الفصل 120
⟢ الفصلُ 120 ⟢
كان الجزء الداخلي من قصر الماركيز كما هو تمامًا منذ زيارتي إليه قبل مدة قصيرة.
لم يتغير فيه سوى أن الغبار بدأ يتراكم من جديد، بشكل خفيف، في الأماكن التي مررتُ عليها بأطراف أصابعي.
تجوّلتُ في أنحاء قصر الماركيز بحرية، وكأنني عدتُ إلى سن العاشرة.
وبينما كنتُ أتنقل في المكان، بدءًا من مطبخ الطابق الأول، وأتفقد واحدًا تلو الآخر أماكن عمل الخدم، راودني خاطر بأن ما أفعله الآن لا يختلف كثيرًا عن عملي المعتاد ككبيرة خدم في الدوقية الكبرى.
لكن عندما دخلتُ غرفتي في الطابق الثالث، انفرج فمي من الدهشة تلقائيًّا.
“ما زالت كما هي……”
كانت مطابقة تمامًا لآخر مرة رأيتها فيها، يوم غادرتُ متجهةً إلى قاعة الولائم في القصر الإمبراطوري بالعاصمة.
“يمكن استخدامها فورًا بعد تنظيفها فقط.”
“نعم.”
استدرتُ نحو كادريان وأمسكتُ بيده بإحكام.
“لولاك أيها الدوق، لما بقيت محفوظةً بهذا الشكل.”
قلتُ وأنا أنظر إلى كادريان بثبات:
“شكرًا لك حقًّا.”
وبصفتي فردًا من عائلة بلانكر، وبصفتي خطيبة كادريان، أردتُ أن أعبّر عن الامتنان الذي غمرني في تلك اللحظة، فقلتُ بعينين واسعتين:
“سأردّ لك هذا الجميل حتمًا. ……حتى لو اضطررتُ إلى التضحية بحياتي.”
عندها فرك كادريان بين حاجبيه وكأنه في حيرة من أمره.
“……فريا.”
“همم؟”
“لا حاجة لأن يصل الأمر إلى التضحية بحياتك.”
أملتُ رأسي متسائلة.
“لماذا؟ بما أن رأس الدوق لي، فحياتي أيضًا لك.”
خذها.
“…….”
عندها ارتفع أحد حاجبي كادريان قليلًا.
أوه؟ يبدو أن الفكرة راقته.
ضحكتُ بخفة.
“لنبدأ بتفقد غرفتي، ما رأيك؟”
فتشتُ أدراج المكتب وخزانة الملابس، وأسفل السرير والسجادة، بدقة شديدة.
وبأمل صادق في أن أعثر على أي شيء، بحثتُ في كل زاوية بعناية بالغة، لدرجة أن حتى اللص المحترف كان سيهزّ لسانه إعجابًا بدقة تفتيشي ثم يعود أدراجه.
بركة شجرة العالم التي مُنحت لعائلة بلانكر.
كنتُ أشعر بالفضول لمعرفة ما الذي يمكن لتلك البركة أن تفعله بالضبط، وإلى أي حد تصل قدراتها.
وكنتُ أتمنى بشدة أن تكون، إن أمكن، قدرةً مفيدةً جدًا عند مواجهة السحرة السود.
لكن كبير الكهنة قال إن تمزيق البركة أو كسرها أمر مستحيل.
‘كما توقعت…… لا بد أن البركة قوةٌ تحمي أو تضمن الحماية، أليس كذلك؟’
لو تمكنتُ من التحكم بالتطهير على الأقل، لكان ذلك رائعًا……
وكما توقعت.
“لا شيء هنا أيضًا……”
لم أعثر في غرفتي على شيء يستحق الذكر.
ثم فتشتُ غرفة والديّ، ومكتبة عائلة بلانكر، ومكتب أبي، وغيرها.
تفقدتُ أرجاء المنزل بأكمله حتى بدأت الشمس تميل نحو الغروب خلف الجبال، لكنني لم أعثر على ما أبحث عنه.
‘كما توقعت…… القبو.’
فمن المستحيل أن يكونا قد أخفياه في مكان مثل المطبخ أو غرفة الغسيل.
‘صحيح…… من الطبيعي ألا تكون السجلات المتعلقة بالعائلة وتعليم الورثة في مكان يسهل العثور عليها.’
تقدمتُ في المقدمة وقلتُ لكادريان:
“هيا، علينا الآن تفقد القبو.”
“حسنًا.”
* * *
كان الدرج المظلم المؤدي إلى القبو باردًا وصلبًا للغاية.
ومع كل خطوة نزول، كان صوت احتكاك الحذاء بالحجارة الصلبة التي تكوّن الدرج يتردد في المكان، مضيفًا إلى الأجواء إحساسًا موحشًا.
لا أدري كم نزلنا من الدرجات.
وأخيرًا، شعرتُ تحت أطراف أصابع قدمي بملمس مختلف عن الحجر.
في تلك اللحظة—
فوااااا!
أضاءت المصابيح المثبتة على الجدران دفعةً واحدة.
وفجأة ظهر باب حديدي ضخم لم يكن مرئيًّا حين كان المكان غارقًا في الظلام.
كان الباب الحديدي الصدئ يحمل بوضوح آثار السنوات الطويلة التي مرّت عليه.
تقدمتُ نحوه ببطء وقلت:
“يبدو أنه هنا.”
“هل هذه أول مرة تأتين فيها إلى هنا؟”
“أجل. لم أكن قد بدأتُ دروس الوريث رسميًّا بعد، لذلك لم يكن لديّ سبب للمجيء إلى هنا في السابق.”
في الحقيقة، لم يكن من المنطقي أن تهتم طفلة في العاشرة بتوارث القوة الخفية للعائلة.
وعلى الأقل، هذا ما كنتُ عليه أنا.
كان والداي بصحة جيدة، وكنتُ لا أزال صغيرة، لذلك لم يكن لديّ سبب يدفعني إلى التفكير بعمق في كيفية إدارة شؤون العائلة.
كنتُ أظن ببساطة أنني سأعرف كل شيء بصورة طبيعية عندما تمر السنوات ويحين الوقت.
“لم أكن أرى ما أمامي حتى خطوة واحدة.”
“فريا. ما حدث في ذلك الوقت لم يكن شيئًا يمكن لأي شخص أن يتوقعه.”
“……أعرف. ومع ذلك، ما زلتُ غاضبة. أتساءل أحيانًا: لو كنتُ أعرف حينها نوع القوة التي تحملها البركة، فهل كان يمكن أن تسير الأمور بشكل مختلف قليلًا؟”
“…….”
“وبالمناسبة، إنه ضخم حقًّا. هل يمكن فتح هذا أصلًا؟”
عندها نظر كادريان إلى منتصف الباب الحديدي وقال:
“هنا، توجد رموز تشبه الكتابة القديمة.”
“آه…… صحيح.”
في الحقيقة، إذا أردنا أن نكون دقيقين، فلم تكن تلك لغةً قديمة بالمعنى الحرفي.
‘تلك الرموز تشبه الكتابة المحفورة على أوراق شجرة العالم.’
كانت رموزًا تشبه اللغة القديمة، لكنني لم أتعلمها قط.
ومع ذلك، كنتُ قادرةً على قراءتها.
“مارديليا، بنتورا ألمارديان. ……إنها مطابقة تمامًا للرموز المكتوبة على الورقة. يبدو أنها تعويذة ما—”
وفي اللحظة التي كنتُ على وشك القول إنها تبدو كنوع من التعويذات—
طَق!
انفتح قفل الباب الحديدي من تلقاء نفسه.
“هاه؟!”
“فريا.”
تراجعتُ خطوةً إلى الوراء من شدة المفاجأة، فأحاط كادريان كتفي بذراعه، وأخذ يترقب ما وراء الباب الحديدي المفتوح بحذر.
“…….”
“…….”
ظللتُ أنا وكادريان نحدّق في الباب المفتوح للحظات.
“……لا يبدو أن هناك شيئًا مريبًا، أليس كذلك؟”
“……يبدو ذلك.”
“فوووه……”
تملصتُ من بين ذراعي كادريان، ثم خطوتُ خطوةً نحو الباب الحديدي.
“فريا. سأدخل أولًا وأتفقد المكان.”
“لا.”
استدرتُ نحو كادريان وقلتُ بهدوء:
“من هنا فصاعدًا، سأدخل وحدي.”
اتسعت عينا كادريان.
“هذا خطر!”
“كادريان. أين تظن أننا هنا؟”
“…….”
“هذا منزلي. ولا يوجد شيء في منزلي يمكنه أن يهددني. والداي ليسا من النوع الذي يترك شيئًا كهذا هنا.”
“…….”
“ثق بي وانتظرني هنا. ……كادريان.”
عندها ابتسم كادريان ابتسامةً مريرة.
“أما الانتظار، فأنا أجيده.”
“…….”
لماذا بدت تلك الكلمات حزينةً إلى هذا الحد؟
تألّم قلبي عندما رأيت ملامح وجهه التي بدت حزينةً بطريقة ما.
“سأعود.”
“نعم. ……كوني حذرة.”
“حسنًا.”
مددتُ يدي ببطء، ودفعتُ الباب الحديدي ودخلت.
وفجأة—
فووووش!
اجتاح جسدي بأكمله إحساسٌ شبيه بذلك الذي شعرتُ به عندما عبرتُ حاجز الإقليم ودخلتُ إلى الداخل.
“آه……؟”
نظرتُ حولي بعينين مذهولتين.
“لكن…… هذه غرفتي……؟”
ما الذي يحدث؟ كيف حدث هذا؟
هل كان ذلك الباب الحديدي متصلًا بغرفتي؟
‘لا يُفترض أن يحدث هذا.’
عندما فتشتُ غرفتي قبل قليل، كنتُ متأكدةً من أنني لم أجد شيئًا.
ومع ذلك، بعد أن وصلتُ إلى هنا بصعوبة، انتهى بي الأمر في غرفتي من جديد……
‘هل يعني هذا أنه لم يكن هناك شيء أصلًا في قصر الماركيز؟’
ماذا يُفترض أن يعني هذا الوضع بالضبط؟
وبينما كنتُ ألتفت حولي مرتبكة، أدركتُ شيئًا فجأة.
“إنها مختلفة.”
كانت هناك أشياء مختلفة في الغرفة عن غرفتي التي تفقدتها مع كادريان.
‘لا يوجد غبار، والأثاث وأغطية الفراش تبدو أحدث قليلًا.’
وفجأة، وقع بصري على كرة بلورية ذهبية مستديرة موضوعة فوق السجادة الناعمة أسفل السرير.
‘تلك…… إنها الكرة البلورية التي كنتُ ألعب بها عندما كنتُ صغيرة.’
كانت كرة بلورية بحجم قبضة يدي، لعبةً غامضةً كانت تحكي قصصًا ممتعة.
كانت تظهر على سطح الكرة البلورية، على فترات منتظمة، رموز غامضة عشوائية، ثم تختفي.
وكان عليّ أن أسرع بتتبع تلك الرموز بأطراف أصابعي قبل أن تختفي، فإذا أجبتُ إجابةً صحيحة، كانت الكرة تحكي لي قصةً جديدة.
‘عندما كنتُ أعجز عن النوم ليلًا، كنتُ أستمع إلى الحكايات القديمة التي تخرج من الكرة البلورية حتى أغفو…….’
والآن بعد أن فكرتُ في الأمر، لم أرَها عندما فتشتُ الغرفة قبل قليل.
‘إنها بالتأكيد مساحة مختلفة.’
في تلك اللحظة—
ززززززز!
تدفّق ضوء ذهبي من الكرة البلورية الموضوعة فوق السجادة.
حدّقتُ في الضوء للحظات، ثم اقتربتُ ببطء ورفعتُ الكرة البلورية.
‘ظهرت الرموز…….’
وكما كانت تفعل في اللعبة التي كنتُ ألعبها في طفولتي، ظهرت رموز على الكرة البلورية.
لم أكن أدرك ذلك وأنا صغيرة، لكنني الآن لاحظتُ أن الرموز التي ظهرت على الكرة البلورية تشبه تمامًا الرموز المرسومة على أوراق شجرة العالم.
‘هل لهذا السبب كنتُ قادرةً على قراءة الكتابة الموجودة على الأوراق؟’
وكأنني عدتُ إلى طفولتي، حرّكتُ طرف إصبعي متتبعةً الرموز فوق سطح الكرة البلورية.
وفي تلك اللحظة—
انفجر من الكرة البلورية ضوء ذهبي ساطع، وانتشر في المكان كأنه يلتهمه بأكمله.
“آخ!”
وامتلأ المكان بالضوء، لكنه سرعان ما امتصّه جسدي كله، وكأن شيئًا لم يحدث.
كانت طاقةً عنيفةً وشرسة.
وكأنها تتنافس مع الهالة التي تسري في جسدي، في محاولة لمعرفة أيّهما أسوأ طبعًا.
وبينما راحت هاتان القوتان سيئتا الطبع تعبثان بأرجاء جسدي، لم أعد أحتمل، فصرختُ في داخلي:
‘أيها المجنونان! ألا يمكنكما التوقف؟!’
ألم تجدا مكانًا آخر تتشاجران فيه غير جسدي؟!
‘هل تتنافسان لمعرفة أيكما أسوأ طبعًا أم ماذا؟!’
واخ! واخ! وااااخ!
ولم أستعد السيطرة على طاقة جسدي إلا بعد أن شاركتُ أنا أيضًا في مسابقة من أسوأ طبعًا تلك.
“فوووه…….”
لقد فزتُ.
أخذتُ نفسًا عميقًا، وبدأتُ أتفقد ببطء الطاقة التي انتشرت في أنحاء جسدي.
كنتُ أشعر بوضوح بطاقة جديدة تختلف عما عرفته من قبل.
كانت طاقةً ثقيلةً للغاية، غير مصقولة، شرسةً وخشنة، ومختلفةً تمامًا عن الهالة.
‘إنها شرسة، لكنها لا تبدو وكأنها ستؤذيني.’
كانت قوية.
قويةً إلى درجة تضاهي الهالة التي أملكها.
‘إذًا، هذه هي البركة.’
وفي تلك اللحظة، شعرتُ أنني أعرف كيف أستخدم هذه القوة الجديدة.
مددتُ يدي وبسطتُ كفّي نحو الأعلى، فاندلعت هالة تشبه ألسنة اللهب الزرقاء.
“وإذا أضفتُ إليها البركة……”
استدعيتُ القوة الأخرى التي شعرتُ بها داخل جسدي، وجعلتها تمتزج مع الهالة.
عندها تشابكت الهالة الزرقاء والبركة الذهبية بعنف.
كراااك—! طق، كراااك!
وصدر صوت يشبه عودة عظمٍ ملتوي إلى موضعه بالقوة، وكأنه يُجبر على الاستقامة.
“واو…….”
هذا جنون! إنها مذهلة!
في الموضع الذي اندمجت فيه الهالة مع البركة، تشكّل شكل جديد من الطاقة يشبه السوط.
وفجأة، تذكرتُ حديثي مع كبير الكهنة.
—”لكن، يا كبير الكهنة.”
—”نعم، تفضّلي.”
—”بعيدًا عن جعل النباتات تنمو وما شابه، ألا توجد تقنية مفيدة للهجوم؟ كأن تجعل اختراق عنق شخص ما أسهل، أو تجعل قطعه وتمزيقه وتحطيمه أسهل.”
كان كبير الكهنة قد أخبرني حينها بأنه، بما أن اسمها بركة، فلا توجد فيها قدرات هجومية.
ولكن……
أحطتُ تلك الطاقة بيدي برفق.
فأصدرت طقطقةً خفيفة، ثم شرارةً أخرى، وشعرتُ بوخز يسري فيها قبل أن تلتف الطاقة حول يدي بإحكام.
‘الإحساس رائع.’
ثم لوّحتُ بها بخفة.
طاااخ—!
شقّت الطاقة الهواء، ثم ارتطمت بالأرض على هيئة سوط، وكان الإحساس فعلًا كما لو أنني ألوّح بسوط حقيقي.
لم أحرّك يدي سوى حركةٍ خفيفة واحدة، ومع ذلك انشقّ سطح الأرض على امتداد طويل، تاركًا أثرًا غائرًا على شكل سوط.
“واو، لقد انتهى الأمر. انتهى تمامًا.”
ابتسمتُ وأنا أحرّك طرف فمي في ابتسامةٍ ماكرة.
“بهذا القدر……”
يمكنني قطع الأشياء وتحطيمها وتمزيقها بما يكفي، أليس كذلك، يا كبير الكهنة؟
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ Snow 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.