غرفة امرأة خرجت لتوّها من الحمّام.
نظر كادريان إلى البرج الخشبي المخصّص لكتلة الفرو، والموجود في غرفتي، وسأل:
“لا أرى القطة.”
التقطت منشفة لأجفف شعري، واتجهت نحو الأريكة.
“إنها مع السير أنيت. في الآونة الأخيرة، أصبحت تقضي وقتًا مع السير أنيت أكثر من إيد.”
“……لكنها لن تتمكن من التحدث معها، أليس كذلك؟”
“لا داعي للقلق. كتلة الفرو قطة عظيمة تعرف كيف تعبّر عن كل ما تريده بجسدها.”
“…….”
بمجرد عودتي إلى مقر الدوق الأكبر، سألت كتلة الفرو عمّا تريده.
وقلت لها إن ذلك سيكون مكافأة لها على كل ما قامت به من أعمال رائعة خلال الفترة الماضية.
لكن كتلة الفرو سخرت من كلامي عن مكافأتها.
—[مكافأة؟ أَتظنين أن عقلًا بشريًا جريئًا مثلك يستطيع أن يجهّز مكافأة ترضيني؟!]
—”……”
كان صوت كتلة الفرو وتعابير وجهها في غاية الغرور.
كانت تلك نظرة من يوقن بأن العالم بأسره يدور حوله.
أترى ذلك لأنني واصلت الإشادة بإنجازات كتلة الفرو في الآونة الأخيرة؟ أم أنها بدأت تغترّ بحقيقة كونها وحشًا مقدسًا؟
كانت مطالب كتلة الفرو مفصّلة للغاية.
—[حسنًا، يا كبيرة الخدم. جرّبي إذن. أقيمي في وسط الحديقة تمثالًا يجسّدني، واحرصي على جلب أجود المكوّنات الطازجة من البر والبحر والجوّ لي في كل وجبة.]
—”……..”
ولم يكن ذلك كافيًا، إذ طلبت مني أن أبني لها حديقة داخلية تستطيع فيها ممارسة ألعاب الصيد، وأن أبني لها قاربًا فخمًا عند ضفة البحيرة خلف مقر الدوق الأكبر…… بل إنها قالت حتى إنها تريد برجًا خشبيًا مهيبًا بحجم برج الدوقية الكبرى.
يا لها من قطة جشعة…….
ضيّقت عينيّ وقلت لكتلة الفرو:
—”كيف انتهى الأمر بشجرة العالم إلى منح مكانة الوحش المقدس لمخلوق ممتلئ بهذه الرغبات؟”
فضحكت كتلة الفرو بسخرية.
—[وهل كان من الطبيعي أن تمنح شجرة العالم كبيرة الخدم بركتها؟ لكبيرة خدم لا تفكر إلا في اختراق الناس بهذه البركة؟]
—”…….”.
كانت كتلة الفرو تزداد ذكاءً مع مرور الوقت.
—”سأنفّذ أوامرك، يا سيدتي بيول.”
—[أوكيييي—.]
أجابت كتلة الفرو برضا.
استرجعت الحوار الذي دار بيني وبين كتلة الفرو، وجلست على الأريكة.
عندها اقترب كادريان وجلس إلى جواري. ثم أخذ المنشفة من يدي وقال:
“سأجفف شعرك.”
“……حسنًا.”
بدا واضحًا أنه عازم على فعل ما لم يتمكن من فعله في حمّام الينابيع الساخنة في المرة السابقة، مهما كلّفه الأمر.
‘حسنًا، إنها مجرد خصلات شعر.’
فالدوق الأكبر كان قد قال إنه سيجفف لي حتى عنقي.
جلست بهدوء وأدرت ظهري إليه.
وبدأ كادريان يربّت على شعري بيدين حذرتين.
واصلت حديثي وأنا أشعر بالدفء الهادئ الذي انتقل إليّ عبر حركاته الخفيفة.
“على أي حال، اختيار كتلة الفرو لمكوّنات الطعام في كل وجبة أمر كانت تفعله أصلًا، لذا أظن أنه يمكننا تركها تفعل ما تشاء.”
همم، وكذلك…… أطلقت تنهيدة قصيرة، ثم فتحت فمي من جديد.
“في الوقت الحالي، أفكر في صنع تمثال يشبه كتلة الفرو ووضعه في الحديقة. أعتقد أنه لن يكون سيئًا أن نضع في قصر الدوق الأكبر تمثالًا واحدًا على الأقل يجسّد الوحش المقدس، لما يحمله من معنى رمزي، أليس كذلك؟”
وفوق ذلك، فإن ذلك الوحش المقدس ليس سوى قطة.
تمثال قطة تقف على قدميها الخلفيتين في وسط الحديقة، متخذةً وضعية متعجرفة……
بل قطة تتوسط جبهتها نجمة واضحة المعالم.
تمثال كتلة الفرو تلك؛ المتعجرفة، لكنها محبوبة، والمتغطرسة، لكنها لطيفة!
لا شك أن الحديقة التي ينتصب فيها تمثال كتلة الفرو ستكون جديرة بالمشاهدة حتى عندما يحلّ الشتاء الذي لا تتفتح فيه الأزهار.
أحم، تنحنحتُ ثم قلت:
“لا تقلق، أيها الدوق الأكبر. سأحرص على ألّا أُفسد منظر الحديقة. لن يكون عليك أن تشغل بالك بهذا الأمر.”
فجاءني ردّ كادريان الهادئ:
“افعلي ما تشائين. أليسَ هذا منزلكِ في نهاية المطاف؟”
“ماذا……؟”
منزلي؟
ألقيتُ نظرةً جانبية إليه. وحين التقت عيناي بعيني كادريان، ارتسمت على طرف فمه ابتسامة خافتة.
داري. داري……
في الواقع، كان محقًّا.
‘فإذا تزوجتُ كادريان، فسيصبح هذا المكان منزلي فعلًا.’
الزواج……
كانت تلك الكلمة وحدها، التي قلّبتها في فمي، تبدو غير واقعية للغاية.
كان مستقبلًا لا أشكّ في حدوثه، لكن تخيّل تلك اللحظة فعليًا لم يكن سهلًا.
فلم أستطع أن أتخيّل نفسي واقفةً إلى جوار كادريان مرتديةً ثوب الزفاف.
‘لكي أقف إلى جانب كادريان بكل ثقة، عليّ أن أستعيد هويتي.’
لا باعتباري كبيرة خدم مجهولة الأصل لا يُعرف من أين أتت، بل باعتباري وريثة عائلة يلانكر.
نظرتُ إلى كادريان وسألته:
“قلتَ إن رعايا الإمبراطورية سيتمكنون من استعادة جميع ذكرياتهم المتعلقة بعائلة بلانكر عندما يسحب جلالته سلطة قدرته، أليس كذلك؟”
“صحيح. جميع من كانوا يعرفون عائلة بلانكر قبل تفعيل تلك القدرة.”
فهمت.
أومأتُ برأسي بهدوء.
كان الإمبراطور قد قال إنه سيسحب تلك القدرة التي أنزلها بمجرد أن ينتهي من الأمور العاجلة.
“غدًا، سيُعلن رسميًا عزل الإمبراطورة.”
العزل.
كانت الإمبراطورة قد تواطأت مع ولي عهد الإمبراطورية معادية لقتل الإمبراطور، وفوق ذلك، تحالف ولي العهد نفسه مع السحرة السود الذين ظهروا بعد مئات السنين، بل واستخدم قوتهم أيضًا.
“أليس الاقتصار على العزل عقوبةً خفيفةً للغاية……؟”
حين تمتمتُ بذلك بصوت خافت، وضع كادريان المنشفة جانبًا وقال:
“بالطبع. لن ينتهي الأمر بالعزل، فسيطالب نبلاء الفصيل الإمبراطوري باتخاذ إجراءات أخرى، لذا لا داعي للقلق.”
وأضاف كادريان أن الأميرة الثالثة أيضًا لن تتمكن من الإفلات من العقوبة.
“يقال إن الأميرة الثالثة هي من ربطت بين ولي عهد تيناسيس والإمبراطورة.”
“……ماذا؟”
الأميرة الثالثة؟
استحضرتُ في ذهني وجه الأميرة الثالثة التي التقيتها مرات عديدة.
وجهٌ يافع يحمل ملامح فتاة نشأت كالزهرة داخل دفيئة، لا تعرف شيئًا عن العالم، وعينان كانتا متشبثتين بالإصرار والحقد لأنها لم تستطع الحصول على رجل واحد.
كيف تعرّفت الأميرة الثالثة إلى سيرهين؟
“لا أفهم. كيف تكون الأميرة الثالثة، وليس الإمبراطورة، هي التي تعرّفت إلى سيرهين أولًا؟ كيف حدث ذلك أصلًا؟”
“اعترف بأنه هو من بادر بالتقرّب منها أولًا.”
“هاه…….”
أطلقتُ ضحكةً خاوية.
هل بحث عن شخص ساذج ليستغلّه؟
كان ذلك أمرًا يمكن أن يفعله سيرهين فعلًا……
‘من دون أن أعرف، كان سيرهين قد مدّ يده إلى أماكن مختلفة في إمبراطورية كاديا.’
أطلعني كادريان بإيجاز على البنود التي طُرحت في اجتماع كبار النبلاء والقرارات التي اتُّخذت بشأنها.
أخبرني أن تنظيم الجيش سيُعاد هيكلته بعد انتهاء الحرب، وأن العلاقات الدبلوماسية مع الممالك الحليفة التي تعاونت في هذه الحرب ستُعزَّز، وكذلك……
“ستُجرَّد الأميرة الثالثة من جميع الامتيازات التي كانت تتمتع بها بصفتها فردًا من العائلة الإمبراطورية، ثم ستُنفى إلى دير فيهتيرا في الجنوب الشرقي.”
كان دير فيهتيرا ديرًا يقع في جزيرة نائية، لكنه، رغم كونه يُسمّى ديرًا، لم يكن في حقيقته يختلف كثيرًا عن سجن معزول.
وأضاف كادريان أن الأميرة الثالثة لن تتمكن من مغادرة ذلك الدير طوال حياتها.
ظللتُ أنظر إلى كادريان.
استشعرتُ التعب الخفيف الكامن في ملامحه وصوته، رغم حديثه الهادئ.
“لماذا تنظرين إليّ هكذا؟”
“……كان اجتماع كبار النبلاء متعبًا لك في النهاية، أليس كذلك؟”
كان وجهه، الذي رأيته بعد أسبوع كامل، قد بدا هزيلًا إلى حدّ لا بأس به.
مددتُ يدي وربّتُّ على خده. عندها أسند وجهه بهدوء إلى راحة يدي وقال:
“هل يبدو ذلك واضحًا؟”
“نعم، إلى حدّ كبير.”
“ولهذا……”
“…….”
“هل أصبحتِ تكرهينني؟”
يا إلهي.
ضحكتُ بخفة وأجبته:
“……وهل يمكن أصلًا أن أكره وجهًا كهذا؟”
وحين أعدتُ السؤال قائلةً، كيف يمكن لهذا الوجه أن يجعلني أكرهه أصلًا؟ ضحك كادريان بصوت منخفض.
فبمجرد أن عاد كادريان بعد إنهاء الحرب، لم يكن لديه حتى وقت لإقامة مأدبة احتفال، واضطر إلى الذهاب مباشرةً إلى القصر الإمبراطوري.
‘لا بد أنه لم يحصل على فرصة للراحة ولو للحظة، ثم واصل الاجتماعات طوال الليل.’
عادت إلى ذهني ذكريات ذهابي معه إلى اجتماع كبار النبلاء في الماضي.
رغم أنه لا بد أن يكون متعبًا، فقد جاء لرؤيتي فور وصوله إلى قصر الدوق الأكبر……
شعرتُ بوخزةٍ دافئة في صدري.
في تلك اللحظة، كان لا يزال مسندًا خده إلى راحة يدي، ثم حدّق في وجهي وقال:
“في الحقيقة، لم أركض طوال الليل على ظهر الخيل لأتحدث عن أمور كهذه.”
“همم؟”
وحين رمشتُ بعيني بسرعة، أمسك يدي التي كانت تلامس خده، ثم اقترب مني بسرعة.
وقبّلني قبلةً خاطفة.
لامست شفتا كادريان الساخنتان شفتيّ للحظة قصيرة، ثم ابتعدتا.
“أ، أيها الدوق الأكبر؟!”
ابتعد قليلًا وظل ينظر إلى عينيّ، ثم عاد وألصق شفتيه بشفتيّ.
صرختُ في داخلي بدهشة.
‘أكان هذا هو سبب ركوبه الخيل طوال الليل؟!’
يا له من دوق أكبر ماكر!
أدخلتُ أصابعي بين خصلات شعره.
وبالنسبة إليّ، كنتُ سعيدةً بذلك أكثر منه.
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ Snow 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.