الفصل 106
⟢ الفصلُ 106 ⟢
“قبل أن أخبركِ، هناك أمرٌ يجب أن تعرفيه أولًا.”
“هم؟ أمرٌ يجب أن أعرفه؟ ما هو؟”
“في اليوم الذي دخلتِ فيه في غيبوبة.”
“آه…….”
عندما أطلقتُ زفرةً قصيرة، تابع كادريان حديثه.
“في ذلك اليوم.”
وبدأ كادريان يخبرني بما حدث في اليوم الذي دخلتُ فيه في غيبوبة.
“كان هناك شخص رأى أحدًا يغادر الحديقة التي كنتِ ملقاةً فيها قبل الجميع.”
اتسعت عيناي بدهشة.
“ر، رأى أحدهم ذلك؟”
“نعم. ……وقيل إنه كان ولي عهد إمبراطورية تيناسيس.”
“…….”
لكن، كما قال، لم يكن من الممكن اتهام ولي عهد إحدى الإمبراطوريات واحتجازه باعتباره الجاني اعتمادًا على شهادة فارس واحد فقط.
“لذلك…… ذهب أبي وأمي بنفسيهما إلى إمبراطورية تيناسيس؟ إلى هناك؟! كم كان الطريق شاقًا!”
فلكي يصل المرء إلى إمبراطورية تيناسيس، كان عليه عبور منطقة النزاع في ريمارت.
لم تكن تلك المنطقة ساحةً للحرب بين الإمبراطوريتين فحسب، بل كانت أيضًا مكانًا تظهر فيه الوحوش المتحوّرة بصورة مفاجئة وفي أي وقت.
وبينما ارتجفت قبضتي واشتعل غضبي، ربت كادريان على ظهر يدي.
ومع ذلك، لم يكن من السهل تهدئة غضبي بعدما اشتعل إلى هذا الحد.
ازداد اختناق صدري حين تخيلتُ والديّ وهما يصعدان إلى العربة، متشبثين بأمل ضئيل، وكأنهما مستعدان للتعلق بأي خيط نجاة مهما كان واهيًا.
“وماذا حدث بعد ذلك؟ ……ماذا جرى بعدها؟”
“في اللحظة التي كانا يعبران فيها منطقة النزاع في ريمارت، تعرّضا لهجوم…….”
“…….”
قال إنه لم يكن هناك أي ناجٍ، ولذلك لم يعرفوا مَن المسؤول عن الهجوم.
لكن سيد برج السحر قال إنه شعر بوجود طاقة تشبه السحر الأسود.
وبما أن الوحوش المتحوّرة أيضًا تبعث طاقةً شبيهةً بالسحر الأسود، فلم يكن من الممكن الجزم بأن ساحرًا أسود هو من ارتكب الجريمة.
‘لا ناجين…….’
كما توقعتُ، مات والداي في ذلك المكان في نهاية المطاف.
شعرتُ بضيقٍ في صدري، وكأن صخرةً ضخمةً قد استقرت فيه.
رفعتُ قبضتي المشدودة بقوة إلى صدري وضغطتُ عليها برفق.
‘حقًا…’
لم أكن أعرف شيئًا.
ولم يقتصر الأمر على أنني أصبحتُ أداةً بيد مَن قد يكون قاتل والديّ، بل رفعتُ سيفي في وجه بلادي وخطيبي، وقتلتُ فرسان بلادي.
وفوق الأرض نفسها التي مات عليها أبي وأمي.
وفوق ذلك كله، كان هناك سحرٌ أسود…….
وبمجرد أن عرفتُ الحقيقة، خطر سيرهين في ذهني بطبيعة الحال.
‘حتى والداي…… هل كنتَ أنتَ أيضًا وراء ذلك، يا سيرهين؟’
عضضتُ على أضراسي بقوة.
عندها، أحاط كادريان قبضتي بيده دون أن يقول شيئًا.
“…….”
“…….”
كان الأمر غريبًا حقًا.
فالغضب كان لا يزال يملأ رأسي وصدري، لكن مجرد شعوري بدفء يده جعلني أحس وكأن العبء الثقيل الذي يثقل قلبي ينساب بعيدًا.
‘صحيح. سأحتفظ بهذا الغضب حتى ألتقي بسيرهين، وعندها سأصبّه كله عليه.’
أما الآن، فأردتُ أن أركز على كادريان.
لأن أهم شيء لم يكن الماضي الذي لا يمكن تغييره، ولا القلق بشأن أمور لم تحدث بعد.
بل هذا الرجل الذي يقف أمام عيني الآن.
‘كادريان أهم.’
وبينما كنتُ أحدّق في يد كادريان التي غطت يدي بالكامل، بادرني كادريان بالسؤال هذه المرة.
“هل تتذكرين أنني أخبرتكِ قبل قليل أن هناك شاهدًا؟”
“نعم…….”
أجبته وأنا أومئ برأسي.
شعرتُ بطريقة ما أن اللحظة التي كنت أخشاها قد حانت.
الشاهد، والشخص الذي رآه ذلك الشاهد…… سيرهين.
لا بد أن كادريان كان على وشك أن يسألني عن ذلك الآن.
فتح كادريان فمه بصعوبة، وقال بصوت ثقيل:
“هل ما رآه ذلك الفارس صحيح؟ ……في ذلك اليوم، في تلك الحديقة.”
هل كان ولي عهد تيناسيس موجودًا هناك؟
كان صوته وهو يتمتم بذلك خافتًا وثقيلًا إلى درجة أثارت القشعريرة.
رفعتُ رأسي ببطء ونظرتُ إلى كادريان.
كانت عيناه البنفسجيتان، اللتان لطالما حافظتا على هدوئهما وأضاءتا بنظرةٍ متزنة، تلمعان اليوم باضطرابٍ خطير.
‘كان يعرف بالفعل.’
يبدو أنه أراد فقط أن يتأكد من الأمر من خلالي.
وضعتُ يدي فوق ظهر يده التي كانت مشدودةً من شدة الغضب، وأخذتُ أمرر أصابعي برفق على ظهرها، حيث برزت عروقها، في محاولة لتهدئته.
وبدا أن لمستي قد نجحت في ذلك، إذ أخذت الهالة الشرسة المنبعثة من جسده تهدأ تدريجيًا.
ولم أفتح فمي إلا بعدما هدأ كادريان إلى حدٍّ ما.
“صحيح.”
“…….”
“ولي عهد إمبراطورية تيناسيس، سيرهين تيناسيس. الشخص الذي أجبرني في ذلك اليوم على الإمساك بالحجر الأسود. ……إنه ذلك الوغد.”
“…….”
بدأت عيناه، اللتان كان قد استعاد بهما هدوءه بصعوبة، تهتزان من جديد.
فأمسكتُ بيده بقوة، وكأنني أقول له ألا يفعل ذلك.
“اهدأ، أيها الدوق الأكبر. لنحتفظ بهذا الغضب إلى أن نلتقي بسيرهين، ثم نُفرغه فيه. حسنًا؟ هكذا قررتُ أن أفعل.”
“…….”
أخذ نفسًا عميقًا وخفيفًا.
قررتُ تغيير الموضوع حتى أتيح لكادريان فرصةً للتفكير في شيء آخر.
“أتعلم، أيها الدوق الأكبر؟ فهمتُ الآن ما حدث لوالديّ. لكنني ما زلتُ لا أفهم ما حدث لموظفين عائلة بلانكر وسكان إقطاعيتنا. ماذا جرى لهم؟”
عندها فتح كادريان فمه بعدما بذل جهدًا لتهدئة نفسه.
“ذلك بفضل قدرة جلالة الإمبراطور. فقد استخدم جلالته قدرةً مقدسة.”
“قدرة؟ وما هذه القدرة التي يمكنها حتى محو آثار عائلةٍ بأكملها؟”
أجاب كادريان عن سؤالي بهدوء:
“أنا أيضًا لا أعرف التفاصيل. فقد ظلت قدرات العائلة الإمبراطورية سرًّا متوارثًا عبر الأجيال. لم أعرف إلا من خلال ما حدث هذه المرة أن هذه القدرة يمكنها إحداث أمور كهذه.”
قال إن الإمبراطور لم يكن ينوي في الأصل الكشف عن قدرته.
لكن بعدما دخلتُ في غيبوبة، وتعرّض والداي أيضًا لما أدى إلى وفاتهما، اضطر إلى إظهار قوته لحماية آخر ناجية من عائلة بلانكر، أي أنا.
كانت القدرة قوةً غامضةً هائلة، لكنها أخذت تضعف مع توارثها عبر الأجيال، وفي الآونة الأخيرة أصبح من النادر جدًا أن يولد أحد أفراد العائلة الإمبراطورية وهو يمتلكها.
حتى إن الأمر وصل إلى حد انتشار قولٍ مفاده أن من يولد بهذه القدرة سيصبح إمبراطورًا.
وأضاف كادريان أنه من حسن الحظ أن أرثر وُلد هو الأخر وهو يمتلك القدرة، ولذلك لم تستطع الإمبراطورة أن تتعرض لأرثر بسهولة.
وبينما كنتُ أصغي باهتمام إلى شرحه، خطر لي سؤال مفاجئ فسألته:
“لكن معلّمي كان يعرف أمر عائلة بلانكر، وكذلك السير ألين. كيف حدث ذلك؟”
إذا كانت القدرة قد عبثت بذكريات الجميع، فلا ينبغي أن يكون اسم عائلة بلانكر قد ذُكر أصلًا.
أومأ كادريان برأسه وأجاب:
“للأسف، السبب هو أنها لم تنجح بشكل كامل.”
استخدم الإمبراطور قدرته لمحاولة محو ذكريات أفراد الإمبراطورية المتعلقة بالأشخاص المرتبطين بعائلة بلانكر.
لكن القدرة، رغم القوة الهائلة التي تمنحها، كانت تفرض عبئًا كبيرًا على الجسد.
وكان من آثارها الجانبية أن يفقد المرء وعيه، أو يُصاب بعجز دائم في أحد أجزاء جسده.
“لقد تعافى جلالته الآن، لكنه في ذلك الوقت اضطر إلى الخضوع لفترة نقاهة طويلة.”
ولهذا لم تعمل القدرة بصورة كاملة، وظهرت بسبب ذلك بعض الثغرات المتفرقة.
‘آه…… لهذا السبب كان الناس يتذكرون وجود عائلة بلانكر، ويتذكرون أن للدوق الأكبر خطيبةً في الماضي، لكنهم في المقابل لم يستطيعوا تذكري أو معرفتي حين رأوني.’
الخطيبة المسكينة للدوق الأكبر، التي ماتت في طفولتها.
لكن لم يكن هناك أحد يتذكر على وجه اليقين مَن كانت، أو اسمها، أو ملامحها.
“وماذا عن موظفين قصر الماركيز وسكان الإقطاعية؟”
“للسبب نفسه، يعيشون الآن متفرقين في أنحاء الإمبراطورية. والدوقية الكبرى توليهم عنايةً خاصة حتى لا يعانوا ضيقًا في المعيشة، لذا لا داعي للقلق.”
“…….”
كادريان……
لقد كان يحمي عائلتي والأشخاص التابعين لها في غيابي.
كان امتناني له، إلى جانب شعوري بالذنب تجاهه، كبيرًا إلى درجة جعلت عينيّ تدمعان من شدة التأثر.
‘صحيح، إذا أردتُ أن أعيدهم جميعًا، فعليّ أن أستعيد عافيتي أولًا.’
أن أنهض بعائلة بلانكر من جديد بصفتي وريثتها، وأن أعيد الحياة إلى القصر والإقطاعية اللذين أصبحا خاليين تمامًا.
أليس هذا هو السبب الأكبر الذي جعلني أعود؟
‘لكن ليس الآن.’
لقد اختفى سيرهين، وهناك سحر أسود يقف وراءه.
كما أن الختم الذي تركه سيرهين ما زال على كتفي حتى الآن.
‘يجب أن أزيل الختم أولًا.’
ولتحقيق ذلك، خلصتُ إلى أنه لا ينبغي أن أُظهر وجودي بعد.
‘لا ينبغي أن ألفت أنظار الناس إليّ بعد.’
مررتُ يدي برفق على ظهر يد كادريان وقلت:
“لديّ طلب، أيها الدوق الأكبر.”
“……أنا أستمع.”
“أريدك أن تُبقي سرًّا، في الوقت الراهن، حقيقة أن ذاكرتي قد عادت.”
“…….”
لم يُجب كادريان فورًا.
بل لم يستطع الإجابة، على الأرجح.
‘فهو أكثر من تمنّى عودة ذاكرتي من أي شخص آخر.’
لا بد أن كادريان انتظر طويلًا حتى أخرج إلى العالم بفخر بصفتي وريثة عائلة بلانكر، وأقف إلى جانبه بصفتي خطيبته.
“أنا آسفة…… لأنني أطلب منك شيئًا أنانيًا إلى هذا الحد. لكنني—”
عندها، وقبل أن أتم كلامي، فتح كادريان فمه.
“هذا ما كنت أتمناه.”
“نعم، لا بد أنك تشعر بخيبة أمل…… هم؟”
وصلني ردٌّ لم أتوقعه على الإطلاق.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.