الفصل 139
⟢ الفصلُ 139 ⟢
كنتُ متعبة.
كان شعورًا يشبه أن تكون كل القوة قد استنزفت من جسدي بأكمله، ولم يبقَ سوى قشرة خاوية.
أظن أنني رأيت حلمًا طويلًا وشاقًّا للغاية.
وبما أن كل ما أمامي كان مظلمًا، فلا بد أنني كنت مغمضة العينين، لكن لسبب ما لم أرغب في فتحهما مجددًا.
كان عالم اللاوعي المظلم يجعلني أشعر بالعجز والخمول.
‘أريد أن أنام.’
لم يكن يبدو سيئًا أن أبقي عينيّ مغمضتين هكذا إلى الأبد.
‘ألا يحق لي أن أرتاح قليلًا الآن؟’
أشعر وكأنني ظللت أركض وأجتهد طوال هذا الوقت من دون أن آخذ قسطًا من الراحة……
لذلك، ربما لا بأس بأن أتوقف هنا.
كانت هذه الأفكار تراودني بين الحين والآخر.
لكن في تلك اللحظة.
بدأت رؤيتي المظلمة تتلون بالذهبي.
كان ذلك الضوء ساطعًا وباهرًا إلى درجة شعرت معها أنني سأفقد بصري، ومع ذلك لم أستطع أن أحوّل نظري عنه.
شعرت وكأن جسدي ووعيي، اللذين أُلقيا في هاوية مظلمة لا قاع لها، قد سُحبا في لحظة إلى قلب ذلك الضوء الذهبي.
كان دافئًا.
شعرت وكأن عزاءً يحمل الدفء يلفّني ويحتويني.
كم من الوقت مضى وأنا غارقة في ذلك الضوء؟
“مياو!”
[ستستيقظ قريبًا!]
سمعت صوت كتلة الفرو.
‘لا أعرف مع مَن تتحدث، لكنني الوحيدة التي تفهم كلامك.’
ضحكت في داخلي بخفة.
‘صحيح، إذا لم أستيقظ، فمن سيتحدث مع كتلة الفروّ خاصتنا؟’
كنتُ أنا أيضًا من وعدت كتلة الفرو بأن تعيش طويلًا، وأنني سأعتني بها جيدًا.
عندما نعود إلى الدوقية الكبرى، ينبغي أن أكافئها على كل ما فعلته في هذه الحرب، واحدًا تلو الآخر.
‘فبفضل تنصّت كتلة الفرو على حديثهم في خيمة الماركيز غارِيث وإخبارها لي بما سمعته، تمكنا من مداهمة موقع الاتصال السري في التوقيت المناسب تمامًا.’
آه، يا لها من قطة مطيعة!
ترى، ماذا تحب كتلة الفرّو خاصتنا أيضًا غير اللحم المجفف؟
هل أعيد تجديد الطابق الخامس من قصر الدوق الأكبر بالكامل، وأصنع لها مساحة خاصة بها وحدها؟
‘آه، لكن العبث بمقصر الدوق الأكبر كما أشاء قد لا يكون مناسبًا.’
ربما من الأفضل أن أعود إلى منزل الماركيز بلانكر، وأبني لها جناحًا مستقلًا هناك؟
وبينما كنت أفكر في مكافأة مناسبة لأمنحها لكتلة الفرو، سمعت صوتي سيد برج السحر فانتِيس وكبير الكهنة وهما يتجادلان ويتشاجران كعادتهما.
ثم سمعت صوت كادريان أيضًا.
“كيف تطلب مني ألّا أقلق، وأنت تقول إن شخصًا ظل نائمًا عشر سنوات قد نام مجددًا؟”
آه……
كادريان.
عند سماع كلماته، انتشر في صدري ألم خفيف كالوخز.
كان صوته يبدو متعبًا إلى حد كبير.
‘بسببي؟’
لأنني لم أستيقظ؟
‘ليس كذلك. لقد استيقظت.’
ألا أسمع الآن أصوات الرجال الثلاثة جميعًا؟
‘لكن لماذا لا أستطيع فتح عينيّ؟’
لم تكن المشكلة أنني عاجزة عن فتح عينيّ فحسب.
لم أستطع حتى تحريك إصبع واحد من أصابع يدي، أو إصبع واحد من أصابع قدمي كما أشاء.
‘ما هذا؟!’
هل أصابني السحر الأسود أيضًا بعدما تخلصت من ذلك الوغد سيرهين؟
هل حدث شيء لجسدي بسببه؟!
شعرت بالخوف فجأة.
حاولت بكل ما أملك أن أحرك جسدي بأي طريقة، لكن ذلك لم يُجدِ نفعًا على الإطلاق.
وبعد فترة، خرج فانتِيس وكبير الكهنة من الخيمة.
وحتى ذلك الوقت، لم أكن قد استيقظت.
فازداد قلقي أكثر.
‘أيها الدوق الأكبر! حاول أن تهزني وتوقظني!’
حتى لو صفعت وجهي، افعل أي شيء!
لكن من المستحيل أن تصل إليه أفكاري بهذه الطريقة.
“فريا.”
وبينما كنت أتلوى من شدة العجز والاختناق، ناداني كادريان باسمي بصوت خافت.
وفي الوقت نفسه، لامس شيء ما جبهتي.
ومن ملمس الشيء الذي لامس جبهتي، أدركت بوضوح أنها يد كادريان.
كانت خشنة قليلًا، لكنها حذرة، وقاسية بعض الشيء في ملمسها، لكنها حنونة.
تلك اليد التي أحبها، يد كادريان.
“متى سأتمكن…… من النظر إلى هيئتك وأنت نائمة من دون أن أشعر بالخوف؟”
آه…… حقًا، هذا الرجل…….
شعرت بغصّة في حلقي بلا سبب.
يبدو أن عدم قدرتي على الاستيقاظ جعلت كادريان يستحضر ذكرى لا يريد تذكرها.
ثم لامست حرارة يده ظهر يدي.
‘كادريان…….’
كنت أكتم اسمه في داخلي، الاسم الذي لم أستطع مناداته بصوت مسموع.
“أنا فقط…… أخاف أن أفقدكِ مرة أخرى. ……لا تتركيني وحدي، فريا.”
لا، أيها الدوق الأكبر!
لن أتركك وحدك أبدًا!
‘سأفتح عينيّ! سأفتحهما، اللعنة!’
في تلك اللحظة.
ارتجف جفناي اللذان كانا مغلقين بثقل، ثم تسلل أخيرًا خيط من الضوء إلى الداخل.
لسعت عيناي من شدة الضوء.
ومن دون أن أشعر، قبضت على يد كادريان بقوة وقلت:
وانساب صوتي المتحشرج، وكأنه يعاتبه:
“مَـ، مَن قال إنني سأترك الدوق الأكبر وحيدًا……؟”
“…….”
حرّكت عينيّ اللتين كان الضوء يؤلمهما بصعوبة، ونظرت إلى الرجل الجالس بجواري.
كان وجه كادريان، الذي عجز عن الكلام من شدة دهشته، مشهدًا يستحق المشاهدة حقًا.
مددت يدي نحو وجهه، فلامست راحة يدي وجنته الجافة.
“ما الذي حدث لوجهك؟ ……مَن فعل هذا بوجه خطيبي؟”
“…….”
“أأنا السبب؟”
سألت وأنا أبتسم ابتسامة خفيفة.
“هل كنتَ ……قلقًا عليّ؟”
عندها أطبق كادريان أسنانه بقوة ثم أرخاها، وأجاب بصوت مكبوت:
“وكأن هذا أمر يحتاج إلى سؤال…….”
حرّكت أطراف أصابعي برفق، وأخذت ألمس وجنته وخده.
“لقد غفوتُ قليلًا. كانت غفوة قصيرة جدًا، لكن…… لو كنت أعرف أن الدوق الأكبر سيقلق عليّ إلى هذا الحد، لاستيقظت أبكر قليلًا.”
“…….”
“آسفة لأنني أقلقتك، أيها الدوق الأكبر.”
“فريا…….”
تنهد كادريان بارتياح، ثم قبّل راحة يدي التي كانت تطوّق خده.
“كنت أخشى ألّا تستيقظي مجددًا. ……لم تعرفي كم كنتُ قلقًا ومضطربًا بسبب ذلك.”
ابتسمت بضعف وقلت:
“لا يمكنني أن أترك خطيبي الوسيم إلى هذا الحد وحيدًا وأرحل قبله.”
“…….”
“كما أنني فكرت فيما سيحدث إن جاءت امرأة أخرى واستولت عليك في غيابي.”
وحين ألقيت المزحة وأنا أبتسم بعينيّ، بدأ تعبير وجه كادريان يلين شيئًا فشيئًا.
ابتسم ابتسامة مريرة.
“كيف تشعرين الآن؟”
“أشعر بخفة أكثر مما توقعت. يبدو أنني نمت بعمق. وأظن أن كتلة الفرو فعلت شيئًا بي أيضًا…… بالمناسبة، ألم يقل كبير الكهنة قبل قليل إن كتلة الفرو وحش مقدس؟”
عندها سأل كادريان بنظرة يملؤها شيء من الدهشة:
“هل سمعتِ ذلك أيضًا……؟”
“نعم، منذ ذلك الوقت تقريبًا كان وعيي مستيقظًا.”
“……إذن، سمعتِ أيضًا كل ما قلته أنا…….”
“نعم، سمعت كل شيء. لا تقلق. أتذكر كل كلمة، ولم أنسَ شيئًا.”
“…….”
عندها احمرّت أطراف أذني كادريان بشدة.
‘إنه يشعر بالخجل.’
وكان منظره وهو يشعر بالخجل لطيفًا إلى درجة لا تُوصف.
سحبتُه من عنقه باليد التي كانت تطوّق خده.
ثم، طَبَعْتُ شفتيّ على شفتيه المنفرجتين قليلًا، قبل أن أبعدهما بسرعة.
“!”
تجمّد الجزء العلوي من جسد كادريان، الذي انجذب نحوي في وضعية غير متزنة.
حدّقت عيناه المتسعتان من شدة المفاجأة بي دون أن ترمشا. وشعرت بالحرج فجأة، فتابعت كلامي بتلعثم:
“لا، أعني…… أظن أنه، حسنًا، لا بأس بنا أن نفعل شيئًا كهذا الآن.”
“…….”
حتى بعد أن انتهت حجتي الركيكة، ظل الصمت مخيمًا بيننا لبعض الوقت.
وبعد لحظات، كسر كادريان ذلك الصمت وسأل:
“هل يمكنني أن أفعلها مرة أخرى؟”
“ماذا؟”
انتفضت من المفاجأة وضممت الغطاء إليّ بقوة، فصدر صوته منخفضًا:
“مرة أخرى.”
“ماذا؟ انتظر، لحظة—.”
“مَم!”
نهض من على الكرسي، فألقى ظله الضخم عليّ بالكامل.
واجتاح إحساس حار وعنيف شفتيّ وابتلعهما.
وكاد وعيي أن يغيب عني من جديد.
* * *
بعد بضعة أيام، غادر جيش إمبراطورية كاديا أراضي رِيمارْت وعاد إلى إمبراطورية كاديا.
وبمجرد عودتهم، عُقد اجتماع النبلاء الكبار.
فقد أصبحت منطقة ريمارت، التي كانت أرضًا متنازعًا عليها، تحت سيطرة الإمبراطورية، وكان لا بد من اختيار عائلة تتولى حكمها.
كما حان الوقت لاتخاذ قرار بشأن كيفية التعامل مع إمبراطورية تيناسيس مستقبلًا.
وبعد نقاشات حامية، انتهى اجتماع النبلاء الكبار الذي استمر أسبوعًا كاملًا.
“في النهاية، يبدو أن الأمير السابع، الذي وُلد من علاقة غير شرعية، قد اعتلى عرش ولي عهد تيناسيس.”
قال إيد، مساعد كادريان، بعدما عاد إلى قصر الدوق الأكبر:
“سيكون من الصعب عليهم القيام بأي تحركات متهورة لبعض الوقت، ولو من أجل تهدئة الاضطرابات داخل إمبراطورية تيناسيس.”
“هذا صحيح.”
أثار خبر تحالف ولي عهد تيناسيس مع ساحر أسود غضب جميع الناس في القارة.
واعترفت إمبراطورية تيناسيس رسميًا بهزيمتها، وقدمت اعتذارًا رسميًا عن أفعال ولي العهد سيرهين.
كما أعلنت بوضوح أنها ستكشف جرائم سيرهين وتتحمل مسؤولية ما حدث.
“قريبًا ستنكشف حقيقة وجود الآنسة فريا أيضًا.”
أومأ كادريان بصمت.
فحتى الآن، لم يُكشف وجود وريثة بلانكر.
لكن بعد وفاة ولي عهد إمبراطورية تيناسيس، وحين تنتهي مهمة القضاء على السحرة السود تمامًا ويصبح من المؤكد أن فريا لم تعد في خطر، لن يكون هناك سبب آخر لإخفاء عائلة بلانكر.
وفي ذلك الوقت، قال الإمبراطور أيضًا إنه سيسحب سلطته.
ومن المؤكد أن عودة فريا إلى مكانها الذي تستحقه بعد استعادة هويتها الحقيقية كان ينبغي أن تكون أمرًا يسعد كادريان أيضًا.
لكن……
‘لماذا أشعر بهذا الشعور إذن؟’
اتجه كادريان إلى نافذة مكتبه، ونظر إلى الخارج.
وفجأة أدرك أمرًا ما.
استعادة فريا لهويتها الأصلية تعني أنها ستغادر قصر الدوق الأكبر.
بالطبع، بعد أن يتزوجا، ستعود مجددًا إلى قصر الدوق الأكبر.
لكن……
‘لن تترك العائلة التي عثرت عليها بشق الأنفس، وتأتي لتعيش في قصر الدوق الأكبر.’
وربما تطلب منه حتى تأجيل الزفاف.
وحين وصل تفكيره إلى تلك النقطة، ازداد تعبير وجه كادريان قتامة.
عندها سأله إيد:
“متى ستذهب إلى القصر الإمبراطوري مرة أخرى؟”
“صباح الغد.”
“آه. ستذهب مجددًا بهذه السرعة.”
“…….”
رفع إيد كتفيه بحيرة.
“في هذه الحالة، كان من الأفضل أن ترتاح في مقر الإقامة المخصص لك في القصر الإمبراطوري.”
وقال ذلك وهو يميل برأسه متعجبًا.
“……إنه أمر مزعج. احرص على ألّا تتعطل الاستعدادات للمغادرة غدًا.”
“نعم، سأعدّ كل شيء مسبقًا.”
“حسنًا.”
تردد كادريان لحظة، ثم سأل:
“……أين فريا الآن؟”
استدار إيد، الذي كان على وشك مغادرة المكتب، وأجاب:
“أظن أنها في غرفة النوم بالطابق الرابع. هل أحضرها إلى هنا؟”
“لا، سأذهب إليها بنفسي.”
“ماذا؟ آه، لكن—.”
وقبل أن يتمكن إيد من إيقافه، مرّ كادريان من جانبه بسرعة وغادر المكتب.
“آه…….”
حدّق إيد في الباب الذي اختفى كادريان خلفه، وقد بدا على وجهه شيء من الحرج.
“لقد صعدت للتو بعدما كانت تتبارى في التدريب مع أفراد الفرسان…….”
وقبل أن يتمكن حتى من إكمال قوله إنها على الأرجح تستحم الآن، كان كادريان قد اختفى بالفعل.
حسنًا.
“لا بأس.”
فهما سيتزوجان في النهاية، فما المشكلة؟
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.