الفصل 111
⟢ الفصلُ 111 ⟢
لطّخت شفتيّ باللعاب للحظة، وصنعت جوًّا من التوتر القصير، ثم فتحت فمي من جديد.
“كتلة الفرو هذه… تستطيع فهم كلام البشر.”
وبإضافة تعبير الحزم إلى وجهي، هبط جوّ المكتب وأصبح ثقيلًا.
ما رأيك؟ أليس هذا مدهشًا؟ مدهش لدرجة أنك عاجز عن الكلام، أليس كذلك؟
‘ألم ترَ قطًّا كهذا من قبل؟’
لكن، خلافًا لتوقّعاتي، كانت ردة فعل الرجلين فاترة.
“……”
“أوه.”
ظلّ كادريان صامتًا، بينما لم يُبدِ إيد سوى إعجاب جاف.
ما الأمر؟ لماذا كانت ردة فعلهما هكذا؟
“لا، أقول لكم إنه يفهم الكلام! هذا القط تحديدًا؟ إنه يفهم كلام البشر!”
“فهمت.”
“كنت أتوقع ذلك.”
كان كادريان يبدو وكأنه لا يبالي إن كان يفهم أم لا، بينما تحدث إيد بنبرة توحي بأنه كان يتوقع ذلك إلى حد ما.
وقال إيد، وكأن الأمر اعتيادي تمامًا ولا يستحق كل هذا الاهتمام:
“أظن أن ذلك كان قبل شهر. عندما لوّحت أمامه بسمكة الـ بينغأو المجففة وطلبت منه أن يتدحرج إلى الأمام، فعلها فعلًا.”
ماذا؟
“وأيضًا…”
مقابل قطعة واحدة من صدر الدجاج المسلوق الطري، كان ينفذ الوقوف على أرجله خمس مرات، ومقابل طبق من حساء القطط المصنوع من التونة والسلمون، كان يؤدي ثلاث دورات بهلوانية في الهواء، وحتى مقابل عود واحد من وجبات القطط الخفيفة المصنوعة من العشب المطحون الذي يُقال إن القطط تُجنّ به، كان يذهب ويحضر له الغسيل المعلّق على الشجرة.
راح إيد يخبرني عن غرائب الكتلة الفرو بوجه تغمره السعادة.
“كلما رأيته، ازددت اقتناعًا بأن بيول خاصتنا عبقرية.”
“……”
حدّقت في الكتلة الفرو بسرعة.
أنت، أيها الوغد! ماذا كنت تفعل طوال الوقت الذي كنت فيه غائبة؟!
[كح، كح.]
تجنبَت الكتلة الفرو نظراتي وسعلت سعالًا مصطنعًا.
ضحك إيد وهو يربّت على جبين الكتلة الفرو.
“وبعد أن وصل الأمر إلى هذا الحد، أصبح كون بيول تفهم كلام البشر حقيقة يعرفها جميع من في الدوقية الكبرى.”
أليس كذلك يا بيول؟
راح إيد يحكّ جبينها وتحت ذقنها بمهارة، فصدر منها صوت خرخرة منخفضة: خرر… خرر… وملأ أرجاء المكتب.
نظرت إلى الكتلة الفرو بعينين ضيقتين.
‘ألم تقل في وقت سابق إنها تكرهه لأنه كلب؟’
إنهما منسجمان جدًا، هذان الاثنان.
حدّقت للحظة في الكلب والقط اللذين كانا أكثر انسجامًا وحميمية من العلاقة بيني وبين الدوق الأكبر.
ولوهلة، شعرت أن الأمر ربما كان جيدًا هكذا.
‘صحيح، بما أنهم يعرفون أنها قطة ذكية تفهم كلام البشر، فلن يُفاجَؤوا كثيرًا هذه المرة أيضًا.’
ثم فتحت فمي من جديد. لكن هذه المرة من دون أي مظهر من مظاهر الحزم، بل قلتها بفتور وعفوية:
“إنها تتكلم أيضًا.”
فاستدارت نظرات الرجلين نحوي فجأة.
“……ماذا؟”
“ماذا؟”
كان الوجهان يحملان دهشة لم يتوقعا معها ذلك إطلاقًا.
وفي وسط ذلك الصمت، رفعت الكتلة الفرو كفها الأمامية عاليًا وصاحت:
“ميااانغ!”
[أجل! أستطيع فعل ذلك!]
فأنا قطة عظيمة! وأنا قطة عبقرية وذكية!
دوّى صوت الكتلة الفرو في أرجاء المكان بقوة.
‘بالطبع، كلامها لا يسمعه سواي.’
وهكذا أخبرتهما بكل شيء عن الكتلة الفرو.
إنها تفهم كلام البشر، وتستطيع التحدث بلغتهم، وإن كنت الوحيدة القادرة على سماع كلامها.
“حتى السم الذي هرّبناه سرًا أثناء مهرجان الصيد، كانت الكتلة الفرو هي من أحضرته في الحقيقة.”
“……”
وأخبرته كادريان بكل ما سمعته الكتلة
الفرو في تلك الخيمة أيضًا.
“سبب إخباري لك بهذا هو الختم التي أخبرتك عنه منذ قليل، أيها الدوق الأكبر.”
عندها ظهرت تشققات دقيقة بين حاجبي كادريان.
في كل الأحوال، لم يكن كادريان قادرًا على رؤية الختم.
لذلك كان بإمكاني أن ألتزم الصمت، لكن كادريان كان من النوع الذي قد يركض إلى المعبد في الحال من أجل إزالة الختم.
ولهذا كان عليّ أن أخبره بأن الختم أختفى، وبالتالي لم يعد هناك سبب للذهاب إلى المعبد.
‘وربما من الأفضل أن أخبره في هذه المناسبة أيضًا بقدرات الكتلة الفرو.’
صحيح أن الأمر المتعلق بذكريات سيا لا مفر منه، لكنني لا أريد أن أكذب على كادريان بشأن الأمور الأخرى.
“لذلك لم تعد هناك حاجة إلى القلق. فالختم… كتلة الفرو أكلتها للتو، …أعني، طهّرتها.”
عندها اتجهت أنظار الرجلين إلى كتلة الفرو.
“……حتى التطهير؟!”
نظر إيد إلى كتلة الفرو بعينين ممتلئتين بالإعجاب.
آه، تلك النظرة… أعرف تلك النظرة.
كانت شبيهة بالنظرة التي رمقني بها عندما ناديت كتلة الفرو قبل قليل بـ السيدة بيول.
على أي حال، واصلت كلامي.
“لذلك، وللأسف، أصبح من الصعب حقًا الآن العثور على مكان إقامة ولي عهد إمبراطورية تيناسيس، أيها الدوق الأكبر.”
وعند كلامي، انفرجت التجاعيد التي ظهرت بين حاجبي كادريان من جديد، وعاد وجهه هادئًا.
“هذا من دواعي السرور.”
“أي سرور؟ أقول لك إن فرصة الإمساك بذلك الوغد، ولي العهد، قد ضاعت!”
لكن كادريان أمال رأسه بوجه هادئ، وكأن كلامي لم يكن مهمًا.
“حتى من دون ذلك الختم، توجد طرق كثيرة للإمساك به، لذا لا داعي للقلق.”
“هاه…”
في تلك اللحظة، رفع إيد كتلة الفرو عاليًا وقال:
“لا أفهم ما الذي تقصدونه بالعلامة، لكن على أي حال، هذا يعني أن بيول خاصتنا قطة مذهلة!”
“ميوو! ميااانغ! مياو مياو!”
قهقه، قهقه.
من يراهما سيظنهما صديقين مقرّبين لا يفترقان.
انفجرت منّي ضحكة دون أن أشعر وأنا أنظر إلى ذلك الثنائي المثير للذهول.
“حسنًا، لا بد أن الفطور قد أصبح جاهزًا الآن. أما بقية الحديث، فبإمكاننا إكماله بعد أن نتناول الطعام ونعود إلى هنا.”
عندها نهض كادريان أولًا.
“يبدو أن هذا أفضل. لنذهب.”
“حسنًا!”
وتقدّمتُ الطريق نحو غرفة الطعام.
* * *
“ما الذي جاء بك منذ الصباح الباكر؟”
“لم آتِ إلا لأُلقي تحية الصباح على والدتي.”
جاء ولي العهد أرثر لزيارة الإمبراطورة سيلفيا في وقت مبكر من الصباح.
“قُل ما لديك أولًا. لديّ مواعيد هذا الصباح.”
“……”
يبدو أن الإمبراطورة كانت تشعر بالنفور وعدم الارتياح في هذا المكان بقدر أرثر نفسه.
ابتسم أرثر بهدوء وقال:
“جلالتكِ الإمبراطورة، أين كنتِ عند الفجر؟”
فوضعت الإمبراطورة فنجان الشاي بأناقة وسألته:
“كنت نائمة.”
“هل لديكِ شاهد على ذلك؟”
“الجميع في هذا القصر شهود.”
“……”
ظلّ أرثر صامتًا للحظات، محدقًا في الإمبراطورة.
“في فجر اليوم، مات جميع أفراد بعثة تيناسيس الذين كانوا محتجزين في السجن الواقع تحت الأرض.”
“يا إلهي.”
قطّبت الإمبراطورة حاجبيها وكأنها سمعت أمرًا مروّعًا.
“سمعت أن التحقيق معهم لم ينتهِ بعد، فكيف حدث ذلك؟”
“ماتوا جميعًا بأزمة قلبية.”
“يا للمصيبة… يبدو أنهم لم يكونوا بصحة جيدة في الأصل.”
“……كان سمًّا.”
“……”
كان السجن الموجود تحت الأرض في القصر الإمبراطوري مكانًا لا يمكن فيه استخدام السحر أو السحر الأسود أو الهالة أو القوة المقدسة.
ولذلك كان احتمال قتلهم بقوة خارقة للطبيعة ضئيلًا للغاية.
وبين الجثث، كانت هناك قنينة دواء صغيرة لم تُرفع بعد.
وضع أرثر تلك القنينة على الطاولة بينه وبين الإمبراطورة.
“كان تسميم بعثة تيناسيس تصرفًا متهورًا وأحمق حقًا.”
“……”
“وبسبب ذلك التصرف، أصبح من الصعب علينا محاسبة ولي عهد تيناسيس على جريمته المتمثلة في إهانة إمبراطورية كاديا. هل تفهمين؟ لقد أصبحت ذريعة الحرب غامضة. …ومن المؤكد أن جلالة الإمبراطور سيغضب بشدة عندما يعلم بهذا الأمر. بحق…”
مرّر أرثر يده في شعره إلى الخلف، ثم سأل بصوت منخفض:
“لماذا فعلتِ هذا؟”
فأجابت الإمبراطورة بسرعة:
“لا أفهم عما تتحدث. لا علاقة لي بهذا الأمر قطعًا.”
“……”
بعد أن انتهت كلمات الإمبراطورة الحازمة، ساد صمت قصير.
ظلّ أرثر يحدق فيها دون أن يقول شيئًا، ثم تنهد وقال:
“لا أعرف لأي سبب تتواصلين مع أسرة الكونت دوفين، لكن عليكِ أن تكوني حذرة.”
“……”
“فالكونت دوفين ليس شخصًا يحفظ الأسرار كما تظنين، جلالتكِ.”
“هل تشك في أنني تواطأت مع أسرة الكونت دوفين ودبّرت هذا الأمر؟”
“بالطبع لا. ما الذي قد ينقص جلالتكِ الإمبراطورة؟ ألستِ تملكين كل شيء؟ لا يمكن لشخص مثلكِ أن… تكون له نوايا أخرى، أليس كذلك؟”
ضحك أرثر ضحكة خافتة، ثم سرعان ما محا الابتسامة عن طرف فمه وقال محذرًا:
“عبر التاريخ، لم تنتهِ نهاية جيدة لأي عائلة استخدمت السموم. لا أعرف لأي سبب، ولا مع مَن، قررت جلالتكِ الإمبراطورة أن تمدّي يدكِ. …لكن أرجوكِ، توقفي عند هذا الحد، جلالتكِ الإمبراطورة. من أجل إيلاريس أيضًا.”
“……”
نهض أرثر وغادر غرفة الاستقبال دون أن يضيف كلمة أخرى.
حدّقت الإمبراطورة في المدخل الذي خرج منه أرثر، وصرّت على أسنانها.
“……أر… ثر.”
ثم قبضت بعنف على قنينة الدواء الفارغة الموضوعة على الطاولة، وقذفتها بكل قوتها نحو الجدار.
تحطمت القنينة الصغيرة برنين حاد، وتناثرت شظاياها على الأرض.
“أيها الوقح…”
يأتي إليّ منذ الصباح الباكر، ويتجرأ على السخرية مني؟!
“تشِيد! تشِيد!”
“نعم، جلالتكِ الإمبراطورة.”
هرع تشِيد، فارس الحراسة، استجابةً لنداء الإمبراطورة.
“ماذا عن مساعد الكونت دوفين؟ هل تقول إنه لم تصل أي أخبار عنه بعد؟”
“نعم. أظن أنه تمكّن على الأرجح من مغادرة الإمبراطورية سالمًا.”
زفرت الإمبراطورة ببطء، وعندها فقط هدأت الهالة الحادة التي كانت تحيط بها.
“حسنًا، المهم ألا يُقبض عليه. هو تحديدًا…”
“……”
“بما أن ذلك الوغد أرثر يتصرف بهذه الطريقة، فلا بد أنه أدرك شيئًا ما… استكشف مع مَن يتبادل ولي العهد الاتصالات في الآونة الأخيرة.”
“أمركِ، جلالتكِ الإمبراطورة.”
ما إن غادر الفارس، حتى سحبت الإمبراطورة صندوقًا خشبيًا كانت قد أخفته تحت السرير.
ثم فتحت الغطاء وتفقدت ما بداخله.
مرّت عيناها على الجرعات التي ملأت الصندوق، ثم رفعت طرف فمها بابتسامة.
‘هذا القدر كافٍ.’
* * *
في مساء ذلك اليوم.
وصلت رسالة من القصر الإمبراطوري إلى الفيلا.
كانت تحمل خبر وفاة جميع أفراد بعثة تيناسيس.
ولم يكن ذلك كل شيء.
فقد فقدوا أيضًا أثر ولي عهد تيناسيس، ولم يعثروا على أي أثر للسحر الأسود.
أما الأشخاص الذين كان ينبغي استجوابهم، فقد ماتوا جميعًا أو أصبح مكان وجودهم مجهولًا.
وكان القصر الإمبراطوري قد خلص إلى أن مواصلة التحقيق لم تعد ممكنة.
وفي النهاية، أعلنت إمبراطورية كاديا الحرب على إمبراطورية تيناسيس.
وهكذا اندلعت الحرب من جديد بعد أن كانت قد توقفت، ولو لفترة قصيرة.
وأنا أستمع إلى محتوى الرسالة، تمتمت دون أن أشعر:
“إنه ليس من النوع الذي سينسحب بهدوء هكذا.”
عندها نظر الرجلان الموجودان في المكتب نحوي.
“آه…”
هل كان صوت حديثي مع نفسي مرتفعًا إلى هذا الحد؟
‘حسنًا، يبدو أنه من الأفضل ألا أخفي المزيد.’
صحيح أنني كنت أخشى أن تتغير نظرة كادريان إليّ إذا عرف الحقيقة، وما زال هذا الخوف قائمًا.
‘إذا واصلت إخفاء أنني كنت سيا… فلن أستطيع مساعدته.’
حدّقت للحظات في نظرات كادريان الموجهة إليّ، ثم حككت خدي وقلت:
“ولي عهد تيناسيس ذلك الوغد من النوع الذي يفكر حتى في اللحظة التي يهرب فيها بخطوة يمكنه بها مباغتة خصمه واستغلال ثغرة فيه.”
دخل سيرهين إلى إمبراطورية كاديا بحجة التحالف.
ولعل هدفه الأساسي كان سلب روحي مجددًا، لكن بالنظر إلى طبيعة سيرهين، كان من المرجح جدًا أنه أعد مسبقًا خطة أخرى تحسبًا لفشل ذلك.
‘أتمنى فقط ألا تكون وباءً.’
فحدسي الذي لطالما أنذرني بالخطر كان يشير، بطريقة ما، إلى ذلك الاتجاه.
تحدثت إلى الرجلين اللذين كانا يسألانني بنظراتهما: كيف عرفتِ ذلك؟
“في الحقيقة، …أنا…”
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ Snow 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.