الفصل 13
⟢ الفصلُ 13 ⟢
ما إن خرجتُ من مكتب الدوق الأكبر، حتى وجدتُ العجوز نوربِرت ينتظرني.
“……هل سار كلّ شيء على ما يرام؟”
“الطابق السفلي.”
“…….”
“أعني، ساحة التدريب الخاصّة بصاحب السمّو، …..الدوق الأكبر؟”
“يبدو أنّه أخبركِ.”
“نعم…….”
لا أدري لماذا.
لكنّ الوقت القصير الذي قضيته في مواجهة الدوق الأكبر كان أشقّ عليّ من يومٍ كامل أمضيته في التّنقّل بين أقسام العمل وتعلّم أعمالالخادمات.
كان الأمر أشبه بشعورٍ تُستنزف فيه كلّ طاقتي المتبقيّة في جسدي.
‘كما توقّعت، نحن على طرفَي نقيض.’
صحيح أنّه عدوّي، لكن كانت هناك لحظةٌ فكّرتُ فيها أنّه رفيق سلاحٍ يمكنني أن أتبادل معه الضربات بالسيف بصدق.
ولو للحظة.
‘العدوّ يبقى عدوًّا.’
سأجلب رأس ذلك الوغد إلى سيرهين وأقدّمه له مهما كلّف الأمر.
وعزمتُ على ذلك مرّةً أخرى.
تبعتُ العجوز نوربِرت بخطواتٍ متثاقلة، ثم راودني فضولٌ فجأةً.
“معلّمي، لماذا لا تتأكّد من أنّني حفظتُ الكتاب؟”
فأجاب نوربِرت بلامبالاة:
“لقد رأيتُ ذلك بعينيّ، وهذا يكفي.”
“بهذه الطريقة المتساهلة؟”
“سأتأكّد من الأمر تدريجيًّا من الآن فصاعدًا، فلا داعي لأن تقلقي.”
“آه، حسنًا.”
حسنًا، بالنسبة إليّ، لم يكن هناك ما يدعو إلى الاستياء، ما دمتُ قد حصلتُ في النهاية على ساحة تدريب خاصّة.
‘آه، ساحة تدريب خاصّة.’
تذكّرتُ مجدّدًا أنّني سأستخدم ساحة التدريب الخاصّة مع الدوق الأكبر.
بدأ رأسي يؤلمني. أكثر ممّا كان يؤلمني حين واجهتُ الدوق الأكبر في ساحة المعركة.
عندها، أخرج العجوز نوربِرت شيئًا من جيب صدره، وقذفه نحوي وهو يقول:
“خذي، أمسكي.”
“هاه؟”
التقطتُ الشيء الذي طار نحوي بسرعة بكلتا يديّ. فصدر عنه رنينٌ معدنيّ خفيف…تشانغ.
“إنّه مفتاح ساحة التدريب الخاصّة بصاحب السموّ.”
“……!”
حرّكتُ حاجبيّ بدهشة، ونظرتُ إلى العجوز نوربِرت. ثم تابع كلامه:
“خلف مبنى مساكن الفرسان يوجد برج بيردان. إنّه أعلى مبنى في قصر الدوق الأكبر، لذا ستتمكّنين من التعرّف عليه بمجرّد رؤيته.”
آه، تذكّرتُ مبنىً مررتُ به لمحةً خاطفةً من قبل.
كان برجًا مرتفعًا جدًّا، ويبدو قديمًا جدًّا أيضًا. ومع أنّ العجوز نوربِرت كان قد عرّفني على جميع مباني قصر الدوقية الكبرى، فإنّه لميعرّفني إلى ذلك المبنى تحديدًا.
‘إذًا، كان مكتبه وساحة التدريب الخاصّة بالدوق الأكبر موجودَين هناك.’
استحضرتُ شكل المبنى في ذهني، ثم نظرتُ إلى المفتاح.
تابع العجوز نوربِرت كلامه:
“مكتبي في الطابق الرابع. أمّا الطابق الثالث تحته، فهو ساحة التدريب الخاصّة بصاحب السموّ، والساحة التي ستستخدمينها من الآنفصاعدًا.”
“…….”
أومأتُ برأسي بلا حماس.
تردّد العجوز نوربِرت قليلًا، وكأنّه ينتقي كلماته، ثم فتح فمه:
“لا تسألي بفضول بشأن الطوابق الأخرى، ولا تفكّري حتى في دخولها. فهي ساحات التدريب أو المكاتب الخاصّة بالعائِـلات التابعةللدوقية.”
“نعم. لم أكن مهتمّةً بالطوابق الأخرى أصلًا.”
رغم إجابتي الحازمة، لم يستطع العجوز نوربِرت إخفاء قلقه، فحذّرني مرّةً أخرى:
“لقد سمحتُ لكِ بدخول البرج والخروج منه بسبب وعدي لكِ، لكنّ الحقيقة أنّه مبنى لا يحقّ لكِ، بالنظر إلى مكانتكِ ومنصبكِ، أن تدخليهأصلًا. فاستخدميه بهدوء، وبهدوءٍ شديد.”
“لا تقلق، معلّمي.”
“…….”
أومأتُ برأسي مرارًا، ثم سألتُه:
“هل يمكنني استخدامه الآن؟”
“إذا رأيتُ أنّ ذلك سيؤثّر في عملكِ، فسأستعيد المفتاح فورًا.”
“لن يحدث ذلك أبدًا، فلا تقلق. هل يمكنني استخدامه الآن؟”
“……حسنًا.”
انحنيتُ قليلًا للعجوز نوربِرت، وحيّيته.
“إذًا، سأذهب أوّلًا.”
ثم صعدتُ مباشرةً إلى غرفة نومي.
بدّلتُ ملابسي إلى ملابس التدريب التي كنتُ قد طلبتُ من العجوز نوربِرت مسبقًا أن يؤمّنها لي، ثم خرجتُ من مبنى المساكن مجدّدًا.
وبحلول ذلك الوقت، كانت مصابيح المبنى الرئيسي قد أُطفئت، باستثناء مكتب الدوق الأكبر وبعض أقسام العمل.
وكان المكان يبدو موحشًا على نحوٍ غريب.
‘فلأُسرع.’
من اليوم، لديّ عامان.
ولكي أستعيد مهاراتي السابقة خلال عامين، كان عليّ أن أقلّل من نومي وأزيد وقت التدريب.
وبعد أن التففتُ حول مبنى مساكن الفرسان، ظهر أمامي برجٌ مرتفع، تمامًا كما وصفه العجوز نوربِرت.
دقّ، دقّ، دقّ.
شعرتُ بأنّ قلبي يخفق على نحوٍ غريب.
فقلبي الذي كان هادئًا حتّى في أصعب ساحات المعركة، أخذ ينبض بقوّةٍ وسرعةٍ ما إن رأيتُ ذلك البرج.
‘لقد بدأتُ الآن.’
ففي الأصل، كانت سيـا أيضًا قد ارتقت إلى ذلك المكان بجسدٍ لا يملك شيئًا.
البداية صعبة، لكنّ المرّة الثانية أسهل.
والآن، أنا على وشك أن أبدأ ذلك التحدّي الثاني.
وسأنجح فيه حتمًا.
* * *
بعد عامين.
تراكم الثلج طبقاتٍ فوق حديقة قصر الدوقية الكبرى الممتدّة على مساحات شاسعة، بقدر ما انقضى من الزمن.
وبما أنّ المنطقة الشمالية شديدة البرودة، فقد مرّت فصول الربيع والصيف والخريف سريعًا وقِصَرًا، ثم حلّ الشتاء الطويل.
استيقظ قصر الدوق الأكبر بالوت من ليلته الهادئة، وكان كعادته اليوم أيضًا يعجّ بالحركة والنشاط.
“من الذي وضع هنا بطاطا بدأت تنبت؟ ألا تنتبهون إلى ما تفعلون؟ أستتصرّفون هكذا من دون أن تفحصوها جيدًا؟ ألا تملكون أعينًا؟!”
دوّى توبيخ رئيس الطهاة ليند بصوته الجهوري في أرجاء المطبخ.
“أتنوون تقديم شيء كهذا إلى مائدة سموّه؟ ها؟!”
وعندها تحرّك العاملون في المطبخ بسرعة البرق، وتولّوا أمر البطاطا.
وحين هدأت الضجّة العابرة، أخذ ليند يربّت على قطع اللحم المكدّسة فوق طاولة التحضير، ثم قال:
“حسنًا، سنستخدم اليوم لحم الضأن الطازج الذي وصل بالأمس. ميشيل، تولَّ إعداد السلطة. ألتو، نظّف الخضروات التي ستُقدَّم للتزيين. وأيضًا—”
أخبر ليند العاملين بسرعة بما عليهم فعله، ثم بدأ بتجهيز اللحم.
ومن طاولة التحضير التي تبعد ثلاث أو أربع خطوات، همست آنا، وهي تغسل الخضروات:
“يبدو أنّ رئيس الطهاة متحمّس للغاية اليوم، أليس كذلك؟”
ضحكت رِيِيل ضحكةً خافتة.
“ولا عجب في ذلك. فاليوم هو يوم عودة سموّه.”
“صحيح، صحيح!”
وافقتها آنا بحماس.
قبل عام، خرج كادريان في حملة عسكرية.
وكانت تلك أول حملة له منذ اليوم الذي ظهر فيه ساحر أسود في منطقة النزاع في رِيمارت.
وبعد أن حقّق كادريان نصرًا كاملًا ورائعًا، حتى ليجعل فترة غيابه تبدو كأنها لم تكن، كان في طريقه إلى العودة.
لقد كانت عودته بعد عام كامل.
“أوه، إنها فريا.”
في تلك اللحظة، لمحت آنا فريا وهي تسير نحو الحديقة، بينما كانت تنظر من النافذة.
فاتّجهت أنظار رِيِيل أيضًا إلى هناك، بعدما سمعت كلام آنا.
وكانت سيلّي، أصغر خادمة في القصر، تسير خلف فريا، برفقة شقيقها الأكبر جون.
“صحيح.”
“تبدو مشغولة جدًا اليوم أيضًا، أليس كذلك؟”
“أجل.”
“لن يكون لديها وقت لتلعب معنا أيضًا.”
“حسنًا…… يبدو ذلك.”
تمتمت رِيِيل وهي تنظر إلى فريا بنظرة حالمة:
‘كأنّنا كنّا نقشّر البطاطا جنبًا إلى جنب معًا بالأمس فقط…….’
قبل ستة أشهر، أصبحت فريا كبيرَةً للخدم.
ذلك الشخص الذي يُعَدّ قلب القصر، ويتولّى مسؤولية شؤون العائلة، كبيرها وصغيرها، ويحافظ على شرفها وتقاليدها ونظامها وهيبتها.
لقد استحوذت فريا على منصب كبير الخدم، الذي كان يُعدّ حكرًا على الرجال.
“كيــااا، ما أروع إطلالتها.”
أثنت آنا على فريا بلهجة تشبه لهجة العم فينت، صاحب متجر الفاكهة، حين يكون ثملًا تمامًا.
فضحكت رِيِيل بسخرية خفيفة.
فقد كان زيّ فريا بصفتها كبيرةً للخدم مختلفًا منذ أساسه عن أزياء كبار الخدم في بيوت النبلاء الأخرى.
لقد كان زيًّا خاصًا بها، فُصّل بأمر من الكونت نوربِرت.
وعندما اندلعت ضجّة صغيرة بسبب ظهور أول كبيرة خدم من النساء، حول ما إذا كان ينبغي لها ارتداء فستان أم سروال، اختارت فرياالسروال من دون تردّد.
وكان السبب أنّه لا يعيق حركتها.
وقد جعل الجمع البسيط بين السروال الأسود والقميص الأبيض هالتها الفريدة تبرز أكثر.
فقد زُيّن القميص الأبيض الناصع، الذي ينسجم مع بشرتها الفاتحة، بدانتيل وكشكش فاخرين. وكان تصميمه، الذي لم يكن مبالغًا فيفخامته ولا بسيطًا أكثر من اللازم، يوحي بوقار مهني صارم وأنيق.
‘ما الذي يجعل زيّ كبير الخدم ملائمًا لها إلى هذا الحد؟’
كانت تبدو شجاعة، كأنّها ابن أحد النبلاء حضر مأدبةً رسمية، بل وكانت وسيمةً إلى درجة تجعل القلب يخفق، حتى إنّها بدت أجمل من أيّرجل وسيم.
‘لم يعد بإمكاني أن أرى فيها أثر الخادمة السابقة، مهما نظرت إليها.’
لم تعد فريا تلك التي كانت تتسبّب في الحوادث المختلفة بسبب ضعف لياقتها البدنية مقارنةً بالمعرفة التي تمتلكها.
وبينما كانت رِيِيل وآنا تتفرّسان في هيئة فريا بإعجاب، انطلق من خلفهما صوت يشبه زئير وحش مفترس:
“أنتما هناك! كفّا عن الثرثرة! رِيِيل، آنا، تولّيا تجهيز الأعشاب والتوابل! أسرعا!”
“آه، حاضر، رئيس الطهاة!”
“حاضر! هيا بنا، هيا!”
اضطرتا رِيِيل وآنا، اللتان كانتا تتفرّجان على فريا من بعيد، إلى إدارة خطاهما على مضض.
* * *
“إذًا هذه هي العشبة السامّة؟”
تسلّمتُ من البستاني باتريك أنبوبًا زجاجيًا يحتوي على العشبة السامّة.
كانت عشبةً سامّة بدأت تنتشر فجأةً في جميع أنحاء إمبراطورية كاديا.
‘لكنّ شكلها لا يختلف عن العشب العادي.’
احتضنتُ الأنبوب الزجاجي الذي يحوي العشبة السامّة، ثم أومأتُ برأسي.
“سأرسل هذه العشبة إلى برج السحر. إذا عثرتَ على واحدة أخرى، فأخبرني.”
“حسنًا! فهمت.”
راقبتُ ظهر باتريك وهو يبتعد، ثم رفعتُ نظري إلى السماء دون أن أشعر.
كانت غيوم محمّلة بالثلوج تنساب ببطء في السماء الزرقاء التي يكسوها برد الشتاء. وفي تلك اللحظة، هبّت ريح مفاجئة لامست بشرتي.
فاستجابت حواسي، التي كانت في أقصى درجات تأهّبها، استجابةً حادّة.
اهتزاز وصوت.
إنّه قادم. الدوق الأكبر.
استطعتُ أن أشعر بذلك. فقد انفتح في ذهني مشهد جيش يقوده الدوق الأكبر، وهو يقترب كالموج.
نظرتُ إلى سلسلة جبال هيرتيا البيضاء البعيدة، التي غطّاها الثلج.
كانت تلك السلسلة الجبلية أعلى مكان في إمبراطورية كاديا، وفيها ترقد شجرة العالم التي يُقال إنّها تحمي القارّة.
شششش—.
هبّت الريح، واهتزّت الغابات المتجمّدة في سلسلة الجبال البعيدة.
ولو بالغتُ قليلًا، شعرتُ أنّني إذا ركّزت أكثر بقليل، فقد أتمكّن حتى من التقاء عينيّ بعيني الدوق الأكبر.
لم أستطع منع زاويتي فمي من الارتفاع.
وفي الوقت نفسه، قبضتُ يدي بهدوء.
‘أسرع في المجيء، أيها الدوق الأكبر.’
تعال بسرعة وتحقّق بنفسك.
—”تعلّمي جيدًا من نوربِرت. من يدري؟ لعلّك تنمين لتصبحي شخصًا رائعًا إلى درجة لا أستطيع الاستغناء عنك، وعندها قد أبوح لك منتلقاء نفسي بالسرّ الذي ترغبين في معرفته.”
إلى أيّ مدى نَمَوتُ وأصبحتُ رائعة.
وهل أصبحتُ شخصًا رائعًا إلى درجة لا يستطيع الاستغناء عني.
‘لذلك…… هل ستشعر عندها بالرغبة في البوح بكل الأسرار التي أخفيتها عنّي طوال هذه الفترة؟’
بقي ساعتان.
أدرتُ جسدي من جديد لأتفقّد آخر التفاصيل، آخرَ ما يمكن تفقده.
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ بــوني 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.