الفصل 14
⟢ الفصلُ 14 ⟢
رائحة الخبز الشهية، ورائحة شراب الكراميل الحلو الكثيف. وحتى اللحم الدسم الذي ينضج داخل الفرن، واليخنة الغنية بالنكهة بفضلالتوابل.
كانت أجواء المطبخ على أشدّها استعدادًا لاستقبال الدوق الأكبر.
تشاك تشاك تشاك تشاك.
كانت مِيريال، الخادمة الصغيرة في المطبخ، تخفق الكريمة بحماس وهي تحتضن وعاءً كبيرًا تحت ذراعها.
وحين رأتني مِيريال، ابتسمت مُظهرةً أسنانها البيضاء.
“آنسة فريا. البيض اليوم طازج للغاية! أتظنين أن الدجاجات تعرف أيضًا أن اليوم يومٌ مميز؟”
“لا بد أن ذلك لأن مِيريال تعتني بها بكل هذا الحب.”
عندها احمرّ خدا مِيريال، وابتسمت ابتسامة خفيفة.
“أنتِ أيضًا يا آنستي فريا.”
بخجل.
شجعتُ مِيريال بحماس، ثم اتجهت إلى رئيس الطهاة، ليند.
“كيف هي حالة لحم الضأن؟”
“ممتازة يا فريا. لقد أحسنتِ حين غيّرتِ التاجر الذي نتعامل معه في توريد المكونات. أسعاره أرخص، ومع ذلك فجودة بضاعته أفضل.”
وانفجر ليند ضاحكًا بصوتٍ عالٍ.
بعد أن أصبحتُ خادمةً خاصة للدوقية الكبرى، كان أول ما فعلته هو تغيير نظام التعامل مع التجار.
‘حتى وإن كان مُعلّمي يملأ شاغر منصب كبير الخدم، فلا بد أن لذلك حدودًا.’
لم يكن مُعلّمي كبير خدمٍ لدى عائلة الدوق الأكبر، بل أحد أتباعها. وحتى لو كان أسطورةً في عالم كبار الخدم، فقد كان من الصعب عليه أنيتنقل بين كونتية ميلارد وقصر الدوقية، ويتفحص الأوضاع الداخلية لعائلة الدوق الأكبر بالوت من أعماقها.
ومع ذلك، يبدو أن وجود مُعلّمي وحده كان كافيًا لمنح التجار الذين يتعاملون مع عائلة الدوق الأكبر قدرًا مناسبًا من التوتر والحذر.
مقارنةً بالفترة التي ظل فيها منصب كبير الخدم شاغرًا، لم تحدث مشكلات جسيمة. لم يكن الأمر سوى أن الإدارة أصبحت أكثر تراخيًابعض الشيء.
لكنني لم أكن أنوي التغاضي عن أي أمر، مهما كان صغيرًا. وكان تجار المواد الغذائية أول من جعلتهم عبرةً لغيرهم.
‘لا يمكنني أن أغفر لمن يتلاعبون بالطعام.’
ابتسمتُ بارتياح.
“هذا مطمئن. إذا حدثت أي مشكلة في المكونات مستقبلًا، فأخبرني بها فورًا.”
“بالطبع!”
“آه، وبالمناسبة، سيصل سمو الدوق الأكبر وفرسانه خلال ساعتين.”
“بهذه السرعة؟!”
“بحسب سرعة تقدّمهم، قد لا يستغرق الأمر ساعتين كاملتين، لذا أعدّوا كل شيء بحيث يمكن تقديم الطعام فور وصولهم.”
“حسنًا! سأستعدّ لإخراج كل شيء في الوقت المناسب تمامًا، فلا تقلقي!”
راح ليند يضرب صدره بقبضته الغليظة، وكأنه يطلب مني أن أثق به وحده.
ابتسمتُ ابتسامة خفيفة واستدرت.
‘انتهيت من تفقد المطبخ.’
بعد تفقد مطبخ المبنى الملحق، تفقدتُ كذلك مطبخ المبنى الرئيسي.
‘مثالي.’
خرجتُ من المطبخ واتجهت إلى القاعة المركزية. وسرتُ وأنا أتخيل مسار تحركات الدوق الأكبر، كما لو أنني أنا من سأصبح الدوق الأكبر.
زوايا الدرج، وانحناءات مقابض الدرابزين، كل تفصيلةٍ على حدة.
كنتُ أمرر يدي المغطاة بقفازٍ أبيض فوق كل مكان تقع عليه عيناي لأتأكد منه.
وحين وصلتُ إلى نهاية درج الطابق الرابع ومدخل الطابق الخامس، شعرتُ بنشوةٍ غريبة حين وجدتُ أن طرف قفازي لم يعلق به أي غبار.
‘الكمال بعينه.’
من الطابق الأول إلى الطابق الرابع.
لا يمكن أن يكون الأمر أكثر كمالًا من ذلك. كان شعورًا مُثيرًا. تمامًا كلحظة الانتصار في الحرب. لا، بل ربما أكثر من ذلك.
وبينما كنتُ أحدق في طرف قفازي مبتسمةً ابتسامة واسعة، انتقلت عيناي فجأةً إلى الباب الحديدي الأسود الواقع على مسافة قصيرة.
الطابق الخامس.
—”الطابق الخامس من المبنى الرئيسي منطقةٌ محظورة، فلا تفكري أبدًا في الصعود إليه.”
تذكرتُ إلحاح مُعلّمي المتكرر.
هممم.
ومرةً أخرى اليوم، كنتُ أختبر صبري وأنا أحدق في ذلك الباب الحديدي.
لم يكن سوى بابٍ حديدي ضخم، ومع ذلك ظلّ طوال العامين الماضيين يستفز فضولي بلا توقف.
‘يا له من شيءٍ شيطاني!’
لو صادف أن وجدته مفتوحًا في أي وقت، لربما دخلتُ من دون تردد.
لكن ذلك الباب الحديدي كان يُغلق بإحكام طوال فترة غياب الدوق الأكبر.
‘مع أنني أظن أن المساعد يدخل إليه أحيانًا…….’
لم أكن أرى أن كبير الخدم أدنى منزلةً من المستشار. لذا، فقد يأتي يومٌ أعبر فيه أنا أيضًا ذلك الباب الحديدي.
ولماذا أصبحتُ كبيرة خدم أصلًا؟
لأنال ثقة الدوق الأكبر وأكشف سرّ هذا الجسد. ولأحضر رأس الدوق الأكبر إلى سيرهين.
بمجرد أن أصبحتُ كبيرة خدم، تمكنتُ من الوقوف في أقرب مكانٍ منه. على مسافةٍ قد تلامس فيها أطراف أصابعي الممدودة عنق الدوقالأكبر النابض.
ولهذا وحده أصبحتُ كبيرة خدم.
وبالطبع، لم يكن الوصول إلى هذا المنصب سهلًا قط.
حين غيّر مُعلّمي مسار تدريبي من تدريب الخادمات إلى تدريب كبار الخدم، راح يرهقني في التدريب كما لو أنه عقد العزم على تحطيمي.
‘قال إنه مؤسس أكاديمية كبار الخدم، أليس كذلك؟’
كان يقول إن عدد الطلاب الذين فرّوا أثناء تلقيهم التدريب على يديه يكفي لملء بحيرة ريديانار الواقعة في الجبل خلف قصير الدوقية الكبرى،بل ويفيض عنها.
وكنتُ أتفهم كلامه بشدة.
لولا أن لدي هدفًا، لربما كنتُ أنا أيضًا قد فررت.
—”لا يمكن أن يوجد كبير خدم لا يعرف حتى عدد الملاعق والشوك والسكاكين!”
—”لا يمكن!”
—”إذا فقدت شمعدانات الفضة بريقها، ستنهـار العائلة! افركوها وامسحوها مرارًا وتكرارًا حتى تمحى بصمات أصابعكم!”
—”لننظفها!”
—”ما لون المصباح الخامس في الطابق الثاني من المبنى الملحق الشرقي؟”
—”……ماذا؟”
—”على بُعد اتجاه الساعة الرابعة من نافورة الحديقة؛ كم إصبعًا منثنيًا في يد تمثال الحاكم؟”
—”……..”.
كان من المؤكد أنه سيطلب مني في يومٍ ما أن أعرف حتى عدد شعرات رأس الدوق الأكبر.
وهكذا، حشوتُ جميع المعلومات المتعلقة بقصر الدوقية الكبرى في رأسي، وحفظتها كما لو كنتُ أتنفس.
ولم يرضَ مُعلّمي إلا بعد أن أصبحتُ أحفظ قصير الدوقية الرئيسي، بل وحتى مواقع المزهريات الصغيرة الموضوعة في كل زاويةٍ من زواياالمباني الملحقة.
وبسبب ركضي هنا وهناك في أرجاء قصير الدوقية الكبرى الشاسع، سقطت أظافري مئات المرات.
بل إن مجرد الركض في أنحاء القصر كان تدريبًا كافيًا على اللياقة البدنية، لدرجة أنني لم أكن بحاجة إلى تدريبٍ منفصل.
‘بل إنني نزفتُ من أنفي حتى أصبح جلده مجروحًا ومتقرحًا.’
تحملتُ كل ذلك بعنادٍ وإصرار.
ألم يكن ذلك هو منصب كبير الخدم الذي يقول الناس إنه لا يمكن الحصول عليه إلا بعد التخرج من الأكاديمية؟
‘ولكي أصبح أنا، مجهولة الهوية، كبيرة خدم لدى عائلة الدوق الأكبر، لم يكن أمامي سوى أن أعوّض ذلك بالعمل الشاق.’
إن إصراري على أن أصبح كبيرة خدم، مهما كلّف الأمر، هو ما جعلني أتحمّل.
وخلال تلك الفترة، كدتُ أموت مرارًا بسبب هيجان الهالة، وعشتُ أحيانًا وقد تمزّقت عضلات ساقَيّ وامتلأ جسدي بالكدمات الدامية.
آه، مهـلاً.
أسندتُ يدي إلى الحائط وأطرقتُ رأسي.
تبًا.
ما إن تذكّرتُ ما مضى حتى شعرتُ بوخزٍ في طرف أنفي دون سبب.
‘كفى. ما الفائدة من تذكّر كل ذلك الآن؟’
لقد حققتُ ما أردته بالفعل، والدوق الأكبر عائد الآن.
وسرعان ما ستُثمر كل الجهود التي بذلتُها حتى الآن.
ألقيتُ نظرةً جانبية أخرى على الباب الحديدي الأسود.
حقًا. كنتُ فضوليةً للغاية، للغاية، للغاية بشأن ما وراءه، لكن…
‘لقد أصبحتُ على بُعد خطوة من هدفي، ولا يمكنني أن أعبث بشيء من دون داعٍ، فأُطرد في اللحظة الأخيرة.’
لم يكن فضولي بشأنه إلى حدّ المخاطرة بحياتي.
هدّأتُ فضولي بصعوبة واستدرتُ.
في الحقيقة، سبق لي أن لمستُ قفل ذلك الباب الحديدي خفيةً من حين إلى آخر، متذرعةً بالتنظيف.
وكان ذلك كافيًا. كافيًا لكبح فضولي المندفع.
وبعد أن تأكدتُ من اكتمال جميع الاستعدادات، عدتُ إلى غرفتي وتفقدتُ هندام ملابسي للمرة الأخيرة.
كانت تلك أهم مهمة.
فقد أصبحتُ كبيرة خدم، واليوم سألتقي بالدوق الأكبر للمرة الأولى.
كنتُ قد أصبحتُ كبيرة خدم قبل نصف عام.
وكان الدوق الأكبر آنذاك في ساحة المعركة.
—”لقد منح سموّه موافقته مسبقًا.”
هذا كل ما قاله مُعلّمي.
في البداية، راودني الشك. وظننتُ أنه ربما يخطط لوضعي في منصب كبير الخدم ثم تركي أُقتل على يد متسللٍ يتسلل إلى الداخل.
لكنني أدركتُ، وأنا أرى مُعلّمي يدربني بقسوة، أن الأمر ليس كذلك.
رتبتُ بأطراف أصابعي الثنيات المجعدة التي تحيط بعنقي، ثم شددتُ العقدة عند خصري أكثر.
وبعد أن تفقدتُ مرةً أخرى السلسلة المعدنية الفاخرة وساعة الجيب المتدلية من طرفها، التقت عيناي بعينيّ في المرآة.
عامان. لقد مرّ عامان كاملان منذ بدأتُ أعيش في هذا الجسد الجديد.
والآن، اعتدتُ عليه إلى حدٍّ ما.
‘الركض بهذا الجسد، واستخدام الهالة والسيف أيضًا.’
ولكن.
—”أخفيها قدر الإمكان. أخفيها، ثم أخفيها أكثر، وفي يومٍ ما، سينقذك ذلك السرّ الذي تخفيه حين تكونين في خطر.”
استجابةً لنصيحة مُعلّمي، لم أكشف للآخرين عن المستوى الذي وصلتُ إليه.
ربما حتى الدوق الأكبر لا يعلم.
كم أصبحتُ بارعة.
همف.
أطلقتُ شخيرًا ساخرًا خفيفًا وخرجتُ من الغرفة.
وبحلول ذلك الوقت، بدأ اهتزاز الأرض يقترب.
كان فرسان مارس، الذين يقودهم الدوق الأكبر، قد وصلوا إلى البوابة الرئيسية لقصر الدوقية الكبرى.
توقف جميع الموظفين عن أعمالهم وخرجوا لاستقباله احتفالًا بعودته.
وعلى الطريق الذي يصل المبنى الرئيسي بالبوابة الرئيسية، اصطف عددٌ لا يُحصى من الموظفين بانتظام.
وما إن رأيتهم مصطفّين في خطٍ مستقيم ومنتظم، كما لو أنهم قيسوا بالمسطرة، حتى امتلأ قلبي بالاعتزاز من جديد.
وبينهم…
كنتُ أنا.
أنا التي كنتُ غريبةً عنهم تمامًا، بل ويمكن القول إنني عدوّة.
كرييييك، تشانغ—!
انفتحت البوابة الحديدية الضخمة لمقر الدوق الأكبر إلى الجانبين، مُطلقةً صوتًا ثقيلًا من احتكاك الحديد. ثم ظهر من خلفها جمعٌ يعبرونالبوابة إلى الداخل.
دروعٌ رمادية داكنة منقوش عليها شعار عائلة الدوق الأكبر، وخوذاتٌ مصقولة ذات نتوءات حادة، كأنها صُنعت على هيئة قرون الشياطين.
إنهم فرسان مارس، فرقة فرسان دوقية بالوت الكبرى، الذين عادوا بعد أن أنهوا موكب النصر في العاصمة.
وبالطبع، كان الشخص الذي يقود فرسان مارس من المقدمة هو…
‘الدوق الأكبر كادريان بالوت.’
لم يخفّض الدوق الأكبر وفرسانه سرعة تقدّمهم تمامًا إلا بعد أن وصلوا أمام المبنى الرئيسي.
دوم، دوم، دوم.
ضربت خيول الحرب الأرض بأقدامها في آنٍ واحد، مُطلقةً إيقاعًا منتظمًا.
واهتزّ قصر الدوقية الكبرى بأكمله.
تلقيتُ ذلك الارتجاج الذي يشبه خفقان القلب في جسدي كله، وأنا أحدّق في الدوق الأكبر الممتطيًا جواد الحرب الذي يتقدم الصفوف.
كان الدوق الأكبر، مرتديًا درعًا أسود على ظهر جوادٍ أسود، يبدو وكأنه حاكم الموت قد هبط ليأخذ رأسي.
وكانت عيناه البنفسجيتان الباردتان، اللتان تنظران إليّ من علٍ، تلمعان لا وكأنهما تشعران بالاستغراب، بل وكأنهما تنظران إلى شيءٍ مثيرللاهتمام.
آه، إنه الدوق الأكبر الذي واجهته في ساحة المعركة، ولم أكن أظن أننا سنلتقي مجددًا ونحن على قيد الحياة.
شعرتُ بوخزٍ في أطراف أصابعي.
ظلّ الدوق الأكبر ينظر إليّ لبعض الوقت، ثم رفع يده.
وعندها، توقفت حركة الخيول جميعًا في آنٍ واحد.
وحين توقف الاهتزاز الذي كان يهزّ الأرض ويرجّ صدري، حلّ الصمت.
شعرتُ وكأن التوتر الخانق أمامي يطغى عليّ تمامًا.
عندها فقط، ترجل الدوق الأكبر عن جواده.
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ بــوني 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.