الفصل 87
85
الفصل 85
♡♡♡♡♡♡♡
حتى بعدَ كشفِ درجاتي في الاختبارِ، كانَ عليَّ الوقوفُ مجددًا على موطئِ القدمِ لسماعِ مختلفِ النصائحِ والتعليقاتِ.
ولمْ أستطعْ وضعَ قدميَّ على الأرضِ مجددًا إلا بعدَ أنْ أصبحتْ روحِي مجهدةً بالكاملِ.
أخيرًا ألقيتُ بجسدي على الكرسيِّ واستلقيتُ بنصفِ جسدي، فجلبَ لي نوآهْ كَأسًا منْ الماءِ وهوَ يقولُ:
‘في المرةِ القادمةِ، حتى إنْ كانتْ الأسئلةُ سهلةً للغايةِ، لا تقُم بحلها كلها.’
“لمْ أكنْ أعلمُ حقًا أنَ درجةَ النجاحِ هيَ 100 درجةٍ. كيفَ تكونُ الدرجةُ القصوى 300 درجةٍ ودرجةُ النجاحِ 100 فقطْ……”
“هممْ، السيدةُ فاديلا تملكُ بعضَ المزاحِ القاسي أحيانًا.”
“هيَّا، كفاكِ. تجاوز الأمرَ الآنَ. اندفعت إلى هناكَ دونَ أيِّ تحضيرٍ، لذا لمْ يكنْ بيدكِ شيءٌ.”
قالتْ جيزيلا كلامًا غيرَ مزعجٍ على غيرِ العادةِ.
ثمَ طرحتْ سؤالًا مفاجئًا:
“كمْ يومًا بقى لكِ في فترةِ التدريبِ؟”
“80 يومًا، لا، بما أنَ منتصفَ الليلِ قدْ مضى، فقدْ أصبحتْ 79 يومًا.”
“أها.”
وانتهتْ الصرخةُ القصيرةُ لجيزيلا روتْ بسكونٍ مريبٍ.
كانَ صمتًا غيرَ مريحٍ، وكأنَ هناكَ حديثًا يدورُ بين الجميعِ دونَ علمي.
فتحتُ عينيَّ اللتينِ أغلقتُهما منْ التعبِ، وكما توقعتُ، كانَ السلفُ يتبادلونَ نظراتٍ ذاتَ معانٍ عميقةٍ.
“……لماذا تنظرونَ هكذا؟”
“إحمْ.”
ديماركْ شورينْ الذي التقتْ عيناهُ بعينَيَّ أولاً سعلَ سعلةً مزيفةً وأحرفَ نظرهُ بعيدًا.
لماذا تتحدثونَ جميعًا وتستثنونني؟
“أخبروني أنا أيضاً.”
“مممْ.”
وحتى نوآهْ بينتونْ اكتفى بالابتسامِ ببلادةٍ.
في النهايةِ، لمْ يكنْ أمامي سوى الاعتمادِ على جيزيلا.
“يا رونيلكْ، هلْ سيقلُّ الألمُ إنْ علمت ضربتك قبلَ حدوثها؟”
“إنْ كانتْ الضربةُ هيَ نفسها، فسيكونُ الألمُ نفسه.”
“بالضبطْ.”
“لا أفهمُ ما تعنينه.”
“هذا يعني أنَ هذا ليسَ المهمَ الآنَ. خذ هذهِ.”
ما أعطتني إياهُ كانَ بضعةَ حزمٍ منْ الوثائقِ.
وعلى عكسِ الحديثِ الأخيرِ الذي كانَ يشبهُ اللغزَ، كانتْ تلكَ الوثائقُ مرتبةً بوضوحٍ يسهلُ فهمهُ منْ النظرةِ الأولى.
“إنها طلباتُ انضمامِ المتدربينَ…… ونسخٌ منْ الرسائلِ، أليسَ كذلكَ؟”
“المعلوماتُ الواردةُ في الطلباتِ هيَ مجردُ بياناتٍ شخصيةٍ أساسيةٍ للغايةِ فلنْ تفيدَ كثيراً، لكنني أخذتُها للاحتياطِ. أما الرسائلُ فهيَ ‘رسائلُ المتدربينَ’ التي أرسلوها فورَ انضمامهمْ، فتفقدها جيدًا.”
عجزتُ عنْ الكلامِ لبرهةٍ.
لأنني أدركتُ مجددًا مدى القوةِ الهائلةِ لشبكةِ معلوماتِ الغربانِ.
كنتُ أتوقعُ بالتأكيدِ أنْ يقرأَ أحدهمْ محتوى الرسائلِ، لكنني لمْ أتوقعْ أنهمْ يحتفظونَ حتى بنسخٍ منها.
لقدْ شعرتُ بقشعريرةٍ تسري في ظهري.
منْ حسنِ الحظِ أنني لستُ عدوةً لهؤلاءِ.
كما شعرتُ أنَ الشخصَ الذي أدخلَ الجاسوسَ إلى معسكرِ التدريبِ، أياً كانَ، كانَ في غايةِ الغباءِ.
“شكراً لكمْ جميعًا .”
“هيَّا، هلْ تبكي؟”
“لا أبكي.”
رغمَ أنني أتعرقُ عرقًا باردًا!
“هذا جيدٌ. فما زالَ هناكَ الشيءُ الأكثرُ أهميةً. ابكي بعدَ أنْ ترى هذا.”
“قلتُ لكمْ إنني لا أبكي! لماذا سأبكي…… تبًا.”
أعترفُ.
كادتْ دموعُ التأثرِ تسقطُ منْ عينَيَّ حقًا.
الشيءُ الذي وضعتهُ جيزيلا روتْ بلامبالاةٍ فوقَ حزمةِ الوثائقِ كانَ خريطةً لمعسكرِ التدريبِ.
كانتْ خريطةً بسيطةً ومصغرةً لسهولةِ الحملِ، واحتوتْ علاماتٍ إضافيةً وشروحًا موجزةً كتبها أحدهمْ.
“هلْ هذهِ خريطةٌ للممراتِ السريةِ في معسكرِ التدريبِ ؟”
“بالضبطْ، خريطةٌ للممراتِ السريةِ والمساحاتِ المخفيةِ. هناكَ بعضُ الأجهزةِ المخبأةِ هنا وهناك لمراقبةِ المتدربينَ.”
“هذا الخطُّ هوَ خطكِ يا سينيور.”
“آهْ، إذنْ هذا هوَ الخطُّ الذي تعرفت عليهِ؟”
منْ الوثائقِ المتعلقةِ بالمتدربينَ إلى خريطةِ معسكرِ التدريبِ.
أصبحتْ يداي ثقيلتينِ، كما أصبحَ صدري ثقيلاً أيضاً.
لمْ يكنْ ذلكَ الثقلَ المزعجَ.
بلْ كانَ أقربَ إلى شعورٍ بالأمانِ والاطمئنانِ.
“يا سينيور جيزيلا ، بما أنكِ تساعدينني، هلْ يمكنني طلبُ شيءٍ آخرَ؟”
“افعل”
“يرجى البحثُ ببعضِ التفاصيلِ الإضافيةِ عنْ هؤلاءِ المتدربينَ.”
كتبتُ أسماءَ المرشحينَ للجاسوسيةِ على ورقةٍ فوقَ المكتبِ ومددتها إلى جيزيلا روتْ.
نظرتْ إليها لبرهةٍ، ثمَ ابتسمتْ بحدةٍ وأخذتْ الورقةَ.
“سأرسلُ لكِ الإجابةَ عبرَ أونيكسْ.”
“أونيكسْ؟”
“الغرابُ الذي أرسلتهُ لكِ قبلَ قليلٍ.”
إذنْ اسمهُ أونيكسْ.
بما أنهُ غرابٌ، فقدْ أطلقوا عليهِ اسمَ حجرٍ كريمٍ أسودَ.
كانَ الأمرُ يشبهُ تسميةَ الكلبِ ‘أبيضْ’ أو القطِ ‘جبنةْ’، لكنهُ كانَ اسمًا يناسبُ غرابًا ذي رأسٍ مستديرٍ بشكلٍ فريدٍ.
“يا روكي، عليك المغادرةُ الآنَ.”
أشارَ نوآهْ إلى السماءِ الشرقيةِ التي بدأتْ تتألقُ باللونِ الأزرقِ.
ورغمَ ذلكَ، كانتْ نبرتهُ تحملُ بعضَ الأسفِ لأنني سأعودُ إلى معسكرِ التدريبِ مجددًا.
أومأتُ برأسي وودعتُ السلفَ الذينَ سهروا الليلَ منْ أجلي.
“شكراً لكمْ يا سينيورز.”
كانَ هذا العهدَ مني بأنني سأكشفُ الجاسوسَ بالتأكيدِ.
ربما لأنني حصلتُ على مساعدةِ الكثيرينَ، شعرتُ وكأنَ الحظَ سيحالفني في القادمِ.
**********
جلستُ أمامَ المكتبِ في السكنِ وأخرجتُ ورقةً نظيفةً.
“تنهيدةٌ.”
ثمَ أخذتُ نفسًا عميقًا لأهدئَ عقلي رفعتُ القلمَ.
وكانتْ الكلمةُ الأولى التي كتبتها هيَ:
[ الـوصـيـةُ ]
نعمْ.
بعدَ عشرةِ أيامٍ منْ زيارتي الأولى للعشِ.
كنتُ محاصرةً في الزاويةِ لدرجةِ أنني بدأتُ أستعدُّ لنهايةِ حياتي.
لو كانَ هذا تقريرًا أرسلهُ إلى كيليانْ نوكسْ لأخبرهُ فيهِ باسمِ الجاسوسِ لكانَ رائعًا.
لكنني في النهايةِ أكتبُ هذا بسببِ ذلكَ السحليةِ الملعونِ.
المهمةُ الأولى التي كلفني بها لا تتقدمُ إطلاقًا، وبما أنني أصبحتُ بلا فائدةٍ فسوفَ يُتخلصُ مني قريبًا.
إنْ كانَ المستقبلُ لا مفرَ منهُ، فمنْ الأفضلِ الاستعدادُ لهُ بهذهِ الطريقةِ.
وللمعلوميةِ، فإنَ الشخصَ الذي عينتهُ لتنفيذِ هذهِ الوصيةِ كانتْ كلارا.
كلارا منْ مملكةِ كرولينْ التي أرسلتُ لها رسالةً منْ برجِ الغربانِ سابقًا.
كنتُ أثقُ بأنها قادرةٌ على ترتيبِ شؤوني المعقدةِ بشكلٍ نظيفٍ.
“كلُ الأموالِ الموجودةِ في حسابي…… تتبرعُ بها…… لمعبدِ ألتنمورْ……”
وأنا أكتبُ الوصيةَ بجديةٍ، مرتْ حياتي أمامَ عينَيَّ كالشريطِ.
خلالَ 24 عامًا منْ حياتي، وهيَ فترةٌ قدْ تكونُ قصيرةً أو طويلةً، حدثتْ أمورٌ كثيرةٌ جدًا.
طفولةٌ لا أذكرها جيدًا لكنها كانتْ سعيدةً، ثمَ مقتلُ عائلتي، وبدايةُ الانتقامِ.
ومنذُ ذلكَ الحينِ، كانتْ حياتي المضيَّ على حبلٍ مشدودٍ.
نجوتُ منْ الموتِ مراتٍ عديدةً، ولطختُ يديَّ بالدماءِ لا تُحصى.
وهكذا أسستُ استخباراتِ عائلةِ ويكرزْ، ووصلتُ إلى منصبٍ يتيحُ لي الاقترابَ منْ بينيديكتْ ويكرزْ حتى نجحتُ في الانتقامِ في النهايةِ.
مررتُ بالكثيرِ منْ التقلباتِ……
“آخْ! تبًا للوصيةِ وما شابهها!”
طقطقةٌ!
مزقتُ الورقةَ بعنفٍ وشققتها إلى أجزاءٍ صغيرةٍ.
“كيفَ وصلتُ إلى هنا !”
لا يمكنني الموتُ لمجردِ أنني لمْ أستطعْ كشفَ جاسوسٍ واحدٍ!
“لنْ أموتَ أبدًا!”
شعرٌ مبعثرٌ تمامًا، وبياضُ عينينِ محمرٌّ منْ التعبِ المتراكمِ.
المرأةُ التي انعكستْ في النافذةِ كانتْ مجنونةً تمامًا.
ولمْ يكنْ بيدي شيءٌ، لأنني أكرسُ كلَ وقتي لكشفِ الجاسوسِ باستثناءِ أوقاتِ التدريبِ الأساسيةِ.
ومنذُ بضعةِ أيامٍ، قللتُ ساعاتِ نومي إلى الحدِّ الأدنى.
وضعتُ الوثائقَ التي أحضرتها منْ العشِ على المكتبِ بشدةٍ.
ونتجَ عنْ ذلكَ أنْ تطايرتْ أجزاءُ الوصيةِ الممزقةِ حولِي، لكنَ نظافةَ الغرفةِ لمْ تعدْ منْ اهتماماتي منذُ فترةٍ طويلةٍ.
“بالتأكيدِ هناكَ شيءٌ فاتني.”
وعندما فتحتُ الصفحة الأولى منْ نسخِ رسائلِ المتدربينَ التي قرأتها عشراتِ المراتِ منْ قبلُ……
طقطقطقْ! طقْ!
“أونيكسْ!”
“قاعْ.”
أسرعتُ بفتحِ النافذةِ، فدخلَ الغرابُ أونيكسْ إلى الداخلِ كما اعتادَ.
وكانَ قلبي ينبضُ بشدةٍ وأنا أفتحُ أنبوبَ الرسائلِ المربوطَ برجلهِ.
“قاعْ قاعْ.”
“أجلْ، الطعامُ هناكَ.”
“قاعْ.”
أصبحَ أونيكسْ يقضي وقتًا أطولَ في غرفتي مؤخرًا.
في أحدِ الأيامِ فكرتُ أنَ صوتهُ يشبهُ الكلمةَ التي يطلقها الأطفالُ على الطعامِ الخفيفِ، فأعددتُ لهُ بعضَ المكسراتِ غيرِ المملحةِ، ويبدو أنَ ذلكَ أعجبهُ كثيرًا.
طقْ، طقْ.
وبينما أسمعُ صوتَ منقارِ أونيكسْ وهوَ ينقرُ صحنَ الفولِ السوداني خفيةً، فتحتُ الورقةَ بحذرٍ.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.