الفصل 12
⟢ الفصلُ 12 ⟢
لم أتوقّع أن أواجه الدوق الأكبر مجدّدًا.
‘أعني أنّني لم أستعدّ نفسيًّا بعد.’
حتّى صباح اليوم، كنتُ أخطّط للعودة إلى وطني حاملًا رأس الدوق الأكبر، لكنّني حين واجهته هكذا، شعرتُ بالرهبة منه بلا سبب.
‘أيّها العجوز السيّئ.’
منذ أن عرض عليّ أن يصنع لي ساحة تدريب خاصّة، شعرتُ بأنّ هناك شيئًا غريبًا.
لكن، ما دمتُ قد وصلتُ إلى هنا، فلا فائدة من الندم.
تبعتُ العجوز نوربِرت إلى المكتب، ووقفتُ خلفه.
كان المكتب مظلمًا.
‘هل يقضي هذا الرجل أيّامه كلّها في مثل هذه الأماكن المظلمة؟’
ألا يدرّب فرسانه، أو حتّى يخرج في نزهة…
توقّفتُ عن التفكير في الأمر.
فقد أدركتُ أنّ أكوام الأوراق فوق المكتب تتجاوز بكثير ارتفاع الدوق الأكبر وهو جالس.
‘واو. إنّها أكثر من الأوراق التي كان سيرهين يطّلع عليها؟’
بل إنّ سيرهين كان يعمد أحيانًا إلى إلقاء نصف الأوراق عليّ، ليتخلّص من العمل بإسناده إليّ.
‘هل ينجز كلّ ذلك بنفسه؟’
الدوق الأكبر……يا لهُ من رجل.
‘أشعر بالذنب لأنّني غضبتُ منه حين ظننتُ أنّه لا يفعل سوى التلويح بالسيف، ومع ذلك يعيش في قصرٍ فخم.’
في تلك الأثناء، خلع الدوق الأكبر نظّارته التي كان يضعها، وأنزلها على المكتب.
ثم رفع رأسه، ونظر إلى العجوز نوربِرت وإليّ بالتناوب، وسأله:
“ما الأمر؟”
عندها، انحنى العجوز نوربِرت قليلًا، ثم تابع كلامه.
“أرجو أن تسمح لي بتعديل مكتبي الموجود في برج بيردان.”
“…….”
برج بيردان؟ تعديل المكتب؟
‘ما الذي يتحدّث عنه؟’
ولأنّني لم أفهم شيئًا على الإطلاق، اكتفيتُ بتحريك عينيّ.
عندها، فتح الدوق الأكبر فمه.
“وما السبب؟”
لعلّ الأمر كان جادًّا إلى حدّ ما، إذ انخفض صوت الدوق الأكبر عن ذي قبل.
‘آه، أشعر بعدم الارتياح.’
لم يكن من الضروري أن تتحدّث عن هذا الأمر أمامي، أيّها العجوز.
عندها، أجاب العجوز نوربِرت عن سؤال الدوق الأكبر.
“إذا سمحتَ لي، أودّ تحويله إلى ساحة تدريب خاصّة.”
هاه؟
نظرتُ بدهشة إلى مؤخرة رأس العجوز نوربِرت.
‘أهذا هو الأمر؟’
هل أحضرني إلى هنا بسبب هذا؟
‘واه… لا أعرف ما هو برج بيردان، لكنّه يريد هدم مكتبه الذي كان يستخدمه، وصنع ساحة تدريب خاصّة بي، أليس كذلك؟’
لقد كان رجلًا لا يتراجع عن كلامه حقًّا.
شعرتُ بالأسف لأنّني أسأتُ فهمه وظلمته، ولو للحظة.
‘لقد تغيّرت نظرتي إليك، أيّها العجوز.’
نظرتُ بحماس وتأثّر إلى مؤخرة رأس العجوز نوربِرت.
ثم، فجأةً.
‘هاه؟ لكن……. لم يتأكّد بعد من أنّني حفظتُ الكتاب أم لا؟’
وبينما كنتُ أتساءل عن الأمر، فتح الدوق الأكبر فمه مجدّدًا.
“ساحة تدريب خاصّة. وما سبب إحضارك تلك الخادمة للحديث عن هذا الأمر؟”
“لقد وعدتُ فريا بأنّني سأصنع لها ساحة تدريب خاصّة إذا قرأتْ كتاب <بالوت رون> وحفظته في يومٍ واحد.”
كتاب بالوت رون.
كان ذلك اسم الكتاب السميك الذي قرأتُه طوال الليل أمس.
ما إن انتهى العجوز نوربِرت من كلامه، حوّل الدوق الأكبر نظره إليّ.
“…….”
“…….”
فبادلتُه النظر، محدّقةً في عينيه.
‘……هل سيعارض؟’
لا، بالتأكيد سيعارض.
فأنا مجرّد كائن مجهول الهويّة، فقد ذاكرته، ويبعث على القلق.
وأنا أعرف جيّدًا أنّ إسناد عمل الخادمة إليّ، وإبقاء العجوز نوربِرت إلى جانبي، كان هدفه مراقبتي.
‘من المستحيل أن يهدم مكتب أحد أتباعه المقرّبين، الذي يعتزّ به، ليصنع ساحة تدريب خاصّة من أجلي.’
واجهتُ نظرات الدوق الأكبر بهدوء، وأنا شبه مستسلمة.
‘أعرف ذلك، أيّها الدوق الأكبر. عليّ أن أكون ممتنّةً لمجرّد أنّك أبقيتني على قيد الحياة.’
لكن، مع ذلك.
أتمنّى أن توافق.
إذا وافقتَ على هذا فحسب، فسأعيد التفكير مرّةً أخرى في خطّتي المتمثّلة في العودة إلى إمبراطورية تيناسيس حاملةً رأس الدوق الأكبر.
مرّت لحظات أخرى.
ظلّ الدوق الأكبر صامتًا. كان يثبّت نظره على وجهي، أو بالأحرى على عينيّ، دون أن يرمش.
وأنا أيضًا، لم أُرِد أن أكون أقلّ منه، فظللتُ أحدّق في عينيه.
‘ما أغرب الأمر.’
كانتا العينين البنفسجيّتين اللتين اعتدتُ مواجهتهما في ساحة المعركة، واللتين ظننتُ أنّني رأيتهما بما يكفي لأملّ منهما.
لكنّ عينيه البنفسجيّتين بدتا لي اليوم غامضتين على نحوٍ غريب.
في الواقع، كان لون عيني الدوق الأكبر يثير في داخلي نزعة القتل والإثارة.
وحتّى في ساحة المعركة، حيث تختلط صفوف الأعداء والحلفاء بلا تمييز، كنتُ أستطيع العثور على هاتين العينين بسهولة.
لكنّهما اليوم، وعلى نحوٍ غريب، لم تثيرا في داخلي نزعة القتل، بل شعرتُ تجاههما بشيءٍ آخر.
مجرّد……
إلى درجة أنّني شعرتُ برغبة في مواصلة النظر إليهما.
‘إنّهما جميلتان.’
حسنًا، راودتني مثل هذه الفكرة للحظة أيضًا.
عندها.
زيييييييييييين—.
‘أوه!’
أصابني صداعٌ مفاجئ.
أغمضتُ عينيّ للحظة، ثم فتحتهما.
كان ذلك يحدث كثيرًا، لا سيّما عندما كنتُ أواجه ذلك الدوق الأكبر في ساحة المعركة.
‘هذا الصداع لم يتغيّر حتى بعد أن تغيّر جسدي.’
هززتُ رأسي سريعًا، ثم رفعتُ نظري مجدّدًا.
وفي تلك اللحظة، حوّل الدوق الأكبر نظره عنّي، وأعاد ارتداء نظّارته التي وضعها على المكتب.
ثم أومأ برأسه وقال:
“لا داعي لهدم مكتبٍ لا ذنب له، سأمنحك الطابق السفلي.”
“ماذا؟”
قال العجوز نوربِرت بدهشة:
“صاحب السموّ، لكنّ ذلك الطابق السفلي…….”
“افعل كما قلتُ.”
تردّد العجوز نوربِرت للحظة، ثم أطرق رأسه وكأنّه لا يملك خيارًا آخر.
“أمرك. ……شكرًا لك، صاحب السموّ.”
كان الجوّ غريبًا.
‘ما الأمر؟ ما الذي يوجد في ذلك الطابق السفلي حتى يتصرّفا هكذا؟’
لعلّه مكانٌ مهمّ جدًّا؟
اشتدّ فضولي.
“ما هو برج بيردان، وما قصة الطابق السفلي أيضًا؟”
سألتُه مباشرةً.
فاستدار رأس العجوز نوربِرت نحوي فجأةً، وانغرست نظرات الدوق الأكبر فيّ مجدّدًا.
نظرتُ إلى الرجلين بالتناوب، ثم قلتُ:
“……لماذا؟ هل هو مكانٌ لا يُسمح لي بمعرفته؟”
“آه…….”
هزّ العجوز نوربِرت رأسه نافيًا، وتنهد.
“صاحب السموّ، أعتذر. لقد أحضرتُها معي من دون أن أخبرها بأيّ شيء…….”
“لا.”
رفع الدوق الأكبر يده، فقاطع كلام نوربِرت.
“اترك الخادمة هنا واخرج.”
“……صاحب السموّ.”
وحين لم يستطع نوربِرت المغادرة بسهولة، قال الدوق الأكبر بحزمٍ مرّةً أخرى:
“اخرج.”
“……أمرك، صاحب السموّ.”
وبأمر الدوق الأكبر المتكرّر، لم يجد العجوز نوربِرت بدًّا من الانسحاب.
وقبل أن يخرج، بدا كأنّه يحاول أن يوصل إليّ شيئًا بنظراته……
ولعلّه كان يقصد أن أحذر في كلامي.
‘يا لهذا العجوز. لعلّه تعلّق بي في هذه المدّة.’
إنّه يقلق عليّ حتى.
أنا أعرف جيّدًا أنّ لساني هو السبب في المتاعب.
‘ومن المرجّح أنّ ذلك الدوق الأكبر يعرف هذا بالفعل أيضًا.’
فقد أفرطتُ في الكلام بعد أن شربتُ عصارة شجرة العالم، لذا لم يعد في الأمر ما يدعو إلى الاستغراب الآن.
ما إن خرج العجوز نوربِرت، حتى ساد المكتب صمتٌ قصير.
“ألم تكوني تريدين ساحة تدريب خاصّة؟”
“بلى، أردتُها.”
“ولهذا قلتُ إنّني سأمنحك إيّاها، فما الذي أخطأتُ فيه؟”
“لم أقصد أنّك أخطأتَ، بل كنتُ فضوليّةً بشأن المكان الذي ستكون فيه ساحة التدريب الخاصّة بي.”
“وهل عليكِ أن تعرفي كلّ ما يثير فضولك كي تعيشي؟”
“إلى حدٍّ ما، نعم.”
“إلى حدٍّ ما؟”
“في الواقع، بالكاد أتمالك نفسي من شدّة فضولي لمعرفة ما يدور في رأس الدوق الأكبر أيضًا.”
“…….”
“فأنا أشعر بفضولٍ شديد لمعرفة من أكون.”
“ذلك—.”
“نعم، أعرف. ولذلك أحاول أن أكبر وأصبح شخصًا رائعًا. وعلى أيّ حال، سأستخدم ساحة التدريب الخاصّة استخدامًا جيّدًا.”
“…….”
“وبخصوص سؤالي السابق، فقد سألته بدافع الفضول فحسب، لأنّني كنتُ أتساءل عن ساحة التدريب الخاصّة التي سأستخدمها وحدي،فلا تعتبره وقاحةً منّي—.”
“من قال إنّك ستستخدمينها وحدك؟”
“……ماذا؟”
أرخى الدوق الأكبر جسده مستندًا إلى ظهر الكرسي.
ثم رفع أحد طرفي فمه قليلًا، بعد أن كان خاليًا من التعبير، وقال:
“لم أقل شيئًا من هذا.”
“…….”
ما الذي يقصده؟
هل يستخدم أفراد أسرة الدوق بالوت ساحات التدريب الخاصّة معًا؟
‘حسنًا، ليس هناك ما يمنع ذلك، لكن…….’
سألتُ بحذر:
“إذًا، ……هل سأستخدمها مع شخصٍ آخر؟”
“الطابق السفلي من مكتب نوربِرت له صاحبٌ آخر. لذلك ستستخدمينها مع ذلك الشخص.”
“آه، ……فهمت.”
أجبتُ بصوتٍ خافتٍ فاقدٍ للحماس.
من يكون؟
إذا كان الطابق السفلي من مكتب العجوز نوزبِرت، فلعلّه ساحة تدريب يستخدمها تابعٌ آخر.
وربّما لا بأس في أن نستخدمها معًا، ما دمنا نستخدمها في أوقاتٍ مختلفة.
غرقتُ في التفكير، متسائلةً عمّن سيكون الشخص الذي سأستخدم معه ساحة التدريب الخاصّة.
وعندها، سمعتُ صوت الدوق الأكبر مجدّدًا.
“أنا.”
رفعتُ رأسي عند سماع صوته، ونظرتُ إلى الدوق الأكبر.
“……ماذا؟”
أجاب، ولا يزال يميل رأسه قليلًا على نحوٍ مائل:
“صاحب الطابق السفلي. قلتُ إنّه أنا.”
“…….”
ووف ووف.
جاء من مكانٍ ما صوت نباح كلب.
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ بــوني 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.