الفصل 101
⟢ الفصلُ 101 ⟢
كانت تلك الطاقة شبيهة بالطاقة التي رأيتها في اليوم الذي واجهتُ فيه سيرهين.
‘لكن ما رأيته يومها كان أكثر كثافة وسُمكًا بقليل.’
أما الطاقة التي أراها الآن، فقد أصبحت أخفّ وأرقّ بكثير. ويبدو أن ذلك مرتبط بحالة سيرهين الحالية.
‘وفوق ذلك، يبدو أن هذه الطاقة لا تظهر لعيون الآخرين.’
حاولتُ أن ألوّح أمام خدم الفيلا وأتحرك هنا وهناك أمامهم، لكن لم يتمكّن أيٌّ منهم من رؤية هذه الطاقة.
كانت هذه الطاقة ذات اللون الأحمر القاتم، التي تشبه خيطًا رفيعًا، تتموّج في الهواء ببطء ونعومة شديدين، كذرات غبار عالقة في الجو.
وبينما كانت تمتدّ نحو مكان ما، استطعتُ أن أعرف بفطرتي، وأنا أحدّق في الاتجاه الذي تتصل به، أن سيرهين موجود في نهاية هذه الطاقة، وأنها ستقودني إليه.
راودتني فكرة أن أذهب للبحث عن سيرهين بمفردي، وأن أضع حدًّا لكل شيء معه، لكنني كبحْتُ نفسي في النهاية.
‘لأنني على الأرجح سأتعرّض للتوبيخ من كادريان.’
يجب ألّا أرتكب المزيد من الحماقات التي ستجعلني أتلقى توبيخًا……
وفوق ذلك، ما دام الختم ما يزال مطبوعًا عليّ، فلا يمكنني تجاهل احتمال أن أصبح عاجزة مرة أخرى أمام سيرهين، من دون أن أتمكّن حتى من الدفاع عن نفسي.
‘الأولوية الآن هي أن نحلّ هذا الوضع أولًا.’
ليت كادريان يعود بسرعة.
لديّ أسئلة كثيرة جدًا أريد طرحها عليه، ولديّ أيضًا أشياء كثيرة أريد إخباره بها……
‘وعليّ أن أسأله عمّا حدث بعد أن دخلتُ في غيبوبة.’
أدرتُ رأسي نحو الاتجاه الذي يوجد فيه القصر الإمبراطوري.
‘لكن الأمر يستغرق وقتًا أطول مما توقعت.’
ما زلت لا أعرف كيف ينبغي لي أن أتعامل معه، وفوق ذلك أشعر بالحرج لمجرد أنني بكيت أمامه بحرقة.
‘ومع ذلك، أتمنى أن يعود سريعًا…….’
كنت أشتاق إلى رؤية كادريان.
عندها نادتني إحدى الخادمات المسؤولات عن إدارة الفيلا.
“آنسة فريا! لقد زرعنا جميع الزهور في الحديقة! ماذا نفعل أيضًا؟”
وضعتُ شمعدانًا فضيًا كنت أفركه حتى لمعانه، وأجبت:
“أظن أنه من الأفضل تغيير ستائر الطابق الثالث. فقد عفا عليها الزمن، كما أنها أصبحت بالية جدًا. آه، وكذلك…”
ناولْتُ الخادمة ورقتين كنت قد أعددتهما مسبقًا.
“سلّمي الورقة الموجودة على اليسار إلى تاجر مواد الطعام صباح الغد. كتبتُ فيها المواد التي أوشكت على النفاد، مع التركيز عليها. وأما الورقة الموجودة على اليمين، فسلمّيها إلى مشغل الملابس واطلبي منهم تنفيذ الطلب. يبدو أننا بحاجة إلى ملابس عمل جديدة.”
“ملابس عمل جديدة؟!”
“نعم.”
قبل فترة قصيرة، حصل جميع خدم الدوقية الكبرى على ملابس عمل جديدة.
لكن الخدم العاملين في الفيلا كانوا لا يزالون يرتدون ملابس العمل القديمة.
ولعل السبب هو عدم وجود كبير خدم يتولى الاهتمام بمثل هذه الأمور على نحو منفصل.
‘كان خدم الدوقية الكبرى سعداء جدًا بها حينها.’
أتمنى أن يسعد خدم الفيلا بها أيضًا.
لكن قلقي هذا بدا بلا داعٍ، إذ ما إن ألقت الخادمة تشيرني، التي تعمل في الفيلا، نظرة على الأوراق حتى فتحت فمها على اتساعه، وقد ارتسمت على وجهها ملامح غامرة بالفرح.
“واو…… كيف خطرت لكِ كل هذه الأمور لمجرد أنكِ ألقيتِ نظرة سريعة على المكان؟ والأهم من ذلك، خلال يومين فقط؟!”
اكتفيتُ بابتسامة خفيفة بدلًا من الإجابة.
كيف فعلتُ ذلك، تقولين؟
‘إنه ببساطة مرض مهني……!’
لم يكن انتظار الدوق الأكبر بهدوء داخل الغرفة يتوافق مع طبعي.
فكلما قضيتُ الأيام في ذلك الخمول، ازداد رأسي اضطرابًا بالمشاعر السلبية والأوهام.
‘بل إن تحريك جسدي أفضل؛ فهو يمنعني من الاسترسال في الأفكار المزعجة.’
لم يكن بوسعي أن أتصرف فجأة كنبيلة شابة لمجرد أن ذاكرتي قد عادت.
فحياتي كفارسة تنتمي إلى إمبراطورية تيناسيس كانت أقرب إلى نفسي الحالية بكثير من حياتي القديمة، حين كنت نبيلة شابة منذ زمن بعيد.
بل إن الحياة التي كانت أقرب إليّ من حياة الفارسة، كانت بلا شك السنوات التي قضيتها كبيرَةً لخدم عائلة الدوق الأكبر.
فقد أصبحت السنوات التي لم أعشها كنبيلة شابة أطول من السنوات العشر التي عشتها بتلك الصفة.
كان ذلك مريرًا بعض الشيء.
‘لكنها حقيقة لا يمكن تغييرها مهما حاولتُ إنكارها.’
لذلك قررتُ أن أفعل ما أجيده أكثر في الوقت الراهن. أي العمل ككبيرة خدم.
ابتسمتُ لتشيرني وقلت:
“ذلك هو عملي بصفتي كبيرة خدم.”
عندها عانقتني الخادمة ريولا، التي كانت تقف بجوار تشيرني، بذراعيها بقوة، ونظرت إليّ بعينين دامعتين.
“آنسة فريا، ألا يمكنكِ ألّا تذهبي إلى الدوقية الكبرى، وتبقي معنا فحسب؟”
“مم، لا، لا يمكنني.”
“هيينغ.”
ابتسمتُ ببراءة وبدأتُ أفرك قطعة أخرى من الأواني الفضيات بعد أن التقطتها.
‘علينا أن نجد كبير خدم آخر يتولى إدارة الفيلا.’
وبينما كنتُ أفرك القطعة من الأواني الفضية بقطعة قماش نظيفة، فُوك، فُوك—، أخذتُ أحدّق شاردةً في حديقة الفيلا.
وعلى خلاف الدوقية الكبرى، حيث الربيع قصير، كان ربيع العاصمة أطول قليلًا وأكثر دفئًا.
ولعل هذا هو السبب في أن حديقة الفيلا كانت تزهو بألوان أكثر كثافة وتنوّعًا.
‘سيعجبه هذا.’
ابتسمتُ ساخرًةً وأنا أتذكر باتريك، بستاني قصر الدوقية الكبرى.
حين كنتُ أحدّق في الحديقة وقد غمرتها أشعة شمس الظهيرة الدافئة، كان بوسعي أن أنسى ولو للحظات وضعي المعقد، وسيرهين اللعين أيضًا.
‘بينما لا بد أن أحدهم غارق في الفوضى داخل القصر الإمبراطوري، منشغلًا بتسوية الأمور التي خلفها.’
أما أنا، فكنتُ هنا أقتل الوقت هكذا……
لكن بفضل ذلك، كان لديّ متسع كبير من الوقت لترتيب أفكاري.
وخلال تلك الفترة، كان خدم الفيلا يتناوبون على زيارتي، ويعرضون عليّ أن يصطحبوني في جولة لمشاهدة العاصمة.
لكنني رفضت جميع عروضهم.
ففي ظل عدم معرفتي بموعد عودة الدوق الأكبر، لم يكن بوسعي الخروج.
‘فلا يجوز أن يعود الدوق الأكبر أثناء غيابي.’
كنت أريد أن أكون أول من يخبر الدوق الأكبر، قبل أي شخص آخر، بأن ذاكرتي قد عادت.
‘نعم، هذا هو الصواب.’
فليس من المعقول أن يسمع الدوق الأكبر بهذا الأمر من شخص آخر.
أخذتُ أومئ برأسي وحدي، وأرتّب في ذهني ما ينبغي أن أفعله عندما يعود الدوق الأكبر.
بأي حديث أبدأ؟ هل أخبره بما حدث في فترة سيا، أم أخفي الأمر عنه؟ وإذا واجهتُ سيرهين مجددًا، فما الطريقة التي ينبغي أن أقتله بها حتى يهدأ غليلي؟ وغير ذلك من الأمور.
وبينما كنتُ أضع تلك الخطط الخفية في ذهني…
توقفت عربة فاخرة عند مدخل الفيلا.
وبعد وقت قصير، اندفعت إحدى الخادمات إلى الداخل وهي تهتف:
“صاحبة السمو الأميرة الثالثة وصلت.”
فقد جاءت الأميرة الثالثة لزيارتي فجأة ومن دون سابق إنذار.
***
“هذا كله بسببكِ.”
“…….”
كانت أول كلمات الأميرة الثالثة إيلاريس، التي جلست في غرفة الاستقبال، إلقاء اللوم عليّ.
وبفضل ذلك، بدا لي تذمّري من حالي قبل قليل مضحكًا بعض الشيء.
‘صحيح. هناك أمور عاجلة ينبغي لي وللدوق الأكبر تسويتها الآن.’
صحيح أن استعادة ذاكرتي كانت مهمة أيضًا، لكن المشكلات التي كان يتعين عليّ وعلى الدوق الأكبر حلّها كانت أهم.
‘كل هذا بسبب سيرهين اللعين……!’
ضغطتُ على أضراسي ببطء، وأنا أنظر إلى الأميرة الثالثة التي رفعت فنجان الشاي إلى شفتيها.
كان شعرها الأشقر الذهبي الزاهي، الذي يكشف بوضوح عن انتمائها إلى الأسرة الإمبراطورية لإمبراطورية كاديا، وعيناها الخضراوان الفاتحتان اللتان تشبهان عيني الإمبراطورة، يضفيان عليها نضارةً وحيوية.
لولا تلك النظرة الشرسة على وجهها، لظننتُ أنها امرأة جميلة محببة ورقيقة.
‘حسنًا، لا يمكنني فعل شيء حيال ذلك.’
فالدوق الأكبر يقف بيننا……
ولأنني لم أكن أعرف كيف تسير الأمور داخل القصر الإمبراطوري في الوقت الراهن، قررتُ أن أستمع إلى ما لديها أولًا.
وبدا أن ذلك ساعدني أيضًا على تصفية ذهني.
قلتُ بصوت هادئ:
“لا أظن أن سموّكِ جاءت إلى هنا لمجرد إلقاء اللوم عليّ. أخبريني بسبب زيارتكِ.”
“…….”
ارتشفت الأميرة الثالثة الشاي بأناقة، ثم قالت:
“هل تعرفين الوضع الذي يمر به الدوق الأكبر حاليًا؟”
“لا.”
عند إجابتي المقتضبة، انقبض ما بين حاجبي الأميرة الثالثة قليلًا.
“لا أفهم لماذا يتولى الدوق الأكبر تسوية الأمور التي تسببتِ أنتِ بها.”
أملتُ رأسي قليلًا.
“صاحبة السمو الأميرة الثالثة، إذا أردنا أن نكون دقيقين، فإن ولي عهد إمبراطورية تيناسيس هو من تسبب في المشكلة، أليس كذلك؟”
“لو لم تكوني هناك، لما حدث الأمر من الأساس. بل إن الخطأ بدأ منذ أن أدخلتِ ولي عهد إمبراطورية تيناسيس إلى استراحة الدوق الأكبر. هل فقدتِ صوابكِ؟ هل ظننتِ أنكِ أصبحتِ شيئًا مهمًا لمجرد أنكِ صرتِ شريكة الدوق الأكبر؟”
انهالت عليّ اتهامات فجة وقاسية.
حدّقتُ في الأميرة الثالثة للحظات، ثم فتحتُ فمي ببطء.
“أظن أن سموّكِ قد فهمتِ الأمر على نحو خاطئ. أنا لم أُدخل أي شخص إلى الاستراحة.”
رنّ صوت خفيف، طقطق—.
فقد وضعت الأميرة الثالثة فنجان الشاي أخيرًا، ثم قالت:
“وهل سيصدّق الناس ذلك؟”
“…….”
“في العادة، سيصدّقون ما قاله ولي عهد إمبراطورية تيناسيس. بدلًا من كلام مجرد كبيرة خدم. ……فالمكانة الاجتماعية تملك من النفوذ ما يكفي لجعل الأمور تسير على هذا النحو.”
“…….”
حين عجزتُ عن الرد وخفضتُ نظري، ظنت الأميرة الثالثة أن حدّتي قد خمدت، فرفعت زاوية فمها بابتسامة منتصرة.
“لذلك اذهبي أنتِ بنفسك وأوقفي الأمر.”
أوقفه؟ أملتُ رأسي وسألت:
“ماذا تقصدين؟”
“حملة الدوق الأكبر.”
“حملته؟”
“يبدو أن الدوق الأكبر سيخرج في حملة إلى منطقة النزاع في ريمارت! وكل هذا بسببكِ!”
توقّس قلبي للحظة عند سماع كلمات الأميرة الثالثة.
منطقة النزاع في ريمارت.
كان ذلك المكان الذي ظللتُ أنا وكادريان لسنوات نلوّح فيه بسيوفنا، محاولين قتل أحدنا الآخر، وهو أيضًا المكان الذي لفظتُ فيه أنفاسي الأخيرة حين كنتُ سيا.
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ Snow 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.