مساحة للحكاية، ووقت لك← There’s something special about her
الفصل 99نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 99

97

 الفصل 97

 

*******

 

“بيرتولت، ما بالُ وجهك؟”

 

كانت سحنةُ بيرتولت كراوس شاحبةً بدرجة دعت هانو بيكر نفسه لسؤاله بذهول.

 

وبدا وجهُه أسوأ لأن السوادَ تحت عينيه كان داكناً وكأنه لم يذق طعم النوم طوال الليل.

 

“لا شيء، لدي بعضُ الأمور فقط. روكي، لنتحدث قليلاً.”

 

“أنا لم أنهِ طعامي بعد؟”

 

قلتُ ذلك وأنا التقطُ قطعة فاكهة قُدمت كتحلية.

 

غير أن الأحمق لم يستطع كبح جماح غضبه وصرخ فجأة:

 

“قلتُ لك إنه أمرٌ عاجل!”

 

“أوه.”

 

يبدو أنه عاجلٌ بحق؟

 

بالنسبة لي، كنتُ ألوكُ الفاكهة التي أدخلتُها في فمي وأراقبُ حالة بيرتولت فقط، لكن الرفاق الجالسين حولي بدا عليهم الذهول.

 

توقفوا عن الثرثرة والتفتوا جميعاً نحو بيرتولت كراوس بأعين متسعة.

 

“ما الأمر؟”

 

“لا أعلم، لقد صرخ بيرتولت في وجه روكي.”

 

“ظننتُ أن علاقتهما جيدة.”

 

وسط تعجبِ الجميع من حولنا، أصبح تعبيرُ وجه الأحمق يستحقُ المشاهدة.

 

كانت شفتاه المرتجفتان وطرفا عينيه يصرخان بأعلى صوت: ‘أنا أقعُ في مشكلة كبيرة للغاية الآن’.

 

رميتُ قطعة الفاكهة الأخيرة المتبقية في فمي وقمتُ واقفاً.

 

“لا أعلم ما الذي يجعلك مستعجلاً إلى هذا الحد، لكن حسناً. لنذهب.”

 

“روكي.”

 

سألني هانو بيكر بقلق موههاً خطابه نحوي:

 

“هل ستكون بخير؟ هل آتي معك؟”

 

“لا. يبدو أن هناك بعض الفهم الخاطئ، وسأشرحُ له الأمر جيدا. نلتقي لاحقاً.”

 

“……حسناً.”

 

ابتسمتُ ابتسامة خفيفة بوجه هانو بيكر الذي كان ينظرُ إليّ وإلى بيرتولت كراوس بنظرات قلقة متناوبة، ثم غادرتُ المطعم.

 

“تباً، تباً!”

 

مسح بيرتولت كراوس كفيه المبتلتين بالعرق في بنطاله، وتمتم بلعناته.

 

“تعال بسرعة!”

 

‘ بينما كنتُ أنا أموتُ من التوتر، كانت خطواتُ روكي آينس الذي يتبعني بطيئةً للغاية ‘

 

كان يمشي براحة وكأنه في نزهة، ويتأملُ المناظر المجاورة، ثم رد على صراخ بيرتولت بتهكم:

 

“لماذا نبتعدُ إلى هذا الحد؟ لنتحدث هنا و حسب.”

 

“تبا…أغلِق فمك واتبعني دون كلام!”

 

لا يمكنُ الحديث هنا.

 

كان ينبغي الذهاب إلى مكان خالٍ من الناس أكثر.

 

ورغم أنه كان يقطبُ وجهه لشعوره بأن الأرض الصالحة تموجُ تحت قدميه لشدة ما فقدت ساقاه القوة، إلا أن بيرتولت أعمل عقله بشدة ليتذكر المكان الأكثر ‘أماناً’.

 

زاوية ساحة التدريب القليلة المارة؟

 

لا.

 

هناك الكثيرُ من الأوباش الذين يترددون على ذلك المكان، وكان خطرُ أن يسترق أحدهم السمع عالياً.

 

إذن، هل نذهبُ إلى المكتبة؟

 

لكن ذلك المكان كان يبعثُ على القلق بنفس القدر أيضاً.

 

‘في الأصل، هل يوجد مكانٌ آمن حقاً؟’

 

دفعتني الحقيقة التي خطرت ببالي فجأة إلى الشعور بالغثيان.

 

أينما ذهبت، سأكون داخل معسكر التدريب في النهاية.

 

فلا يوجد مكانٌ لا يستطيع ‘ذلك الشخص’ الوصول إليه داخل معسكر التدريب على أي حال.

 

‘أنا، ماذا ينبغي علي أن أفعل……؟’

 

وكاد قلبه يتوقف فجأة أمام إدراكه أنه لا يوجد مكان يهربُ إليه أو يختبئ فيه.

 

غير أنه في تلك اللحظة.

 

توقف تفكيرُ بيرتولت وخطواتُه المسرعة بلا وعي عند سماع صوت روكي آينس الهادئ القادم من الخلف.

 

“هي، هذا المكان فارغ.”

 

عندما التفتُ إلى الخلف، وجدْتُ روكي قد فتح باباً ما ومد رأسه ليفحص الداخل بغير اهتمام، ثم دخل إليه فجأة!

 

“روكي!”

 

ناديتُ باسمه بصوت عالٍ، لكن لم يأتِ أي رد.

 

“هذا السافل……!”

 

في النهاية، رجع بيرتولت كراوس الذي وصل غضبه إلى ذروته في أدراجه متقدماً بخطوات ثقيلة جعلت الممر يهتزُ بقوة.

 

وكان ينوي الإمساك بتلابيب روكي آينس الذي اختفى فجأة دون أن يستوعب جو الموقف، وسحبه إلى الخارج فوراً.

 

“أنت أيها اللعين……!”

 

“أليس المكان مناسباً تماماً لتبادل حديث قصير؟”

 

كان الأمر كما قال روكي.

 

فالغرفة التي لم تكن تحمل أي لافتة وظننتُ أنها مغلقة عندما مررتُ بها، كانت تبدو وكأنها استراحةٌ للخدم.

 

وبينما كان بيرتولت يلملمُ أنفاسه الملهوفة ويسد الباب، كان روكي قد جلس على الأريكة بالفعل.

 

ثم أشار بيده نحو الأريكة المقابلة وكأنه صاحبُ الغرفة:

 

“ماذا تفعل؟ اجلس، بيرتولت.”

 

لو كان في وضعه الطبيعي لما نظر حتى إلى أريكة قديمة كهذه، لكن في وضعه الحالي حيث ترتجفُ ساقاه، لم يهمُه أي شيء.

 

طاخ!

 

في النهاية، جلس بيرتولت كراوس على الأريكة لدرجة أن الغبار تطاير منها، وأسند مرفقيه على ركبتيه وأخذ يمسحُ وجهه مراراً وتكراراً.

 

لأنه عندما أراد الكلام، كان عاجزاً عن معرفة من أين يبدأ الحديث.

 

“في المرة السابقة……”

 

وبينما أطلق بيرتولت تنهيدة مؤلمة وبدأ يتحدث بصعوبة.

 

“لماذا؟ هل قال إنه سيطردك من معسكر التدريب إن لم تفعل ما يقوله؟”

 

“……ماذا؟”

 

وبخلاف بيرتولت الذي فتح فمه بذهول واندهاش، كان روكي آينس يبتسم.

 

“لا. لا أظن أنك قد تخافُ إلى هذا الحد لمجرد أمر كهذا. هل هددك بالبلاغ عنك لدى قسم التنفيذ بالصدفة؟”

 

شرع شعاعٌ بارد يلمعُ في عينيه الزرقاوين اللتين طالما ظننتهما غائمتين، مما أثار قشعريرة باردة في الجسد.

 

“هل يخيرك بين أن تقوم ببعض السخرية وتنهي تدريبك بسلام، أو أن تُسحب إلى السجن السفلي بتهمة التهريب؟ هل هذا هو مجرى الأحداث؟”

 

“كـ، كيف تعرف ذلك أنت……؟”

 

“هذا واضحٌ على أي حال.”

 

هز روكي كتفيه وابتسم ابتسامة ساخرة من بين شفتيه المائلتين.

 

“إنها حيلةٌ شائعة. صنعُ نقطة ضعف والإمساكُ بها للتحكم بالآخرين.”

 

“أ، أنت، هل أنت شريكٌ مع ذلك الشخص أيضاً بالصدفة؟”

 

سأل بيرتولت بصوت مرتجف.

 

لو كان هذا الفتى جزءاً من الفخ أيضاً……

 

وعندما تشوه وجهُ روكي آينس بصلابة، ابتلع بيرتولت كراوس ريقه الجاف بصعوبة.

 

“إلى من تنظرُ لتقول إنني شريك؟”

 

“إ، إذن…… لستَ كذلك؟”

 

“آه، هذا يجرحُ كبريائي حقاً.”

 

تمتم روكي آينس وهو ينظرُ إلى السقف، ثم أطلق ضحكة ساخرة وقال:

 

“لو كانت هذه مهمتي، لما وصلتُ إلى هذا الحد أبداً. وتجنيدُ أحمق مثلك باستخدام أسلوب رخيص كالتهديد هو أمرٌ لا يعقلُ أكثر. إنها تجارةٌ خاسرة.”

 

“ما، ماذا تعني بهذا؟”

 

“همم. ألم تصل إلى ذلك الحد بعد؟”

 

“تـ، تكلم بوضوح يفهم! تـ، تجديد ماذا!”

 

وسط السيل من الكلمات غير المفهومة، خفق قلبُ بيرتولت كراوس برعب شديد.

 

“حسناً، لأشرح لك بأسلوب سهل الفهم.”

 

وضع روكي آينس ساقاً فوق أخرى، وابتسم ابتسامة اتسعت فيها زاويةُ فمه.

 

“أنا طوقُ نجاتك الوحيد.”

 

لماذا يبكي الأطفالُ لأقل سبب؟

 

فكرتُ في ذلك وأنا أنظرُ ببرود إلى بيرتولت كراوس الجالس أمامي.

 

“هـ، هـ……”

 

الأحمقُ الذي أخذ ينهمرُ بالبكاء فجأة، بدأ مخاطُه يسيلُ بغزارة الآن أيضاً.

 

يبدو أن الأمر بسب كلمة ‘طوق النجاة’.

 

بل على العكس، لم أفهم الأمر أكثر.

 

أنا أقول إنني سأنقذك، فلماذا تبكي؟

 

ثم إنه يبكي بحرقة وألم شديدين لدرجة أن من يراه سيظنُ أنه تعرض لظلم هائل.

 

رغم أنه كان يتجرعُ الخمر المهربة بالصناديق حتى قبل بضعة أيام فقط.

 

وبغض النظر عن انزعاجي من منظر بيرتولت كراوس وهو يبكي، فإن الخصم الذي انهارت روحه بالكامل كان ممتازا للطهي بالطريقة التي أريدها.

 

عندما نظرتُ حول المكان، وقعت عيناي على شيء مناسب بالصدفة.

 

كانت مناديل مغسولة ومكدسة بانتظام، ربما لتوضع على الطاولات في وجبة الطعام القادمة.

 

التقطتُ إحداها وناولتها للأحمق وأنا أهدئه:

 

“هاك، امسح دموعك بهذا. أجل، وامسح أنفك أيضاً. وتكلم بمهل. ما الذي حدث بالضبط؟”

 

“في، في الحقيقة……”

 

لحسن الحظ، لم يكن شرحُ بيرتولت كراوس مطولاً للغاية.

 

ولم يكن عليّ سوى الاستماع إلى حديثه وأنا أومئ برأسي مع إضافة بعض إيماءات التجاوب المناسبة بين الحين والآخر.

 

“يعني ما تقوله هو أنك كنتَ تشربُ الخمر في المخزن ليلة أمس، فجاء أحدهم وهددك. ومعه قائمةٌ بالبضائع التي هربتها طوال هذا الوقت بجانب الخمر.”

 

“أجل…… لا، لكن الأشياء المتبقية لم أكن أريدُ منها سوى الخمر حقاً! الباقي فرضه عليّ ذلك السافل فيليكس ميلتشر كهدية……”

 

تلك الخمر هي المشكلة الأكبر اصلاً.

 

وقبل أن يبدأ الأحمقُ الذي لم يستفق بعد بتظلمه الباطل ‘أنا مظلوم’، قطعتُ حديثه بنعومة وسألت:

 

“هل أساعدك؟”

 

“حـ، حقاً؟ هل يمكنك مساعدتي حقاً؟”

 

“بالتأكيد، بالطبع.”

 

طالما أن الذنب الذي اقترفه كبيرٌ بالفعل، فلا توجد طريقةٌ ليخرج بها بيرتولت كراوس سليماً.

 

فسينزلُ غضبُ نوكس على عائلته وتتشتت، وتفلسُ المنشأة التجارية وتصبح خاوية الوفاض.

 

لكن على الأقل، يمكنني التدخلُ لضمان ألا يقتلوه.

 

“بالطبع، سيتوجبُ عليك مساعدتي أنت أيضاً.”

 

لذا تكلم بسرعة، أيها الأحمق.

 

“ذلك الشخصُ الذي هددك، من يكون؟”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.