الفصل 82
80
الفصل 80
♡♡♡♡♡♡♡
“هل تمزح معي؟”
لا بد أن بيرتولتكراوس يتلاعب بي ويسخر مني.
رغم أن شكل الزجاجة يشبه زجاجات الخمر، إلا أن ما بداخلها ليس سوى عصير عنب بلا شك.
هل يفعل هذا ليختبر ردة فعلي؟
“إن كنت لا تصدقني، فتفقد بنفسك لترى!”
قال بيرتولت ذلك ثم فتح السدادة الفلينية بحركة مألوفة وسكب المحتوى في الكأس.
حينها، انتشرت رائحة خمر نفاذة وقوية في أرجاء المستودع.
“إنه خمر حقيقي بالفعل.”
“ألم أقل لك ذلك! لا تتصنع الخجل، واسكب لنفسك كأساً بسرعة.”
بيرتولت، الذي عرض علي الخمر كأنه صاحب بيت كرم، سكب لنفسه أولاً وبدأ يشرب.
ورغم أنني لم أمسس الكأس بشفتي بعد، إلا أن رؤيته بتلك الحالة جعلت عقلي يتأرجح ويدور.
‘مهما بلغ طيش أحدهم، يجب أن تكون هناك حدود.’
كان من الواضح أن كراوس لا يدرك إطلاقاً أنه موجود في معسكر تدريب تابع لنوكس.
أعدت الكأس التي كنت أمسكها إلى الطاولة وسألته:
“كيف أدخلت هذا إلى هنا بالضابط؟”
“لا يمكنك سؤالي عن أمر كهذا منذ الآن يا صديقي!”
أجاب كراوس بوجه محمر، وكأنه ثمل بعد بضع رشفات لا تُذكر.
“أنا أثق بك بما يكفي لأدعوك إلى ملجأي الخاص، لكن ليس إلى حد إفشاء أسرار مهنتي كلها!”
وكان مستلقياً بنصف جسده على الأريكة وهو يميل كأسه، بمظهر ينضح بالاستهتار والوقاحة.
أيها الناس، اتركوا عنكم حديث الشخصية الاجتماعية والمحبوبة التي تكسب ود الجميع بسهولة.
هذا الفتى مجرد أحمق يعتمد على أموال عائلته ويتصرف بصلف.
أحمق لا يعرف مدى رعب السجون السفلية.
“سيأتي بقية الأصدقاء بعد قليل، لذا لنجلس وننتظر براحة!”
“هل هناك عدة أشخاص يعرفون بشأن هذا المستودع؟”
“دعني أفكر، الآن أصبحنا أربعة بمن فيهم أنا… كلا! الآن بما أنك عرفت الأمر يا رونيلك، فقد عدنا خمسة أشخاص مجدداً! إنه السر الذي يربطنا ببعضنا بقوة!”
عن أي سر يتحدث هذا الأحمق؟
إن عرف شخصان بالسر فلم يعد سراً، وإن عرفه ثلاثة أشخاص فقد علمت به الدنيا بأكملها.
وليس هناك أي نادٍ أو وفاء بين فتية يترددون على مكان كهذا ليحفظوا السر.
وشعرت بضغط وقلق يجعلاني أغسل وجهي بكفي بلا شعور، وكأن أعضاء فرقة التنفيذ يستعدون لاقتحام الباب في أي لحظة.
إن سُحبت إلى السجن السفلي وأنا أبحث عن الجاسوس، هل سيخرجني كيليان نوكس من هناك؟
على الأقل ديبون كلانشير لن يتظاهر بعدم معرفتي.
ضحك كراوس بسخرية مجدداً أمام مظهري هذا.
وتسبب ذلك في انسكاب الخمر الذي كان يسكبه، لكن اللعين لم يهتم على الإطلاق.
“لا تخف كثيراً يا رونيلك! الأمر بخير حقاً، صدقني!”
ليس بخير إطلاقاً، أيها الأحمق اللعين!
تجهيز مكان خاص كهذا تحت أرضية معسكر التدريب، ناهيك عن حلبة القمار والخمر!
لا يوجد شيء واحد بخير في هذه الغرفة!
عن أي جحيم جررتموني إليه؟ كنت أشعر برغبة عارمة في الإمساك بتلابيبه وهزه بقوة حتى يستفيق.
ولكي لا أوجه لكمة قوية إلى رأس هذا الأحمق، كنت بحاجة إلى شيء يشتت انتباهي.
اقتربت من الصندوق المليء بزجاجات الخمر ونظرت إلى داخله وقلت:
“لا يبدو أن هذا الخمر يحمل ترخيصاً رسمياً بالبيع داخل نوكس.”
“عفواً؟ كيف عرفت ذلك؟”
“لأن المهمة الرئيسية لفرقة التنفيذ هي التفتيش.”
أجبت باختصار وأخرجت زجاجة خمر واحدة.
كنت أشك في الأمر، وتأكدت ظنوني بالفعل.
الملصق الموجود على زجاجة الخمر كان نظيفاً أملس.
كان من المفترض أن تخضع جميع زجاجات الخمر التي تدخل نوكس لفحص الكمية والمحتويات، ثم يُختم الملصق بختم أخضر.
كانت تلك هي الطريقة التي نتبعها؛ فحص أولي عند نقطة التفتيش التي عملت بها، ثم فحص ثانٍ في مركز التجارة بالقلعة الخارجية.
“آه صحيح، نسيت ذلك! واو، كما متوقع من خبير! عرفت الأمر بنظرة واحدة.”
“كنت تعرف ذلك إذن.”
“بالطبع! إنه جزء من جهودي للحفاظ على أمان هذا الملجأ. حتى الخمر الذي يمر عبر مركز التجارة يُدقق بصرامة شديدة لمعرفة في أي متجر بالمنطقة التجارية يُستهلك وبأي كمية. لا أعرف لماذا يتعمقون إلى هذا الحد.”
تذمر كراوس قائلاً إن كل ذلك بسبب أن فرقة التنفيذ لا تملك عملاً ذا قيمة لتفعله.
“لو لم يفعلوا ذلك، فلن يعلم أحد ما إذا كان داخل الزجاجة خمر أم شيء آخر.”
“ماذا؟”
“ماذا تظن أنه سيحدث لو تورط أحدهم في توريد خمر مسموم بقصد تدمير نوكس؟”
“…… سم؟”
“لو دخلت زجاجة أو زجاجتان، لانتهى الأمر بموت بضعة أشخاص. لكن لو كانت كمية الخمر الملوث ضخمة، فالنتيجة المتوقعة واضحة للجميع.”
آلاف الأشخاص يقضون مأكلهم ومشربهم ومسكنهم داخل قلعة نوكس.
ولهذا السبب لا تجرؤ القوى الخارجية على المساس بنوكس بتهور.
فهذا المكان بمثابة حصن يقف فيه آلاف المقاتلين المستعدين للقتال في أي وقت.
لذا، إن أردت إضعاف قوة نوكس، فإن أسهل طريقة هي نشر السم.
في الخمر ، أو في المواد الغذائية، أو في الأدوية.
ولهذا السبب، إذا ضُبط أحدهم بحوزته مواد غير مصرح بها أو يستهلكها، يُحكم عليه بأشد العقوبات دون النظر في الأسباب.
ركلت الصندوق برفق بقدمي إلى الداخل.
لم يتحرك قيد أنملة.
هذا يعني أنه يحتوي على العشرات من الزجاجات على الأقل.
الشرب السرّي خلال فترة التدريب؟
سيُجر إلى السجن السفلي ويعاني لفترة، لكن لو حالفه الحظ فقد يرى نور الشمس مجدداً.
لكن تهريب كمية ضخمة من الخمر عمداً والوقوع في ذلك؟
ابتسمت ابتسامة جافة ونظرت نحو كراوس الذي لم يكن سوى جثة تمشي على قدمين:
“حسن، هذا مجرد كلام نظري على أي حال.”
“ماذا، لقد أخفتني كثيراً!”
“ألم تقل قبل قليل إن كل شيء بخير؟”
“بالطبع هو بخير! لأننا لن نُضبط أبداً!”
جلست بالقرب من هذا الأحمق الذي لا يدرك حجم الكارثة التي ارتكبها على الإطلاق.
رغم أن البحث عن الجاسوس أمر مهم، إلا أنه لا يمكنني التظاهر بعدم رؤية الثغرة الضخمة في إجراءات التفتيش بخصائص نوكس.
طالما استطاع تهريب هذه الكمية من الخمر سرا، فلا أحد يعلم ما الذي قد يدخله في المرة القادمة.
قررت التودد إلى بيرتولتكراوس أكثر لأعرف الطريقة التي استخدمها بالظبط.
“قلت إن أصدقاءك سيأتون قريباً، أليس كذلك؟”
لكي أتحقق أيضاً من وجوه الفتية الطائشين الذين سأبلغ عنهم جميعاً فور انتهاء مهمتي.
“هي، بيرتولت! ألا تشعر بالبرد؟”
“هيك، انظروا إلى ملابس هذا اللعين، إنها خفيفة جداً!”
ظهر المتدربون وهم يصدرون ضجة ويتذمرون من أن أجسادهم كادت تتجمد، وبمجرد أن رأوا بيرتولتكراوس صرخوا بذهول.
“الشرب يجعل الجسد دافئاً. ثم هل نسيتم أنني قادم من مملكة كرولين؟”
فك كراوس زراً آخر من قميصه بكل شجاعة وقال:
“درجة الحرارة هذه تعتبر ربيعاً لدينا، ربيعاً.”
“هذا الفتى مجنون تماماً.”
“ألم يتأثر عقله بكثرة الشرب؟”
بينما كان الفتية الأربعة يتبادلون المزاح بصخب، لاحظني أحدهم وأشار إلي بأصبعه:
“أوه! إنه الأمير المنكوب!”
من أي شائعة خرج هذا اللقب مجدداً؟
لا أرغب في معرفة ذلك حتى.
تجاهلت كلماته من أذن وأخرجتها من الأخرى، ولوحت بيدي:
“مرحباً. لكن هل يمكنكم مناداتي باسمي؟”
“إنه رونيلك آينس الحقيقي حقاً?!”
تأخرت فتاة في ملاحظتي ثم أطلقت صرخة خفيفة مندهشة.
“بيرتولت، هل أنت من أحضره إلى هنا?!”
“بالطبع. شخص بهذا المستوى فقط هو من يستحق أن يكون عضواً جديداً في ملجأنا، أليس كذلك؟”
وعضواً سيشارككم السجن السفلي قريباً أيضاً.
باستثنائي بالطبع.
المتدربون الذين لم يعلموا إطلاقاً بما أفكر فيه في داخلي، كانوا مشغولين بالثناء على بيرتولت:
“صحيح، أربعة أشخاص كان عدداً قليلاً جداً!”
“في الحقيقة كان لدي فضول كبير حول رونيلك!”
“حقاً؟ وأنا كذلك، يا لروعة المصادفة.”
يبدو أن تجاوبي مع أصدقائه والتحدث معهم بحرية لم يكن سيئاً في نظره، فضرب بيرتولت على كتفي برضا ومد يده ليخرج زجاجة خمر أخرى وقال:
“هيا هيا، لنشرب ونستمتع جميعاً!”
عندما بدأت الكؤوس تدور في المكان، سرعان ما سخنت الأجواء وأصبحت أكثر استرخاءً.
ورؤية المتدربين بوجوه محمرة ومسترخية زادت من شكوكي أكثر فأكثر.
‘كيف لم يُضبطوا حتى الآن بالظبط؟’
وبينما كنت على وشك البدء في التفتيش عن ذاك الذي يلقبه بـ ‘سر المهنة’…
“أنتم لا تعرفون الأخبار الضائعة في الخارج حول ويكرز هذه الأيام، أليس كذلك؟”
قال بيرتولتكراوس ذلك بصوت يحمل مغزى خفياً.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.