الفصل 66
64
الفصل 64
♡♡♡♡♡♡♡
‘المتفوقُ في القسمِ العسكريِّ؟’
نظرتُ إلى ماكسيميليان ديغريف الواقفِ في المقابلِ وأملتُ رأسي تعجبًا.
ذلكَ السيدُ الصغيرُ ذو الوجهِ الناعمِ؟
هلْ هو بارعٌ حقًا؟
بما أنهُ يمتلكُ بنيةً جيدةً ومظهرًا وسيمًا وكانَ يصرخُ بملءِ فيهِ منذُ اللقاءِ الأولِ، فقدْ ظننتُهُ مجردَ ابنِ عائلةٍ نبيلةٍ ثريةٍ تقليديٍّ.
ولكنْ بالطبعِ، لو كانَ فتى تافهًا كهذا لما تمكنَ من دخولِ المعسكرِ أصلاً.
“إلى ماذا تنظرُ بهذِا الوجه؟”
كنتُ غارقًا في أفكاري وأحدقُ بفراغٍ فقطْ، ولكنْ يبدو أنَ نظرتي كانتْ مزعجةً للسيدِ الصغيرِ.
“لا حاجةَ لأنْ تنظرَ إليَّ هكذا. فسأضربُكَ وأسحقُكَ قريباً.”
وعلى الرغمِ من أنهُ قالَ ذلكَ وهو يقطبُ حاجبيهِ بشكلٍ يبدو مخيفًا.
إلا أنهُ مهما حاولَ التهديدَ بعينيهِ الحادتينِ، يظلُّ السيدُ الصغيرُ سيدًا صغيرًا فقطْ.
وهذا يعني أنَ الأمرَ بالنسبةِ لي لا يختلفُ كثيرًا عن جروِ ذئبٍ صغيرٍ يزمجرُ وهو مغطًى بالوبرِ.
“لا، أنا لم أكنْ أنظرُ بحدةٍ بلْ…….”
“هلْ تُراوغ مجددًا؟ يبدو أنَ الكذبَ عادةٌ لديكَ.”
“لم أكذبْ عليكَ قطُّ.”
كذبٌ في تلكَ المسافةِ القصيرةِ التي مررنا بها في اليومِ الأولِ من الامتحانِ؟
وقبلَ كلِّ شيءٍ، لو كذبتُ عليكَ عامدًا فلنْ تعرفَ حتى إن كانَ ذلكَ كذبًا.
“ههْ، كمْ أنتَ واهمٌ. هلْ تعتقدُ أنهُ يعقلُ ألَّا يعرفني أنا، ماكسيميليان ديغريف، أيُّ شخصٍ يأكلُ من خبزِ نوكس؟”
“لقدْ سمعتُ بالاسمِ من قبلُ ولكنني لم أعلمْ أنكَ أنتَ هو.”
يبدو أنني جرحتُ كبرياءَ السيدِ الصغيرِ دونَ قصدٍ.
وعندما كنتُ على وشكِ تطبيقِ درسِ مجموعةِ العملياتِ الذي يقولُ ‘من الأفضلِ الاعتذارُ بسرعةٍ للشخصِ المزعجِ والتخلصُ منهُ’:
“إذا كنتَ مستاءً فأنا آسـ……”
“لقدْ فتشتني عدةَ مراتٍ ومع ذلكَ لم تكنْ تعرفُ اسمي؟”
“آه.”
يبدو أنهُ ضُبطَ معي ذاتَ مرةٍ وهو يحاولُ إدخالِ بضائعٍ غيرِ مصرَّحٍ بها.
لا عجبَ أنهُ بدأَ بافتعالِ المشاكلِ معي مباشرةً.
“لن يصبحَ شخصٌ مثلُكَ متدربًا أبدًا. سأعيدُكَ إلى تلكَ نقطةِ الحراسةِ القديمةِ والمهترئةِ.”
أنا نفسي لا أريدُ أن أصبحَ متدربًا.
وليسَ لديَّ سوى الرغبةِ في العودةِ إلى مجموعةِ العملياتِ فورًا الآنَ لأعيشَ باسترخاءٍ.
ولكنْ لم يكنْ أمامي سوى هزِّ رأسي رفضًا لكلامِ السيدِ الصغيرِ الذي قالَ إنهُ سيعيدني إلى مكاني الأصليِّ.
“هذا أمرٌ صعبٌ بعضَ الشيءِ.”
بما أنني في وضعٍ تمسكُ فيهِ سحليةٌ مخيفةٌ بعنقي.
ولكي أقبضَ على الجاسوسِ المختبئِ في معسكرِ التدريبِ وأسلمَهُ، يجبُ أن أصبحَ متدربًا.
تدخلتْ فاديلا بونديز، التي كانتْ تراقبُ باهتمامٍ تلقِّي نظراتِ ماكسيميليان ديغريف المشتعلةِ، قائلةً:
“لتتوقفا عن صراعِ الإراداتِ هذا. سأوزعُ عليكُما الأسلحةَ فلتتقاتلا بشكلٍ صحيحٍ. لا تتحدثا بأفواهِكُما بجهدٍ.”
وكانَ السلاحُ الذي وزعتْهُ هو السيفُ الخشبيُّ.
وهو يشبهُ ذلكَ السيفِ الذي جمعتُهُ قطعةً قطعةً ووضعتُهُ في الصندوقِ سابقًا.
‘آها، لهذا السببِ قالَ إنهُ سيضربني وليسَ سيطعنني؟’
الآنَ فقطْ فهمتُ تهديدَ السيدِ الصغيرِ.
وعلى الرغمِ من أنها مبارزةٌ، إلا أنهم لا يستخدمونَ السيوفَ الحقيقيةَ.
فقدْ كانَ معسكرًا يحتوي على جانبٍ إنسانيٍّ على غيرِ المتوقعِ.
وعلى عكسِ أسلوبِ نوكس المنظمِ، كانتْ هناكَ فترةٌ لتدريبِ المستجدينَ في ويكرز أيضًا.
وفي اليومِ الأولِ من تلكَ الفترةِ، كانَ الشيءُ الذي تسلمتُهُ هو خنجرٌ ذو نصلٍ حادٍّ.
وووشْ، وووشْ—
أنزلتُ طرفَ السيفِ الخشبيِّ نحو الأرضِ وهززتُهُ بخفة.
‘إنهُ ثقيلٌ.’
وبدا وكأنهُ يحتوي على قضيبٍ حديديٍّ سميكٍ بالداخلِ أكثرَ من السيوفِ التدريبيةِ.
وكانَ التوازنُ أفضلَ بكثيرٍ، مما جعلني أتذكرُ السيفَ الذي كنتُ أستخدمُهُ في الأصلِ.
“رونيلك آينس، ماكسيميليان ديغريف. ليأخذْ كلٌّ منكُما مكانَهُ.”
تحركتُ نحو وسطِ ساحةِ التدريبِ بناءً على توجيهاتِ فاديلا بونديز.
وعندما وقفنا أنا وماكسيميليان ديغريف في مواجهةِ بعضِنا البعضِ، رفعَ المتدربونَ الذينَ كانوا هادئينَ حتى الآنَ أصواتَهُمْ.
“ماكسيميليان! لا ترحمْهُ!”
“القبولُ في منتصفِ العامِ، أرِهِ مكانَهُ الصحيحَ!”
“اسحقْ هذا النوعِ من الأشخاصِ دفعةً واحدةً!”
وأصبحَ السيدُ الصغيرُ، الذي حظيَ بدعمِ زملائِهِ، أكثرَ غطرسةً وزهوًا.
ويبدو أنَ هناكَ الكثيرَ من الأشخاصِ الذينَ يرونَ وجودي بغيضًا.
ولم أكنْ مستاءً.
لأنني أستطيعُ فهمَ تلكَ المشاعرِ.
وكلُّ ما في الأمرِ أنَّ شعورًا خفيًّا بالارتياحِ تسلَّلَ إلى داخلي؛ إذ ليسَ الجميعُ يوافقُهم الرأي.
فقدْ كانَ بعضُ المتدربينَ يراقبونَ هذا الموقفَ بحدِّ ذاتهِ باهتمامٍ.
وكانتْ هناكَ مجموعةٌ من المتدربينَ ينظرونَ بطرفِ عينِهِم بنظراتٍ غيرِ ممتنةٍ إلى الذينَ يشجعونَ ماكسيميليان.
‘هلْ تشكلتِ الفصائلُ داخلَ هذا المكانِ بالفعلِ؟’
وفكرتُ أنهُ بمجردِ أن يُقرَّرَ قبولي، يجبُ أن أبدأَ بالبحثِ من ذلكَ الجانبِ بالتدريجِ.
فالعدوُّ لـ تلكَ القوةِ هو دائمًا المصدرُ الأسهلُ لجمعِ المعلوماتِ في فترةٍ قصيرةٍ.
“قواعدُ المبارزةِ بسيطةٌ. لا تُستخدمُ الطاقةُ، بلْ تتقاتلانِ بالقوةِ العضليةِ النقيةِ والفنونِ الجسديةِ فقطْ. ويفوزُ مَن يعلنُ خصمُهُ الهزيمةَ، أو يخرجُ عن حدودِ الساحةِ، أو يفقدُ سلاحَهُ ويصبحُ عاجزًا عن الهجومِ. وبخلافِ ذلكَ، حسناً، فلتتقاتلا جيدًا بمعرفتِكُما. تبدأُ المبارزةُ!”
وبدأتِ المبارزةُ مع كلماتِ فاديلا بوندز غيرِ المسؤولةِ بعضَ الشيءِ.
ولكنْ لم أتحركْ أنا ولا ماكسيميليان ديغريف على الفورِ.
كنتُ أنا أُقَدِّرُ المستوى الذي يجبُ أن أظهرَ بهِ مهاراتي، أما السيدُ الصغيرُ فـ…..
“سأتركُ لكَ الهجومَ الأولَ، تعالَ.”
كانَ يتصرفُ باسترخاءٍ وتكبرٍ.
وفي المبارزاتِ أو النزالاتِ، يندفعُ الطرفُ الأضعفُ مهارةً أولاً في العادةِ.
فميزةُ الهجومِ الأولِ كبيرةٌ، كما أنَ مراعاةَ الضعيفِ هي فضيلةُ القويِّ.
وباختصارٍ، كانَ ماكسيميليان ديغريف يستخفُّ بي تمامًا.
ولم يكنْ ذلكَ يجعلني أشعرُ بالسوءِ أبدًا.
“شكراً لكَ.”
وبالطبعِ، لو كنا نتقاتلُ بالمهارةِ الحقيقيةِ، لكانَ من الصحيحِ أن يندفعَ السيدُ الصغيرُ أولاً عشرَ أو عشرينَ مرةً.
ولكنْ بما أنَ الخصمَ يمنحني الفرصةَ، فيجبُ أن آخذَها وألتهمَها.
تاتْ!
وجهتُ طعنةً بالسيفِ الخشبيِّ مستفيدًا من سرعةِ الاندفاعِ ومضيفًا إليها وزنَ جسدي.
وفي الهجومِ الذي استهدفَ منطقةِ فمِ المعدةِ لدى ماكسيميليان، حاولتُ وضْعَ ثلثِ قوتي فقطْ كاختبارٍ.
تاكْ—!
صدَّ الفتى سيفي مع صوتِ احتكاكٍ صلبٍ.
وفكرتُ وأنا أنظرُ إلى عيني ماكسيميليان اللتينِ اتسعتا قليلًا تفاجأً:
‘لم يحصلْ على مركزِ المتفوقِ مجانًا.’
وعلى الرغمِ من أنني تحكمتُ في سرعةِ حركةِ السيفِ بشكلٍ مناسبٍ، إلا أنَ الهجومَ لا بدَ أنهُ كانَ ثقيلًا للغايةِ لأنني وضعتُ وزني في الخطوةِ الأخيرةِ.
ومع ذلكَ، صدَّهُ ماكسيميليان بشكلٍ جيدٍ إلى حدٍّ ما.
وكانَ قدرُ صدِّهِ لسيفي الخشبيِّ مناسبًا، وأظهرَ سرعةَ بديهةٍ بتراجعِهِ نصفَ خطوةٍ لتأمينِ مسافةٍ آمنةٍ.
“أنتَ أيها الوغدُ……!”
بدا السيدُ الصغيرُ وكأنهُ يريدُ قولَ شيءٍ ما، ولكنهُ عضَّ على أسنانِهِ بسببِ هجومي الثاني الذي تبِعَهُ فورًا.
طاكْ!
ترددَ صدى صوتِ ضربةٍ أعنفَ من قبلُ.
وكانَ ذلكَ لأنني وضعتُ قوةً أكبرَ هذهِ المرةِ.
ولكنْ لم يقفْ ماكسيميليان مكتوفَ الأيدي أيضًا.
سسسستْ!
فقدْ أمالَ نصلَ سيفِهِ بزاويةٍ وجعلَ سيفي ينزلقُ.
وبما أنهُ لم يواجهِ الضربةَ مباشرةً ولم يدفعْها، فقدْ تمكنَ ماكسيميليان من استخدامِ قوةِ ضربتي النازلةِ لصالحهِ.
هووونغ—!
وكانتِ القوةُ الكامنةُ في السيفِ الخشبيِّ الذي أرجحَهُ دونَ ترددٍ من أعلى اليسارِ إلى أسفلِ اليمينِ شديدةَ الضراوةِ.
“إتْ!”
تراجعتُ إلى الخلفِ متجنبًا هجومَ ماكسيميليان.
وتطايرَ العشبُ من تحتِ قدمي التي خطوتُ بها بخشونةٍ متعمدةٍ.
“أنتَ بارعٌ حقًا بالنسبةِ لشخصٍ من مجموعةِ العملياتِ؟”
قالَ ماكسيميليان ديغريف ذلكَ وهو يستهزئُ بي وأنا أترنحُ قليلًا.
وعضضتُ شفتي تظاهرًا بالغيظِ وفكرتُ:
‘هلْ معلمُ السيفِ لعائلةِ ديغريف هو فارسٌ؟’
لقدْ كانتْ ضربتينِ فقطْ، ولكنها كانتْ كافيةً لفهمِ السيدِ الصغيرِ.
فانخفاضُ مركزِ الجاذبيةِ العامِّ، وأسلوبُ الخطواتِ المبسطِ لأقصى حدٍّ هما حكرٌ على الفرسانِ تقريبًا.
والطريقةُ التي يمنحني بها الوقتَ لإصلاحِ وقفتي الآنَ وهو يسخرُ مني كانتْ كذلكَ أيضًا.
ومهما كانتِ المبارزةُ بالسوفِ الخشبيةِ، فإنَ مقاتلي السيوفِ من المرتزقةِ، أو الجنودِ، أو الذينَ نشأوا في الأزقةِ الخلفيةِ يختلفونَ عن ذلكَ.
لأنهم يُدربونَ على الاندفاعِ مباشرةً إذا أظهرَ الخصمُ ثغرةً.
وفي ساحةِ القتالِ، لا يظهرُ مثلَ هذا الاسترخاءِ للخصمِ سوى الفرسانِ الذينَ غُلقتْ عقولُهُمْ من الأمامِ والخلفِ.
“الآنَ جاءَ دوري.”
قالَ ماكسيميليان ذلكَ بجرأةٍ واندفعَ نحوِّي.
وشيكْ! ششيكْ!
وكانَ هجومًا يستهدفُ الطعنَ بدقةٍ في النقاطِ الحيويةِ من الصدرِ.
وكانتْ نيةُ ماكسيميليان، الذي اختارَ نفسَ أسلوبِ هجومي الأولِ، واضحةً.
فهو يريدُ إظهارَ أنهُ الأكثرُ تفوقًا.
وعندما رأيتُ ماكسيميليان وعيناهُ تلمعانِ ظنًا منهُ أنهُ أمسكَ بزمامِ النصرِ، تملَّكني الفضولُ.
يا ترى إلى أيِّ مدى يمكنُ أن يصلَ هذا السيدُ الصغيرُ؟
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.